النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

البحث عن هوية ضائعة

مواطنـــــــون عالميـــــون على الهـــــــامش

رابط مختصر
العدد 10424 الإثنين 23 أكتوبر 2017 الموافق 3 صفر 1439

بلا هوية

قلت للشاب الواقف أمامي، وهو يهم بالجلوس: «صباح الخير».

فردّ من دون تردد: هاي مستر، هاو ار يو؟

قلت متقصدا لفت انتباهه وهو العربي ابن العربي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته!!

رد من دون أن يأبه للتعريض في كلامي: قود فيري قود آيم فاين!!

سألته مستغربا: ألا تتحدث اللغة العربية ؟؟

قال بفخر واعتزاز ظاهرين: أي دونت اندرستاند (بمعنى أنه لا يفهم ما أقول).

وأردف بالإنجليزي: «أنا أفهم كلمتين فقط: السلام عليكم، واش لونك؟ لكثرة ما اسمعهما».

قلت منهيًا الحديث معه: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، كثر الله من أمثالك!!

عقب بالإنجليزي مبتسما ومن دون ان يفهم ما قلت على ما بدا لي: «الحمد لله هذه أيضا افهمها، ومعناها: فاين!».

فتساءلت بيني وبين نفسي: لماذا يتصرف مثل هذا الشباب الضائع وكأنهم أعضاء في جالية أجنبية، مع انهم عرب أبناء عرب، وفي بلد عربي يفخر بهويته العربية؟

 

جالية

في ركن من إحدى المقاهي، جلست للاستراحة وشرب القهوة، وكان من حولي عدد من الشباب (ذكورا وإناثا) – بدا لي انهم طلبة كانوا يتحدثون بصوت عالٍ باللغة الإنجليزية عن الدروس وبين أيديهم كتب ودفاتر. 

كان هؤلاء الشباب جميعا وبلا استثناء يتحدثون باللغة الإنجليزية، ويقهقهون بالإنجليزي وينكتون بالإنجليزي، و«يتهاوشون» بالإنجليزي، وخلال أكثر من ساعة لم استمع إلى كلمة واحدة باللغة العربية أو حتى بالعامية. 

تجرأت على سؤال أحدهم عندما طلب مني استعارة القداحة التي كانت على الطاولة: لماذا تتكلمون بالإنجليزي مع انكم من أبناء البلد ولستم أبناء لأجانب؟

فابتسم ابتسامة عريضة ورد كمن هو مشفق عليّ:

«يا أستاذ نحن مواطنون عالميون ولذلك تجاوزنا هذه النظرة الشوفينية المنغلقة، واللغة الإنجليزية هي لغة هذه المواطنة العالمية، اما اللغة العربية فلغة عتيقة بائدة لا لزوم لها، لغة عتيقة وثقيلة وغير عملية؟».

قلت للشاب الأسمر الأنيق: «المواطنة العالمية يا ولدي تعني تعلم القيم والمعارف والمهارات التي تقوم على احترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والتنوع والمساواة بين الرجل والمرأة والاستدامة البيئية، وتعني أيضا اكتساب المتعلمين الكفاءات والفرص اللازمة لإنفاذ حقوقهم والوفاء بواجباتهم تجاه مجتمعاتهم بهدف التشجيع على بناء عالم أفضل ومستقبل يحتضن الجميع. ولكن لا تعني المواطنة العالمية مطلقا، التخلي عن اللغات الوطنية وتحقيرها والحط منها، مثلما تفعلون، فلغة الانسان هي عالمه وهي مأوى الوجود. وهي اشبه ما تكون بدائرة مغلقة تتحدد من خلالها رؤية الناطقين بها إلى العالم من حولهم وإلى الوجود بشكل عام، وقياسا على ذلك، فإن الناطق باللغة العربية منشأ وأصلا، هوية ووجودا، تكون رؤيته للعالم ونظرته للوجود قد تحددت بلغة المنشأ والمولد، وحتى ولو تحدث بلغة أجنبية مثل الإنجليزية، فلن تحيد رؤيته، أو يبتعد تفكيره عن المنظور اللغوي الأصلي للوجود. فأنتم تتحدثون اللغة الإنجليزية من خلال البنية الذهنية للدائرة الأصلية للغة العربية، ولذلك فان سعيكم المحموم الى جعل اللغة الإنجليزية تحل محل اللغة العربية الام، أشبه بمحاولة انقلاب وجودية وتفسيخ للهوية او تحلل منها. وبذلك لن تكونوا ابدا مواطنين عالميين، لأن من لم يستطع أن يكون مواطنا في بلده، بمعنى الوهية والوجود، لا يمكن ان يكون له بعد عالمي حتى وان تكلم باللغة الأجنبية، إلا اذا كان المقصود بذلك الاغتراب والتبعية والتفسخ».

 

المعتصم بالله uk 

حكى لي أحد الأصدقاء أن أحد اقاربه الذي كان يعيش في بريطانيا قد عاد في زيارة للأهل مع ابنه (المعتصم بالله)، بعد 16 سنة من الغربة المتصلة، فدعا افراد العائلة المنتشرين في عدد من القرى المتجاورة للعشاء في البيت الكبير، وليتعرفوا على المعتصم بالله الذي بلغ من العمر 16 سنة ولم يتعرف على اهله وأبناء عشيرته، ولم يتعرفوا إليه. فالتأم الجمع كبارًا وصغارًا، فزاد عددهم الثلاثين، من بينهم الجد أبو فهد. وتحلق الجميع حول العشاء الا المعتصم بالله، فقد تأخر وصوله لأنه ذهب الى المدينة مع ابن خاله لأنه لا يستطيع أكل ما يأكله الناس في هذه البقعة من الارض.

وكان أبو المعتصم محرجًا من الذين جاءوا للسلام على المعتصم والتعرف عليه. ولذلك كلما همّوا بالذهاب ترجاهم ان ينتظروا قليلا. إلا ان المعتصم تأخر الى ما بعد العاشرة مساء، فاضطروا الى المغادرة. ولم يبق منهم سوى أبي فهد، وهو رجل كبير السن، استبشر خيرًا باسم المعتصم بالله وأصر على البقاء الى حين عودته، وفي مخيلته كل المعاني التي يوحي بها اسم المعتصم.

وبالفعل عاد المعتصم بالله، فإذا به شاب رقيق ناعم يتمايل كغصن البان، وقد جعل شعره الطويل ضفائر، ولبس قميصا من الحرير مفتوحا على أسفل الصدر، فسلم رطنا بالإنجليزية: (هاي افري بودي) فسال الجد ابنه أبا المعتصم: من هذا الولد؟ فرد أبو المعتصم وقد أحرج أيما إحراج: هذا ولدي المعتصم بالله!

لم يفهم الجد ما يحدث من حوله، وطفق يسأل كمن فقد عقله: هل هذا معتصم؟ حرام يا جماعة بالله عليكم أين المعتصم؟! فوالله لو علمت انه هذا هو المعتصم، لما بقيت لحظة واحدة لأراه أو أسلم عليه!!

 

في زمن مضى

قبل عقود من الزمان كنا نتفاخر بمقدار العلم الذي يمكن للمرء أن يحصّله، وبمقدار الوعي الفكري الذي يمكن أن نمتلكه، ومدى القدرة على الإبداع في مختلف المجالات - وقتها - في الزمن الجميل كما كنا نسميه-كانت تأخذنا الأحلام بعيدا عن الدعاية والمغريات المادية، وكان الواحد منا يخجل من التصريح بأي تطلع (مادي) خارج نطاق الحاجات، كان هنالك حلم وسلوك نموذجي يُقتدى بصور الزهد المادي والنهم المعرفي والفكري والفني والروحي. لقد كانت موجة عاتية ومؤثرة، ولكنها في كل الأحوال لم تكن (موضة)، لم تكن شطحة عابرة، كانت ترجمة لقيم تغلغلت وارتبطت بأفكار ورؤى وأحلام حول عالم تسوده المحبة والتسامح والسلام والتضحية، عالم بلا حروب، وبلا أمراض وبلا فقر أو مجاعة، عالم كانت فيه القصائد والأغاني تتحدث عن الحرية للإنسان، عن الجمال والتضامن والمحبة والتسامح والأخوة.

اليوم، هنالك قسم من الأبناء، متجهون باهتماماتهم وتطلعاتهم، نحو قيم الاستهلاك الفج من دون إنتاج، جيل يطالب بكل شيء، ويأخذ في الغالب من دون عطاء كبير، أو بعطاء محدود، ويستجيب بصعوبة بالغة لبواعث العمل المنتج وقيم التضحية، ولذلك فإن أخص ما يقلق هو انتشار نوع من الفردية المستفزة والرغبات التي تنزع نحو الظواهر الشكلية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها