النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مسألة وحدة العراق..

المواطنة المتساوية أو مواجهة الخراب المقيم

رابط مختصر
العدد 10426 الأربعاء 25 أكتوبر 2017 الموافق 5 صفر 1439

كتب لي أحد الأصدقاء ملاحظات غاضبة حول ما كُتب في عدد من المقالات حول قضية «كرد شمال العراق» ومحاولاتهم المستميتة الإعلان عن الاستقلال في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها العراق. حيث استفزه ما اسماه «النغمة اليسراوية العربية» التي عبر من خلالها بعض الكتاب - والكلام للصديق - عن فرح نادر بمناسبة تنظيم الاستفتاء في كردستان العراق، وكأنه النصر المبين، تحت عنوان حق تقرير المصير. وهم يذهبون في بهجتهم مذهبا بعيد المدى، استنادا إلى طروحات مؤيدي استقلال كردستان العراق دون غيره مع ان عدد الأكراد في هذا القطر لا يتجاوز 5 ملايين نسمة، في حين يتجاوز عددهم في البلدان المجاورة الأخرى مثل إيران وتركيا 35 مليون نسمة. وإذا انطلقنا من حق تقرير المصير التي يتحدث عنه يساريونا، فليكن ذلك باستقلال الكرد في اقليمهم فقط، وليس باحتلال أراض لم تدخل في يوم من الأيام تحت سيطرتهم مثل كركوك وغيرها، حيث لا يعقل ان يمتد الإقليم الكردي على أراض عربية قلبًا وقالبًا، وكانت عبر التاريخ الطويل مرابع للقبائل العربية.

 ويضيف الصديق: «يردد يساريونا ما يقوله السياسيون الكرد من أن اقليم كردستان لم يحصل على حقوقه القومية، وان الاكراد يتعرضون إلى التهميش وأنهم القومية المظلومة، في مواجهة القومية الظالمة، مع أن زعماء الكرد شركاء للنظام السياسي الذي أقام أركانه الاحتلال الأمريكي منذ 2003م وشركاء في كتابة دستور 2005م. بل إن جميع الدساتير العراقية السابقة لم تهمش الكرد العراقيين، ولم تعتبرهم أقلية قومية، بل ركنًا أساسيًا من الشعب العراقي. ومع أن ما حصل عليه الإخوة الكرد من حقوق وامتيازات جعلتهم يتفوقون على الجميع، وحتى إذا أخذنا بمبدأ تقرير المصير لكرد العراق فهل يجوز لحكومة الإقليم الإعلان عن الاستقلال وتأسيس دولة كردية خارج إطار التفاوض السياسي مع بغداد ومن دون مسار تفاوضي بين الطرفين حول فكرة استقلال الإقليم». انتهت الملاحظات.

والحقيقة أن المعطيات التي رصد بعضها الصديق وغيرها كثير، تدفعني إلى رصد عدد من الحقائق لا علاقة لها بالموقف الأيديولوجي الذي انتقده:

أولا: إن السياق الذي تجرى فيه عملية الانفصال، حيث هنالك قناعة بأن التطورات التي تشهدها المنطقة حاليًا، تمثل «فرصة تاريخية استثنائية» للدفع بهذا المطلب ليكون أمرًا واقعًا. ذلك أن تجديد الحديث عن انفصال الإقليم عن العراق وإقامة دولة كردية مستقلة لا يمكن فصله عن الحالة المزرية التي أصبح عليها العراق، ومعه العرب الذين باتوا يوصفون في بعض التحاليل بأنهم (الرجل المريض في النظام العالمي الجديد). وأن الرفض اللفظي الظاهري التي ابدته بعض الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية لتنظيم الاستفتاء من دون تفاهمات، لا ينفي الموافقة الضمنية على الاستقلال ورسم حدود السيطرة الجغرافية لمناطق السيطرة للدولة الكردية، ليس في العراق فقط، بل حتى في سوريا، حيث يجري رسم خارطة الإقليم الكردي على الأرض، وتنفيذها من خلال استغلال الأوضاع الحالية للدفع بقوات سوريا الديمقراطية (بأعلامها الكردية) لرسم حدود الإقليم الكردي السوري. 

ثانيا: إن العديد من القوى والشخصيات اليسارية العراقية والكردستانية كان لها موقف داعم ومؤيد لحق تقرير المصير للشعب الكردي من خلال استفتاء ديمقراطي وفي الوقت المناسب وبالتفاهم مع السلطة الاتحادية، ولكنّها لم تدعم ولم تؤيّد الاستفتاء الأخير الذي أُجري في إقليم كردستان بزعامة برزاني المتعطش الى مجد تاريخي. وذلك لأسباب عديدة، منها: افتقاد هذا الاستفتاء إلى أبسط مقومات الاستفتاءات الديمقراطية إضافة إلى سوء توقيته وانتهازيته التي قامت على استغلال الظرف الصعب، وغياب التوافق عليه. فاليسار، وانسجامًا مع الاسس الفكرية يفترض ألا يقف مع النزعات الشوفينية المتعصبة، سواء أكان ذلك من هذا الطرف ومن ذاك. ولذلك فإن الحديث عن ظلم قومي للأكراد في العراق في الوقت الحالي يدعوهم إلى استعجال الاستقلال لا مبرر له اطلاقًا. خاصة وأن السلطات المحلية الكردية هي من تمارس الظلم القومي بحق القوميات والأقليات الأخرى في الإقليم، وقد تمت إدانة ذلك من منظمات حقوق الإنسان، خاصة بعد ممارسة ضروب الاضطهاد لسكان المناطق المتنازع عليها. من دون أن ننسى أن الأحزاب الكردية كانت أحد أقطاب الحكم الرئيسية في العراق، وشاركت، بشكل او بآخر في مخرجات هذا الوضع وثماره المرة، ممثلة في العنف والحروب والفقر والفساد والتطير الطائفي.

 

ثالثا: أما الذين صدعوا رؤوسنا بمفاهيم «النضال الأممي» عقودا عديدة، فقد انقلبوا اليوم على طروحاتهم الأساسية - كما فعلوا إبان موجهة الربيع العربي عندما لم يجدوا أي مانع في التحالف مع قوى الإسلام السياسي غير الديمقراطية - وباتوا يتحدثون عن نضال قومي لصالح القومية الكردية. ومهما كانت تبريراتهم للوقوف مع حزب برزاني ضدّ ما سمي «بـالعدو القومي»، فإنهم، ومن دون ان يدركوا، يسهمون بجر الشعب العراقي نحو جحيم الصراعات والمواجهات التي سوف تفتح جحيم حروب قومية على أنقاض حروب طائفية لم تنتهِ بعد. والهاء المواطنين العراقيين عن مشاكلهم الحقيقية بما يخدم في النهاية قوى الإسلام السياسي الطائفية التي تسببت في أكبر المآسي للعراق وشعبه. ولذلك فإن الحفاظ على وحدة العراق تبقى هي الامر الأكثر حيوية ومبدئية، ولكن على أساس المواطنة المتساوية، ومن دونها فالخراب المقيم.

رابعا: إن بعض نصوص دستور العراق الجديد، الذي تم اعداده في ظل الاحتلال الأمريكي وبالتوافق مع الاكراد أنفسهم، قد فتحت المجال أمام باقي الطوائف الدينية والمذهبية والعرقية لإمكانية الإعلان عن أقاليم عراقية أخرى مستقلة، وهذا موطن الخطورة؛ لأن الاستقلال الكردي لن يكون النهاية، بل من المرجح أن يكون البداية لمزيد من التقسيم والتفتيت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها