النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

مصر تتعافى...

رابط مختصر
العدد 10426 الأربعاء 25 أكتوبر 2017 الموافق 5 صفر 1439

 كثيرة هي المرات التي فيها زرت العاصمة المصرية القاهرة، سواء أكان ذلك تأدية لموجبات متعلقة بالوظيفة مثل حضور ورش العمل أو دورات تدريبية أو مؤتمرات، أم للنقاهة والاستجمام برفقة الأسرة أحيانًا وأخرى مع نخبة من الأصدقاء كما هو الحال في مثل زيارتي القاهرة هذه المرة، وأصدقكم القول بأنها قليلة تلك المرات التي فيها عدت من القاهرة ولم أكن محفوفاً بجميل الذكريات وشفيف الخواطر، ومستزيدًا معرفة بهذه البلاد العظيمة، ومحمولاً بحنين الرجوع إليها كلما تسنح الفرصة. عندما أقوم بزيارة هذه البلاد الجميلة أراني غالبًا ما تنتابني الرغبة المدفوعة بالحب إلى الكتابة عن مصر الأرض التي تحتوي الكثير والمتنوع من كنوز أثرية تناقلتها الأطوار التاريخية للدول عبر أكثر من سبعة آلاف سنة، وعمن ورث هذا الإرث الفريد وبنى عليه، وعن جميل تعامل هؤلاء البناة مع الزائرين بدماثة الخلق وبالروح الفكهة أينما وجدت نفسك متعاملاً مع المواطن المصري. 

 مصر حكاية مطبوعة في سفر التاريخ أبطالها مصريون احترفوا صناعة السرد الممتع وإن كان في هذا السرد شيء من الخيال، ولديهم ما يكفيهم من المهارة على ترجمة المثل المصري «اللي يشرب من مية النيل يرجع له تاني»، لتصبح زيارة مصر لدى الفرد عادة فلا يتردد أن يعيد الكرة لزيارة هذا البلد الجميل مرة ثانية وثالثة راضيًا حتى بأسباب الضيق من بعض الممارسات التي يأتيها البعض وخصوصًا في المرافق السياحية. تبدأ الحكاية من أولى لحظات قراءتك «ادخلوها آمنين» ومن ثم مباشرتك الحديث مع أول عامل يقابلك في المطار ولا تنتهي بعد مغادرتك المطار بل تعلق بك ذكريات هذا التعامل إلى أن تعود إلى مصر مرة أخرى.

 زمن برنامج الزيارة كان موزعًا على منطقتين عدلت بينهما في توزيع أيام الزيارة، خمسة أيام في القاهرة ومثلها في شرم الشيخ، ورغم أنني كنت قد عقدت العزم على الحديث عن شرم الشيخ، وهي زيارتي الأولى لهذه الجنة السياحية، فإني سأرجئ هذا الحديث مفصلاً إلى وقت آخر. لقد كنت أنوي أن أحدثكم عن مدينة لا تنام، تبقى دائمًا نابضة بالحياة، ضاجة بالحركة السياحية على مدار الساعة، وأن أخبركم بما كان يدور في ذهني وأنا أسير وأصحابي في طرقات هذه المدينة مزهوين بحمل أحد أهم شوارعها، إن لم يكن الأهم، اسم «شارع جلالة ملك مملكة البحرين» في شهادة دالة على ما يحظى به جلالة الملك وشعبه والبحرين عامة من مكانة في قلوب أشقائنا المصريين، كنت أرغب في سرد وقائع رحلتنا البحرية الجميلة التي استأجرنا فيها طرادًا خاصًا مخر بنا عباب البحر الأحمر لزيارة شعب مرجانية محاذية لجزيرة تيران، غير أن كل هذه الرغبات لم يكتب لها أن تتحقق، لأنني قدرت ضرورة تقديم الأهم على المهم في حديثي عن رحلتي إلى أرض الكنانة، فقد صادف وأن تزامن وجودنا هناك مع الحدث الإرهابي المجرم الذي حدث بمنطقة الواحات وتضاربت الأنباء حول عدد ضحاياه ما بين 54 ضحية كما جاء في الإعلام الأجنبي، و16 كما جاء في البيان المصري، لقد أفسد علينا هذا العمل الإرهابي تمتعنا بخيرات التجوال في ربوع مصر بما خلفه في النفس من مشاعر الحزن على شهداء الواجب وعلى ما يكابده الشعب المصري الشقيق من جرائم إخوان الشيطان الإخوان المسلمين- أو المجرمين وهي التسمية الأصح- الذين لا يريدون الخير لمصر بل يعملون ليلاً نهارًا ليفسدوا على الدولة المصرية جهودها في الخروج من نفق الأعمال الإرهابية التي تفنن الإخوان المجرمون فيها باستهداف رموز الدولة المصرية استهدافًا لا غاية له إلا زراعة الخوف في المجتمع المصري وخنق السياحة المصرية أحد شرايين الاقتصاد المصري.

 تشعرك القاهرة بشكل عام، من خلال سهرها واستيقاظها الصباحي، ومن خلال انسياب ساعات يومها بصورة سلسة بأنها تجاوزت آلام المرحلة السابقة، مرحلة ما سمي بـ«الثورة» وما استتبعها من عنف وتطرف أودى بحياة كثير من الأبرياء، وبأنها قد غادرت محطات بؤس الإخوان المسلمين الاجتماعي، فتلك العصابة كانت في أثناء توليها مقاليد الحكم في مصر المحروسة تعمل على تأسيس ثقافة غير الثقافة التي عهدها الشعب المصري عبر آلاف السنين. تشعرك القاهرة بأنها بدأت ترسي بثبات مرحلة ما بعد الثورة، مرحلة البناء والتعمير، متجاوزة بذلك آثار المرحلة التي أثقلها الإخوان المجرمون وأبواقهم الإعلامية الصدئة بتنظيرات بائسة تلتقي جميعها في التعبير عن رغبة عصابة القرضاوي ووجدي غنيم ودكاكين الاتجار بحقوق الإنسان في العودة بالمجتمع المصري إلى الوراء. كما أنها تشعرك بأنها على أهبة الاستعداد للتصدي لأعمال التطرف التي يستزرعها الإخوان في ربوع البلاد من خلال إثارة حالة من التوتر على صعيد الحياة اليومية. المشهد الدولي يتيح التفاؤل ويسمح بالقول، وبالثقة الصريحة إن الإخوان صفحة سوداء في تاريخ مصر والعرب حان وقت طيها إلى الأبد.

 ولا ينبغي أن ينخدع الرأي العام بـ«الفرقعات» الإرهابية الإعلامية التي تجري بين الفترة والأخرى في جزيرة سيناء أو غيرها من المناطق أو تلك التي يقودها الإخوان المسلمون أو بإيعاز وترتيبات منهم على الحدود الليبية المصرية، فالحياة بالقاهرة وغيرها من المدن والمناطق السياحية تسير وفق ما يرى النظام المصري لها. الأمن مستتب، والتصدي المطلوب لقوى الإرهاب والتطرف التي يقودها فلول الإخوان، متوافر بأعلى درجات الجاهزية. ولهذا تبدو صورة الإرهابيين من دواعش وإخوان وقاعديين في المناطق البعيدة صورة ذئاب ضالة معزولة عزلة من أصابه الجرب. القاهرة وشرم الشيخ مناطق فيها الأمن مستتب كما في غيرها من المناطق، وهي الحقيقة التي تزعج الإخوان المجرمين ولذلك تراهم يسعون جاهدين إلى إطفاء نورها الساطع الدال على أن مزبلة التاريخ قد بدأت فعلاً في استقبال أحفاد حسن البنا.

 الإرهاب حالة مرضية أصيبت بها مصر بفضل بركات الإسلام السياسي وما سمي بالربيع العربي، وللإرهاب عنوان وحيد أوحد في مصر هو عصابة الإخوان المسلمين. ولكي يبقى المجتمع بعيدًا عن عدوى ذرية سيد قطب وأبي الأعلى المودودي ينبغي عزل هؤلاء بعيدًا، فلا بد من محاصرتهم واقتلاعهم ومن يدين بمذهبهم من المنابر الإعلامية، والمساجد، والصحف، والمدارس. وبحكم ما شاهدته في مصر المحروسة من استعدادات للدولة المصرية، فإني أرى بأن المجتمع المصري يسير في طريق الشفاء من هذا المرض الخطير. والشفاء يقتضي بعضاً من الوقت، ولكنه بعزم أهل مصر واقع لا محالة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها