النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10943 الثلاثاء 26 مارس 2019 الموافق 19 رجب 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:16AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:52PM
  • العشاء
    7:22PM

كتاب الايام

قلبــي بــين المحــرق والقاهــــرة

رابط مختصر
العدد 10422 السبت 21 أكتوبر 2017 الموافق 1 صفر 1439

‎يقول المثل العربي الشائع: «القلب يعشق كل جميل»، و«إن عشقت اعشق قمر..» و«القلب مالوش غير واحد يسكنه» و«البعيد عن العين بعيد عن القلب»..هكذا هو أنا باستثناء «القلب»، لأن قلبي مقسوم ما بين البحرين ومصر، بين المحرق منبتي وكينونتي وأمي الحبيبة وبين القاهرة مقري وملاذي الدافئ الحنون، فأنا أحيا مسافرا وسائحا بين الاثنين، واقسم نبضات قلبي بين المحرق والقاهرة، وعندما أكون بمصر الحبيبة أشعر بالاعتزاز بأني أعيش في هذا البلد وأعمل فيه باسم بلدي البحرين، وأفخر بأني بحريني أعمل في هذا البلد المضياف، بيت العرب جميعا، فمصر مصدر إلهام الأدباء والشعراء وموطن الفن وكل العلوم والفنون، بلد التاريخ والأصالة.‪
‎أعيش وسط المصريين الذين يعرف عنهم عدم الميل الي التصلب أو العناد، فهم شعب ودود يميل للمرونة، اللهم إلا ما يمس كرامتهم أو دينهم وكلنا في هذا سواء، وتجد كلمة «ماشي» منتشرة في أوساطهم على سبيل المثال، ولكن مع عدم التجاوز في حقهم أو التنازل عنه.
‎وربما فرض نهر النيل على المصريين حب الاستقرار، فالنهر الخالد أرسى على شاطئيه الخضرة والطبيعة الزراعية، الأمر الذي جعل المصريين يميلون للمحافظة على الاستقرار والتمسك به حتى أصبحت هذه الحالة جزءا من سماتهم الأصيلة لقرون طويلة. ويتميز المصريون الذين عشت معهم سنوات طويلة من عمري بالصبر والشعور بالرضا، بل والتسليم بالرضا، فالصبر أحد سمات الشخصية المصرية، وهو احتمال الشيء الصعب، ويتميز المصريون بقيم دينية نبيلة تعلي من قيمة الصبر وتعد الصابرون بالجنة «فاصبر صبرا جميلا.....»، و«إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»، وربما مبعث هذا الصبر بيئتهم الزراعية التي تربوا عليها قديما، حيث اعتادوا وضع البذور ثم ينتظرون وقت الحصاد صابرين على أمل أن تكون الغلة ممتازة ومثمرة، والغلة هنا تأتي بعد شهور وليس ساعات أو أياما، فالصبر أًصبح أمرا حتميا ولا بديل عنه، فتعجل الحصاد ليس من طباعهم ويؤمنون بأن هذه هي إرادة المولى عز وجل، فلا يستعجلون الزمن حتى وإن مر ايقاعه بطيئا. ومع طول الصبر تحولوا الى شعب قنوع راض بما قسم الخالق لهم، فالصبر والرضا متلازمان، وكل هذا يرتبط بهم حياتيا «من رضي بقليله عاش» ودينيا مثل الآيات «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ» «الحاقة» 21، «لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ» «الغاشية» 9، «ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً» «الفجر» 28، «وَلَسَوْفَ يَرْضَى» «الليل» 21، «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة» «القارعة»، «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى»  «الضحى» 5..حتي أن بعضهم يعلق بعض هذه الآيات في منزله أو في محله لتكون شعاره في الحياة ولا تغيب عن نظره لحظة ليتذكرها في كل لحظة، فالقناعة رضا والرضا قناعة.
‎ولا يفوتني الإشارة الي ميزة مهمة للمصريين يعرفها من يعيش وسطهم عن قرب، وهي حبهم للحياة والفرح والمرح، حتي وإن مروا بأيام أو ظروف غاية في القسوة والمرارة والحزن، فرغم ما يميز الشخصية المصرية من حزن تؤكده عاداتهم وطقوسهم خاصة عند فراق الأهل والأحباب، وعشقهم لصوت الناي الحزين، إلا أنهم لا يفوتون وقت الفرح ويمرحون. وللفرح مظاهره، فتراهم يحبون ويحيون كل الأعياد، والأعياد لدى المصريين تتسم بطبائع ومظاهر خاصة. ففي الحزن يحزنون وفي الفرح يمرحون، فالمصريون رغم أزماتهم لا تغادرهم الدعابة، ويحولون كل ما يمرون به من نكبات أو أزمات حتى لو كانت معيشية الى مصدر للنكتة والدعابة، فهم شعب خفيف الظل حتى لو مروا بأحلك الظروف وهذه ميزة أحبها فيهم. واتذكر قبل أشهر عندما ارتقعت أسعار المحروقات في مصر، فمع هذه المأساة التي كلفت معظم الأسر المصرية مبالغ طائلة ورفعت معدل التضخم هناك بصورة كبيرة، انهالت على مواقع السوشيال ميديا كم من الدعابات والنكات والصور الساخرة من القرار الحكومي، ولعلي اعتقد أن صاحب قرار رفع سعر المحروقات والوقود لو قرأها وهو بالتأكيد اطلع عليها، لفكر ألف مرة قبل إعلانها خوفا من تعرضه لمثل هذه السخرية..فالمصريون يسخرون حتى من أنفسهم ومن قضاياهم ومن مشاكلهم، ولديهم القدرة على تحويل النكبة الى نكتة يضحك لها الجميع.
‎ولا يفوتنا هنا الإشارة الى ميزة كبيرة وعظيمة تميز المصريين، وهي حبهم لمساعدة الأخرين، فالمصريون شعب طيب بالفطرة، وتراه وقت الأزمات يسارع لمد يد الخير والمساعدة، ويكون مقدما للخير بسرعة. ولا أكون مبالغا إذا قلت أنه يسهل على أي شخص تمييز الوجه المصري من طيبته وابتسامته التي تمنحه طاقة ايجابية مستمرة يستمد منها حبه للحياة رغم قسوتها، وفي القاهرة تحديدا وعلي سبيل المثال لن يفوتك مشاهد صعب نسيانها ما حييت خاصة إذا اعتدت على زيارة منطقة عريقة مثل «الحسين» و«الأزهر»، فمن بائع العرقسوس والعصائر المثلجة على كتفه الى بائع الترمس والتسالي وغزل البنات، حتى الأجهزة الكربائية والمحمول أصبحت تباع محمولة على الأكتاف أو شنط يد صغيرة الحجم، وعندما يفتحها البائع ستفاجأ بكم الأنواع التي تحويها من ماركات عالمية الى شواحن وأجهزة ملازمة للتلفونات المحمولة وخلافه..كما لا يفوت زائر المنطقة أو في مكان بالقاهرة موزع الخبز الذي يقود دراجة ويحمل ما يسمونه «قفص» من الخوص به مئات الأرغفة من الخبز في مشهد لن تراه سوى بمصر تقريبا، ويندر أن يقع منه الخبز رغم ثقل الحمل حيث يقود بيد واحدة فيما يحمل القفص بالأخرى.. ولن اتحدث كثيرا عن مجال المأكولات والكباب تجنبا لأن يجري ريق أي أحد، فرائحة دخان المشويات تجبر زائر المنطقة الى الذهاب للمطعم فورا ومن فرط جوعه أو شهيته المفتوحة يكون قد أكل عشرة أرغفة من الخبز بالسلطة المقدمة قبل مجيء الكباب وخلافه.
‪ ‎ولعل قلبي الذي يعشق كل جميل يشتاق وهو في القاهرة بحنين وحب الى البحرين بلدي الأم أرض الخلود، لؤلؤة الخليج، بلد الأهل والأحباب، مرتع الصبى والشباب، فيها أغلى وأحن حبيبة سبب وجودي في هذه الحياة، هي أمي حبيبتي الغالية أطال الله في عمرها، فيها أهلي جميعا وأصدقائي وأحبتي، إنها البحرين أرض الشموخ والإباء التي يقول التاريخ عنها إنها عرفت الإسلام على يد الصحايي العلاء الحضرمي الذي تولى إمارة البحرين في عهد الرسول الكريم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وتمر عليها الأيام والسنون لتبدأ عهدها العربي تحت قيادة المؤسس الأمير أحمد بن محمد آل خليفة ( الفاتح)، وهو الذي أرسى للبحرينيين وحدتهم الوطنية ووجهتهم العربية والإسلامية. وعرف عن الفاتح التقوي والإصلاح وحب تقريب العلماء منه.
 ‎والشيء بالشيء يذكر ولكن مع تغيير بسيط، فعندما أتحدث عن القاهرة كعاصمة لمصر وعشقي، لن تكون مقارنتي عاصمة بعاصمة، ولكن بمدينة عريقة بمدينة عريقة، وأقصد هنا مدينة المحرق، منبتي التي عشت فيها طفولتي وريعان شبابي ونضوجي، عروس البحرين، وموطن العلماء والتجار التي تضم أزهى وأبهى المناظر، ولم لا ؟.. فمياه البحر تحيطها لتصورها لوحة أبدع الخالق في رسمها، فمن جمال الطبيعة وزرقة المياه التي تطغى عليها منحت صورتها روعة وجمالا..لم تكن الطبيعة الخلابة هي المزية الوحيدة لمعشوقتنا المحرق، فلها ما يميزها تاريخيا بمعالمها الشاهدة على عراقتها، ففيها بيت الشيخ عيسى بن علي ال خليفة في فريق الشيوخ وبيت سيادي ومسجد سيادي ويعد من أشهر بيوت اللؤلؤ في المملكة وهو لايزال أثرا شامخا وقائما. وعلى أرضها الدافئة الحنون، لا يفوت زائرها المرور على بيت بن خاطر أحد أهم البيوت التراثية وبجواره مسجد بن خاطر بشكله الحديث والذي يحافظ على نفس تراثه القديم. ومعالم المحرق كثيرة والشواهد على أصالتها وعراقتها اكثر لا يتسع المقام هنا لذكرها وكانت أسواق المحرق التي اشتهرت بها قديما من المزارات المهمة لأي زائر لها، وهي الأسواق التي عكست التاريخ والحضارة معا، مثل أسواق القيصرية والتجار.
 ‎وختاما..ربما من فرط حبي لمصر والقاهرة أني فضلت العمل بها، حيث تستهويني مهنتي التي أعشقها وهي الإعلام، وأتذكرعندما أجرى معي التليفزيون المصري مقابلة عندما شغلت منصب مدير عام موقع «صدى العرب» فقال لي المذيع: «تعودنا أن نرى خبرات مصرية متعددة كالمهندسين والأطباء والمدرسين والاعلاميين وغيرهم يعملون بمختلف الدول العربية، ولكن أن يقود إعلامي بحريني صرحا إعلاميا بمصر فهذا مصدر اعتزاز للبحرين أن يكون أحد أبنائها يعمل في المجال الإعلامي خارج بلاده وينجح فيه»..فما كان مني سوى الاعتزاز بهذه الشهادة وأضفت عليها، أن الخبرات لا تتجزأ وهي متراكمة، وبإمكان كل بحريني في وقتنا الراهن أن يضيف لبلاده في أي محفل دولي خبراته التي اكتسبها في ملكة البحرين، فكلنا فخر لبلادنا الحبيبة..وألم أقل لكم في البداية أن قلبي مشغول بمصر والبحرين، ومن فرط حبي لكلاهما عملت بمصر حتى أعود لبلادي وقت الإجازات، وهكذا تدور الأيام.
 * ‎كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها