النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مشروع التفتيت ينشر ألواحه.. كردستان العراق... يدشن مرحلة تقسيم

رابط مختصر
العدد 10412 الأربعاء 11 أكتوبر 2017 الموافق 21 محرم 1439

 عندما بدأت الحرب في السودان منذ زمن جون قرنق كان أفق هذا الصراع منذ بداياته الأولى هو تقسيم هذا البلد العربي الأفريقي، وهذا ما حصل في النهاية وبهندسة ومتابعة غربية.
الهجمة على الدولة السورية منذ 2011م كانت منسقة ومنظمة منذ البداية، وتحديدًا منذ تهديدات بوش الابن لسوريا مباشرة بعد احتلال العراق في 2003م، عندما اعتبر سوريا امتدادًا لما أسماه آنذاك بمحور الشر. ولذلك فإن الحملة على سوريا كانت تنتهج نفس النهج الذي مارسته الولايات المتحدة الامريكية في العراق منذ الرئيس بوش الابن، مع تعديل في الترتيب: (تفكيك الدولة السورية - حل جيشها العربي بعد انهاكه بالحرب الأهلي اسقاط النظام - إقامة نظام طوائف واعراق، تمهيدًا للتقسيم على أساس عرقي وطائفي)، وهذا ما يجري العمل عليه حاليًا، بتقسيم البلاد الى مناطق نفوذ أمريكية تركية إيرانية وروسية..
وعندما تم إسقاط العقيد معمر القذافي بالتآمر والتواطؤ الغربي وتورط بعض العرب، كان من بين الأهداف الرئيسة لهذه العملية تدمير الدولة الليبية وتفكيك أواصرها الجغرافية والبشرية، وإضعافها بما يسهل السيطرة عليها وعلى ثرواتها، وهذا ما يجري العمل عليه حاليًا. ولعل مستقبل ليبيا الدولة المقسمة حاليًا والمنهكة بالحروب تعكسه السيطرة المليشياوية على مناطقها وأقاليمها، حيث ترسم هذه البنية المليشياوية الحالية الصورة المنتظرة لليبيا كما يريدها راسمو الخرائط الجديدة.
... قبل ذلك، عندما احتلت القوات الامريكية العراق في 2003م لم يكن الهدف هو فقط إسقاط النظام السياسي العنيد الرافض لأي شكل من اشكال التبعية، وإنما كان الهدف أيضا، إضافة الى تهشيم الدولة العراقية وتفكيك جيشها، هو تقسيم هذا البلد بشكل تدريجي إلى كانتونات وأقاليم عرقية وطائفية. وها هو المشروع ينطلق قطاره بالاستفتاء الكردي في الشمال العراقي وتحت أنظار القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية، بالرغم من الإعلانات السياسية والإعلامية المفرغة من أي محتوى جدي (لأنها لو كانت جدية، لكان من الممكن عمليًا إيقاف الاستفتاء الكردي دون أية صعوبة، بحكم التأثير الأمريكي الكاسح على المنطقة الكردية منذ 1992م، ولكنها كانت مجرد فقاعات وبالونات ملونة بألوان النفاق السياسي الذي يتأسس على المصالح التي ترى في تقسيم العراق خاصة أضعافًا لمختلف مكوناته وتسهيلاً لعملية السيطرة وترسيخًا للعدوان والانتهاك.
إن الحقيقة باتت معروفة، وليست مجرد تخمينات وخرائط وهمية ترسم بالألوان الطائفية والعرقية. الحقيقة سبق لمجلة التايم الامريكية في تقرير موسع من ثماني صفحات أن كشفت تفاصيلها، حيث يتضمن هذا التقرير خطة تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات على أنقاض الدولة العراقية الموحدة، واحدة منها في الشمال العراقي (منطقة كردستان)، والثانية للعرب السنة بمحاذاة سوريا، أما الثالثة فللعرب الشيعة، وموقعها في جنوبي العراق. وقد حمل الغلاف عنوانًا كبيرًا «نهاية العراق»، حيث نشرت المجلة خرائط مفصلة توضح مناطق توزع الكرد والعرب السنة والعرب الشيعة على امتداد خريطة العراق الموحدة، وهي خريطة صنعها الامريكان استنادًا الى رؤية تقوم على تكريس مبدأ «استحالة التعايش». مما يفضي إلى الانفصال.
ووفقًا لذات التقرير «سيتم ضم المناطق التي يقطنها الأكراد في سوريا الى الدولة الكردية لاحقًا». ويلاحظ المتابع لهذا الموضوع وبوضوح لا لبس فيه ما يجري حاليًا في سوريا من رسم لمناطق النفوذ لتشكل في المستقبل خارطة التقسيم، فالعمل على تنفيذ ذلك يجري حاليًا من خلال دعم ورعاية قوات سوريا الديمقراطية التي باتت تسيطر على مناطق شاسعة من الأراضي السورية، بدعوى محاربة داعش، في الوقت الذي يجري فيه رشم خرائط التقسيم على قدم وساق.
ولا شك ان المتابع يستذكر بوضوح ان موضوع تقسيم العراق كان مطروحًا باستمرار على طاولة المفاوضات بين القوى الغربية، خاصة بعد العام 1990 عندما ارتكب صدام حسين الخطأ القاتل بدخول الكويت، ونستذكر في هذا السياق مقترح السناتور جو بايدن للتقسيم والذي اقترحه في العام 2006م، لتقسيم هذا البلد الى ثلاث مناطق، وذلك بدلاً من العمل على وحدة الدولة العراقية ووحدة شعبها، بالتشجيع على تنفيذ مشروع سياسي جامع بعيدًا عن الطائفية والعرقية والمناطقية لمواجهة الإرهاب والفوضى.
كما أن الظهور المفاجئ والكاسح والغريب لظاهرة تنظيم داعش الإرهابي كان مخططًا له بشكل أو آخر ليلعب دورًا في تفعيل الفوضى المطلوبة وخلط الأوراق وتسهيل التقسيم وتوظيفه إقليميًا ودوليًا. حيث قادت هذه الفوضى والحرب الطويلة والمنهكة الى تفعيل وإحياء المخططات والمشاريع التقسيمية لدول المنطقة عمومًا وللعراق على وجه التحديد، إذ وفرت هذه الظروف فرصة للأكراد لإحياء طموحاتهم القديمة في الاستقلال، وبناء دولتهم الخاصة بهم على أنقاض العراق المحطم. بل ومنحتهم فرصة العبث بالجغرافية العراقية بضم مناطق أخرى من خارج الإقليم الكردي عبر السيطرة عليها والعبث بديمغرافيتها، ومدينة كركوك مثال على هذا العبث.
إنها البداية، مجرد البداية المخيفة، حيث يكتفي العرب بالتفرج على خرائط أوطانهم يعاد رسمها على نحو مذل دون حراك. ولا شك ان الصمت المريب سيكون دعمًا مباشرًا لهذا التقسيم والتفتيت. لأن التجرؤ على المساس بوحدة الأراضي العراقية هو بداية إعادة ترتيب الواقع العرقي والطائفي والقومي وفق تركيبة تناسب المخططات الغربية ولا سيما في الدول الأكثر تنوعًا مثل العراق، أفغانستان، السودان، ليبيا، الجزائر ولبنان. والعامل الرئيس لتحقيق هذا الهدف يكمن في العمل على القضاء على الوحدة الوطنية والاندماج الوطني في هذه المجتمعات المتنوعة، والحيلولة دون اندماج الأقليات والطوائف في مجتمعاتها، مما يؤكد أن بداية التدمير والتشظي تكون بالقضاء على الوطنية واختراق المجتمعات من الداخل، وإحياء النعرات، وتهديد السلم الأهلي. حيث لم يؤدِ النكوص عن الثوابت العربية، والعمل على التشكيك في الرابطة العربية - هوية ووجودًا -إلى هذا الضعف العربي ولهذا التفكك فقط، وإنما شجع على تضخم الهويات الجزئية وربما يكون هذا التشظي الحالي أشد خطرًا يتهدد المجتمعات العربية على صعيد الوحدة الوطنية، فالانجرار وراء الجزئي - المحلي - الطائفي، يضغط بشدة على كل ما هو وطني ويهدد بضياع المكتسبات الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها