النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

ثرثرة الجهات الست.. مــن تــداعيــات رحـلـة لـــم تكتمـل!!

رابط مختصر
العدد 10417 الإثنين 16 أكتوبر 2017 الموافق 26 محرم 1439

... وعاد، مكدود الفؤاد، خائر القلب، زاغ منه البصر، وتاهت الابتسامة، طالت اللحية وانحنى منه الظهر.
رجع فاني العصى، يردد أغاني الرعاة وأشعارهم، متحدثا عن رحلة دامت أربعة عقود من زمن التيه، وانتهت إلى محطة انتظار جديدة.
حدثنا عن رحلته بين الشرق والغرب، بين الحس والدير، بين الغابة والصومعة، بين ضيعة الحس، لتوق الروح.
 قال وهو يهم بالجلوس في ساحة البيت القديم:
- لقد تهت أول حياتي غربًا.. وظننت (الحس) به يتم وجودي، ويتحقق امتلائي، فركبت الحس أجوب الواحات وأسبح في الأنهار البيض، وأغرف من مجامع الدنيا وطيباتها. أصهرها فتصهرني: عيونا أبصر بها مفاتن الواحات، وشفاها امتص بها روعة شبابها. فأكلت من هذا وذاك، وارتويت سكرًا وثملت رقصا، فتبرجت لي الدنيا تبرج الأولين والآخرين، وزفت إليّ زفا، فارتويت منها الثمالة، واستوت عندي الأيام والليالي، والنوم واليقظة.
 ثم ينقطع عنه الحديث فجأة، كما لو عادت إليه دماء الشباب، وذكرى الولائم القديمة، فإذا به مطرق حتى ينقطع عنّا، ثم يعود إليه الصوت:
- لقد شربت من الدنيا، قهوة، وعلقمًا وصبوحًا وغبوقًا، ومن ماء للنخيل مكسورًا بمياه الدنيا جميعًا. وجرت ورائي بيض وسود وسمر وحمر، وغنّت لي الأمواج، وهتفت لأوصالي المشبعة بنسائم الغروب، حتى ضاعت مني الروح، وسط ضجيج الحس. وصرت جسدًا قائمًا، أجلس في ظل الشجرة القديمة، أغني وأرقص جنونا، فتتراءى لي صخور الوادي إناثا تلهث، وهديل الحمام همسات عذرية، فيجنّ جنوني، وتهتف من حولي الغابات والأنهار، فأذوب في الرمال ذوبا، وأفني في الماء فيفنيني، وأسابق الريح توقا، ويعانقني الشعاع البعيد روعة وجمالا.. وفجأة ووسط عربدة الحياة، وفي لحظة الروح نادرة، عثرت على روحي.. تتلألأ كنجوم النهار، فانكشفت عوراتي وأدركت فناء اللذة في غلبة الحس، كذبا وانحدارا إلى العلة والهتك. فخفت أن يضيع مني ما بقي من نفسي. فنكبت عن الحس تنكبا، وأعرضت عن الإناث والمياه والغابات وهواء الدنيا، ودلفت إلى الدير منشدا روحي في الغيبة، فلبست الصوف وانقطعت عن العالمين شهورا، أصلي وابتهل، وأطلب نفسي امتلاءً وقلبي نورًا، يملأ عليّ حياتي ويبعثني حيًا بعد ممات طال أمده وشحت ينابيعه...
ثم يصمت طويلاً ويلتقط أنفاسه، ويسرح ببصره لحظة، ويقول كمن يهتف:
- في الغيبة، في الدير، طلبت نفسي مطلقًا، والله نورًا والخلق روحًا، فإذا الله معرض عنّي، ونفسي سديم، والخلق تلهث كالجنّ لحظة النزع، فبكيت وناديت الله أن ينجيني والنور يحررني، فإذا هاتف من تحتي يهتف: «يا أيها الضائع في الدنيا، اللذة لا تغلب والغيبة لا تدرك»، إنك من تراب وماء. فنزلت السلّم.. واندفعت أجري شرقا، فإذا أنا في الصومعة مجددا: أتطهر، وأصلي فلا تفوتني صلاة. فإذا نفسي تعلو وقلبي صباح مشرق، فاتسعت حياتي، ففرحت ورقص قلبي طمعا، فإذا أنا مقبل على الروح أحدثها، وإذا الجسد جيفة ولا حراك..
ثم انتقض وقد عاد إلى عينيه بريق شيطاني: لقد نزلت السلم.. نزلت فنزلت.. وهجرت الصومعة أبغى شرابا في حانوت شرقي في أقصى الدنيا.. فإذا أنا جيفة وروحي شيء كل شيء، وقلبي مكدود وظهري أحنته الستون.. وما اللحية إلا بقايا مغامرة شرقية.. وإذا بي، عود على بدء، وإذا الشرق، غربا، والغرب شرقا.. ولم يعد أمامي اليوم إلا جنوب الأرض وشمالها. ثم.. تنسكب دمعه حانية على شيبة مرتعشة فيعلن: يا حسرة. لقد ضاع الزمان. ولم أفز. إنني اليوم لمكدود!!
حكت لنا الجالسة قبالته، لحظة انقطاعه عنّا طويلا في تهويماته: لقد كان يكذب على نفسه. تلهيه الحس عن الروح وتلهيه الصلاة حينا من الدهر، ويهرب من جسده إلى الشوق، يصهر روحه، فإذا الرّوح سراب، والجسد قائم يلهث، يريد ماء، فكنت أصرخ فيه: أيها الرّجل، أضاع نفسه وأضاعني، اصمت أيها الضائع تدفعه الحاجة إلى الماء والتراب، فإذا هو سراب مبين. لقد وجد في التناسخ ما به يحيا ويموت ويحيا ويموت دون انقطاع. فامتدت حياته ولم تنقطع، وكان يحلو له الغناء لحظة الحزن ويشرح لي الفكرة وأنا صامتة بلا حراك. حتى حسبت انه يلامس الجنون، فلا يستقر على رأي أو حال، تتوزع أشواقه فينفجر مثرثرا، ثم يرسل لحيته فيقل كلامه ويعاوده الوقار.. وقد تمر به أيام ينقطع فيها للعبادة فيقسو على نفسه ويجد في ذلك لذة. فيطول به الأمر فينكمش ويتكور وتخامره فكرة الرحيل من جديد، فيجد نفسه هواء وقلبه خواء، وتخامره فكرة الرحيل، فيهجر المسجد ويركب الريح.
فلما فنيت عصاه بعد أن جرب الرحيل إلى الجهات الست.. وضاق به الأفق وانهد كيانه، حزن واشتاق التوحد مع الذات.. فكان ينادي مبتهلا: انسني بفنائك يا ربي.. وأرني من نورك ما يجمع شتاتي!! فلا يأتيه صدى، فينخرط في البكاء!!

همس
يقول أبو حيان التوحيدي في «الإشارات الإلهية» واصفًا حاله:
«فأما حالي فسيئةٌ كيفما قلّبتُها؛ لأن الدنيا لم تواتني لأكون من الخائضين فيها، والآخرة لم تغلب عليّ فأكون من العاملين لها، فإلى متى نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا؟ وإلى متى ندعي الصدق، والكذب شعارنا ودثارنا؟ وإلى متى نستظل بشجرة تحجب عنا ظلها...؟!».

هامش:
عندما أحرق أبو حيان التوحيدي في آخر أيامه كتبه، كتب مبررا سبب حرقها: «إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله، (…) ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدّين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحرّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها