النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

إنها النهاية يا صديقي..

«الاستحمار» يدك خط الدفاع الأخير

رابط مختصر
العدد 10419 الأربعاء 18 أكتوبر 2017 الموافق 28 محرم 1439

من بين التعقيبات العديدة التي وصلتني من القراء، تعقيبان وردا من صديقين على مقال: «عصر التفتيت ينشر ألواحه» المنشور الأسبوع الماضي في مثل هذه المساحة، والمتضمن مقاربة لاستفتاء الأكراد في شمال العراق على الاستقلال، كبداية لتقسيم هذا البلد العربي، وكجزء من مؤامرة كبرى بدأت فصولها الأولى في 1992، وبلغت اليوم مرحلة التقسيم الفعلي.
تضمن التعقيب الأول تأكيدًا على ان الخلل فينا وفي سياساتنا العربية المختلة، وأن ما أصابنا من ضرر ناجم عن إخفاقنا الدائم في بناء الكتلة الوطنية على مستوى كل قطر عربي. تلك الكتلة التي لم تتحقق الى اليوم بالرغم من جميع ادعاءاتنا وشعاراتنا، هي الحصن الأكيد لتحصين المجتمعات ضد النزعات التفتيتية، ولذلك يتوجب ان نتوقف عن تحميل الخارج أخطاءنا ضمن فكرة المؤامرة. ومما جاء في هذا التعقيب: «كل ما ذكرتموه بشأن مؤامرة التفتيت الإمبريالية يقين لا شك فيه، ولكن المشروع الوطني لن ينجح، ولن يكون خط الدفاع الأخير - في ظل غياب المشروع القومي العربي - إلا إذا كانت هذه الدولة الوطنية جامعة أي دولة ديموقراطية منصفة ونزيهة يعيش فيها الجميع في إطار المواطنة المتساوية. وإلا فإن هذه الدويلات المعوقة ستكون الفك الثاني الذي سيطحن الكيان الوطني ويفتته بعد أن قاومت المشروع القومي العربي. إن عقار التفتيت مزيج كيمياء خبيثة تتفاعل فيها جرعة إمبريالية مع أخرى محلية تسلطية إقصائية فاسدة. وأتفهم، طبعا، تسليطكم الضوء على الدور الإمبريالي دون الدور الوطني على مستوى الأقطار العربية (بأنواعه وفئاته)، على الرغم من أن أنماط الوعي والحكم والتعايش داخل هذه الكيانات الوطنية كثيرًا ما تزود مخططات التفتيت الإمبريالية بذرائع تلقفها وتقبلها لدى الكيانات ما دون الوطنية التي تحمل، بالثقافة والتعبئة معًا، ولاءً وطنيًا ضعيفًا وعصبيات فرعية قابلة للتأجيج».
أما التعقيب الثاني فقد كان أشد مرارة، لأنه اعتبر ان كارثة التفتيت للكيانات الوطنية القطرية قد كان النتيجة وليس البداية مثلما جاء في عنوان المقال محل النقاش، وأضاف: «إنها ليست البداية يا صديقي، بل هي النتيجة، نعم هي مخيفة، ولكنها طبيعية، فمن يزرع الشوك يجني الجراح. والأكثر إخافة منها ليس اكتفاء العرب بالتفرج على خرائط أوطانهم يعاد رسمها على نحو مذل (دون حراك) مثلما جاء في مقالك، بل انخراطهم باللاوعي المبيت لدعم هذا التفتيت والتفرج على نتائجه، بوحي من انقسامات الذات العربية الحاكمة والمحكومة، وتشظي رؤيتها القسرية، وفق بوصلة قطرية، تولدت عن مسارات تحديد الاتجاهات فيها رؤى طائفية وفئوية وعرقية مقيتة، ليس آخرها تنفيذ المشروع الصهيو-أمريكي برزاني، في اللعب بأول تجربة حكم ذاتي للكرد والتي حصلوا عليها في العراق دون غيره، ودشنها حزب البعث العراقي، ترجمة عصرية مبكرة وواعدة (ممثلة في اتفاق مارس 1972). وكانت خيارًا سليمًا، أعطى لأكراد العراق ما لم يعطهم أحد من حقوق وامتيازات. وللأسف فإن الاكراد في شمال العراق كانوا أول من تآمر على وحدة العراق، وتحالفوا مع العدوان الأمريكي عليه، من خلال ما اصطنعته (البوشية) من تقسيم لعراق العروبة، رغم اختلافنا على ما أتاحته خطايا الممارسة البعثية في العراق مما أتاح الفرصة لأعداء الأمة الحقيقيين للعبث بوحدة العراق واستقلاله، والذي يعبث به اليوم الإرهاب والنزعات التقسيمية».
أشاطرك الرأي تمامًا في ان كل تقسيم فئوي أو طائفي على أراضي بلدان وطننا العربي سندفع بوعي او لا وعي منا حكامًا ومحكومين ثمنه انتقاصًا فجًا يمس هويتنا ووحدة رقع شطرنج أراضينا. وفي ذلك ترجمة لما اعتور منذ أكثر من ثلاثة عقود فكرنا ومشاعرنا وصميم وجدان وحدتنا وحريتنا وكرامتنا العربية الإنسانية، وضيع نضالا أمتنا وموارد خيراتنا في إخفاقنا التنموي والحضاري وطموحنا في العيش الكريم. لقد ضيعت الأمة بسبب ذلك بوصلة نضالات أحرارها وعبق دماء شهدائها على مدى عقود صعبة لصالح حروب عبثية استنزفت ولا زالت مقدراتنا ومستقبل اوطاننا من المحيط الى الخليج... لا بسبب نظرية المؤامرة التي كان سبب نجاح نتائجها المرة قابلية العقل العربي للاستحمار بعد تسليمه مفاتيحنا قبل ذلك للاستعمار. وهي مرحلة تميز البلاد العربية عن غيرها من الامم التي انطلقت لبناء نهضاتها بعد تخلصها من نير مستعمريها.. دون التردي في مهاوي ما رسم لها للوقوع في مرحلة الاستحمار، لتدشين مشروعات وطنية حافظت بها على هويتها ملائمة بذلك بين مصالحها ومتطلبات المحافظة على عمق مكنون هويتها. وهذا ما غامر بمتطلباته اصحاب المشروعات القطرية الضيقة او الفردية المغرقة في الأنانية إلى هذا الوضع الذي شجع على تضخم الهويات الجزئية وربما يكون هذا التشظي الحالي أشد خطرًا يتهدد المجتمعات العربية على صعيد الوحدة الوطنية، فالانجرار وراء الجزئي الطائفي، يضغط بشدة على كل ما هو وطني ويهدد بضياع المكتسبات الوطنية.
 ذلك ملخص التعقيبين، ويتفقان بأن الخلل فينا وفي سياساتنا العربية وان ما يحدث حاليًا هو مجرد نتيجة طبيعية للمقدمات.
وإن كنت أتفق مع التعقيبين في ذلك، فإنه لا يمكن استبعاد أو تسخيف نظرية المؤامرة. فالوقائع تؤكد أنه وفي السادس والعشرين من شهر سبتمبر 2007 أقر مجلس الشيوخ الأمريكي تشريعًا غير ملزم يقضي بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات كردية وسنية وشيعية تكرس التسوية السياسية. ولذلك لا يمكن الاستخفاف بتشريع كهذا باعتباره غير ملزم، غير أن تقديم مشروعه من أحد المرشحين الديمقراطيين للرئاسة (السيناتور بايدن) وتأييده من قبل شيوخ مرموقين في المجلس يتقدمهم مرشحون آخرون للرئاسة آنذاك، من بينهم هيلاري كلينتون وباراك أوباما يجعل المسألة في منتهى الجدية، والمؤامرة ليست نظرية وإنما حقيقة قائمة.
وعليه فالقراءة الموضوعية لتشريع تقسيم العراق، وما ينطوي عليه من مؤامرة ومن ردة هائلة إلى الخلف من منظور بناء الدولة العراقية الحديثة، تؤكد بوضوح ان التقسيم هو احد اهداف هذه الحروب على الوطن العربي، وأحد ركائز مشروع الفوضى الخلاقة.
لأنه مبني على أساس طائفي /‏‏ عرقي، وهو تطبيق غير مسبوق للنظام الفيدرالي الذي يفترض فيه أنه ينشأ بين أقاليم جغرافية وليس بين كيانات طائفية أو عرقية. ولو كان الأمر كذلك لوجدنا في الولايات المتحدة (صاحبة السبق بالنظام الفيدرالي كشكل للدولة) ولايات للسود وأخرى للبيض وثالثة لذوي الأصول الآسيوية وهكذا، والمؤكد أن أنصار الحلم الأمريكي يفخرون بأن الولايات المتحدة هي بوتقة الصهر العالمية على أساس ديمقراطي لشتى الأجناس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها