النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

كيف يتحوّل الخليج إلى نمور اقتصادية؟

رابط مختصر
العدد 10408 السبت 7 أكتوبر 2017 الموافق 17 محرم 1439

من عادة الكُتاب والصحفيين ألا يكتبوا الهدف من موضوعاتهم في بداية المقال، وإنما يؤخرون ذلك لنهايته حتى تكون الخاتمة بينّة وبها خلاصة الرسالة المنشودة، ولكني لن أتقيد بهذا النمط في مقالي هذا، لأن الموضوع جد خطير بما يستدعي معه ضرورة التفكير مليًّا في توفير فرص عمل للشباب العاطل عن العمل، وأنا لا أتحدث هنا عن دور الحكومة فقط وإنما عن دور الشباب أنفسهم وما يجب أن يفعلوه للحد من ظاهرة البطالة، لا سيما وأن طبيعة المشكلة ترتبط بأبعاد اقتصادية سياسية وثقافية واجتماعية ودينية، في ظل ما تشهده معظم المجتمعات العربية من عمليات إرهابية يقوم بها شباب تم التغرير به من قبل البعض للانضمام الى المنظمات الإرهابية في البداية ثم توريطهم في عمليات يعاقب عليها القانون، ولكن وبعد فوات الآوان يكتشف الجميع - الأسر والشباب - أن أولادهم كانوا ضحية لشياطين الظلام.
والمقصود بصورة سريعة قبل استعراض مشكلة البطالة في بلادنا ومنطقة الخليج والعالم العربي ككل، سرعة إيجاد حلول فورية لهذه المعضلة. فالهدف واحد، خاصة وأن الأرقام التي تكشف عنها المنظمات المحلية والعربية والدولية مخيفة، وتنذر بالخطر ما لم يتم تدارك الموقف. فالحل إذا تحدثنا عن المنطقة الخليجية، يتطلب ضرورة انخراط الشباب البحريني والخليجي في العمل بالقطاع الخاص وعدم انتظار الوظيفة الحكومية، وثمة الكثير من فرص التدريب التي توفرها الحكومات للشباب لتأهيلهم في العمل بالقطاع الخاص أو المشاركة في هذا السوق باعتباره القاطرة الرئيسية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في وقتنا الراهن، وهو أيضا القاطرة التي قادت الى التقدم الاقتصادي والاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية والصين وودول ماليزيا واندونيسيا وكوريا الجنوبية المعروفة باسم «النمور الآسيوية». فالعمل الحر أصبح ضرورة في وقتنا الراهن وليس رفاهية، فالوقت يمضي والزمن يمر على الشاب ليكبر في السن وهو لا يزال يبحث عن وظيفة يبدأ بها حياته، في حين أن قرينه الذي فكر بجدية واستخدم الإمكانيات المتاحة وتخلي عن الفكر العتيق في الوظيفة الحكومية يكون نجمه بدأ في الصعود. والعمل الحر في هذه الحالة أصبح من لوازم المعيشة ولا يجب الترفع عنه، بل يجب الإسراع والاقبال عليه، فمستقبلنا في القطاع الخاص وتقويته ليكون نواة تقدمنا اقتصاديًا واجتماعيًا، فهو القطاع الذي ينمي المهارات ويحصل صاحبه على مكافأة فورية من انتاجه، ويرتفع رصيده في البنوك، وكلما اتسعت الأفق ارتفعت الأرصدة المصرفية.. نحن نتحدث عن أزمة خطيرة بعد تراجع فرص التوظيف في القطاع الحكومي حيث أصبحت الفرص محدودة للغاية، ولن تستطيع الحكومات الخليجية توفير الوظائف لمجرد التوظيف بل حسب الحاجة. مشكلة أخرى ربما لن نطيل فيها وهي أن شبابنا تخلى عن مكانه في الفرص التجارية الخاصة، وترك مئات الآلاف من الفرص ليستحوذ عليها الأجانب الذين بدأوا من الصفر.. فلماذا لا يقتحم الشباب هذا المجال؟
وإذا كنت ذكرت في البداية أنني سأقدم الخاتمة على استعراض القضية، أعود هنا الى ملامح مشكلة البطالة، حيث جاءت البلدان العربية ضمن عشر مناطق جغرافية في العالم سجلت فيها أعلى معدلات البطالة بين الشباب للعام 2016، وكانت الوحيدة التي بلغ فيها معدل بطالة الشباب 30%، أو ما يعادل ثلاثة أضعاف متوسط المعدل العام لبطالة الشباب في العالم تقريبًا. ليس هذا وحسب، فالجهة التي نوهت عن الرقم المخيف هي منظمة العمل الدولية في جنيف قبل عام تقريبًا وسنلاحظ لاحقًا أن الأرقام لم تتغير كثيرًا الى الأفضل. وتشير مؤشرات المنظمة الى أن البلدان العربية ستحافظ على مركزها كأعلى موطن لبطالة الشباب في العالم، رغم أن هناك توقعات بأن تنخفض النسبة بمقدار أقل من نقطة مئوية (0.9%) في عام 2017 لتصل إلى 29.7% مقابل 30.6% في 2015.
وندرك جميعًا أن منطقتنا استثناء في الوقت الراهن بسبب الحروب الأهلية والفوضي التي دبت في أوصالها بسبب ما يسمى بـ«الربيع العربي» مما ألقى بظلاله السوداء على آمال زيادة فرص العمل للشباب في كثير من بلدان المنطقة. ومن هنا ندرك أيضا أن البطالة تعد إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه معظم دول العالم العربي باختلاف مستويات تقدمها وأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولذا فهي من أكبر التحديات التي تواجه اقتصاديات المنطقة العربية بسبب تفاقم الظاهرة والتزايد المستمر في عدد القادرين على الالتحاق بسوق العمل والباحثين عنه دون جدوى. ووفقًا لدراسة لاتحاد المصارف العربية، فإن عدد العاطلين يصل عن العمل في العالم العربي لحوالي 22 مليون عاطل من إجمالي قوى عاملة تبلغ نحو 120 مليون عامل، يضاف إليهم ما لا يقل عن 3 ملايين عامل سنويًا. وحوالي 60% من مواطني البلاد العربية هم دون سن الـ 25 سنة، وهو ما قد يرفع عدد العاطلين عن العمل في الدول العربية عام 2025 الى حوالي 80 مليوناً. وبالتأكيد يتطلب هذا سرعة ضخ استثمارات ضخمة لرفع معدلات النمو الاقتصادي لتوفير ما لا يقل عن 5 ملايين فرصة عمل سنويا. ثم هل نعلم تكلفة وجود نحو 22 مليون عاطل في الوطن العربي إذا تحدثنا عن مشكلة عربية مزمنة وليست خليجية فقط؟ الرقم مخيف وفقًا للتقديرات المتداولة، فالبطالة تكلف الدول العربية 50 مليارًا سنويًا.
وإذا تحدثنا عن البحرين تحديدًا، فوفقًا لما ذكره وزير العمل والتنمية الاجتماعية جميل حميدان، فنحن من الدول الآمنة جدًا قياسًا بدول الخليج، فمعدل البطالة في المملكة لا يتجاوز 4.2% وينخفض أحيانًا الى 3.8%، مشيرا الى أن وزارته تسعى باستمرار لاطلاق مبادرات وبرامج جديدة لعدم السماح لهذه النسبة بالارتفاع، وتتبنى خطط لتوظيف الشباب وتعزيز قدرات مراكز التوظيف في مختلف قرى ومناطق البحرين. ولعلنا هنا نضيف معلومة للقارئ وهي أن نسبة البطالة التي ذكرها الوزير تقترب جدًا من أرقام البنك الدولي التي تشير الي 3.9 %، وتصل الى 58% في أوساط الشباب بين 15 و24 عامًا مقابل 16.8%٪ للشابات ضمن الفئة العمرية نفسها.. علمًا بأنه يندر أن تتفق أرقام البطالة المحلية والدولية في آن، وهو ما يعكس صدق الأرقام البحرينية واعتراف المنظمات والهيئات الدولية بها.
ويكتب للبحرين استضافة ندوة قومية آواخر العام الماضي بالتعاون بين منظمة العمل العربية والاتحاد الحر لنقابات عمال البحرين حول «دور التعليم والتدريب عن بعد فى تشغيل الشباب في البلدان العربية». وخلصت نتائج الندوة الى أن التعليم والتدريب التقني والمهني يعتبر مفتاح خلق المعرفة وبناء قوة عمل قادرة على مسايرة التقدم التكنولوجي، ومن فوائده مساعدة الحاصلين عليه من فئة الشباب على حسن الإعداد والتأهيل للوصول إلى فرص العمل المتاحة.
 وقد حددت ورقة عمل تابعة لجامعة الإمارات الأكاديمية 7 أسباب وراء تزايد البطالة بين المواطنين، ويمكن تعميمها على جميع العاطلين العرب وليس فقط مواطني الإمارات، والأهم قبل الإشارة الى أسباب البطالة، هو تعريف الدراسة العلمية لها بأنها «مشكلة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية».. وترتبط المشكلة بمتغيرات اقتصادية وتعليمية واجتماعية وثقافية، كما أنها تعد وقودًا للإرهاب، لأن العاطلين عن العمل يمثلون عجينة لينة للاستغلال، من حيث المال أو من باب الدين، وهي تدفع الى اليأس، الذي بدوره قد يدفع الشباب الى الانخراط في الجريمة والإرهاب، نتيجة أن مشايخ الإرهاب يجدون في أوساط العاطلين، الشباب الجاهز للتجنيد، لا سيما أنهم يلعبون على وتر الدين والحوريات، وذلك حسب توصيف الدراسة المشار إليها. ولخصت الورقة تنامي ظاهرة البطالة في سبعة أسباب:
- حالة الركود الاقتصادي العالمي وانعكاساته الطبيعية على الاقتصاديات المحلية.
- ارتفاع معدلات النمو السكاني دون توفير واستحداث فرص عمل جديدة.
- عدم مواكبة التعليم في بعض الأحيان للتطور التكنولوجي.
- غياب التنسيق بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
- سياسات استقدام العمالة الوافدة بطريقة الباب المفتوح، دون ضوابط تحد من تعدد جهات الاستقطاب.
- عدم مساهمة القطاع الخاص بشكل كبير في استيعاب الخريجين المواطنين.
- ضعف مساهمة قوة العمل الوطنية في وظائف القطاع الخاص، إذ لا تتخطى 7%.
 لم تترك الدراسة الإماراتية المشكلة دون وضع الحلول اللازمة للأزمة بما يسهم بشكل كبير في الحد من تزايد معدلات البطالة خلال الفترة المقبلة، وتتلخص في خمسة آليات هي:
• ضبط وتنظيم وتقنين سياسات استقدام العمالة الى الدولة.
• تغيير اتجاهات شباب المواطنين نحو العمل في القطاع الخاص.
• تشجيع المواطنين على ريادة الأعمال والاستثمار في المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
• تضييق الفجوة بين مخرجات التعليم بشكل عام، والتعليم العالي بشكل خاص، من ناحية، ومتطلبات سوق العمل من الناحية الأخرى.
• استحداث قوانين وتشريعات تلزم القطاع الخاص بنسب أكبر للتوطين.
 يضاف الى ما سبق ضرورة إعادة النظر في نموذج الأعمال في كل أنحاء الوطن العربي من أجل تحفيز القدرة التنافسية، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز شروط السوق العادلة للمندمجين الجدد في القطاع الخاص، سواء كانوا من صغار أو كبار المستثمرين. ومن شأن ذلك أن يزيد من تكافؤ الفرص في القطاع الخاص كي ينمو ويوفر المزيد من فرص الشغل للشباب والنساء على وجه الخصوص. ويستلزم تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي زيادة الاستثمار في الرأسمال البشري وتحقيق طفرة في التعليم التقني والمهني بما يؤهل الشباب بالمهارات اللازمة للاندماج في سوق عمل أكثر تنافسية وقدرة على إتاحة وتعبئة المزيد من الفرص الاقتصادية لهم بما يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي داخل أي دولة.. مع ضرورة ضمان نجاح خطط تشغيل الشباب تراعي اعتبارات العرض والطلب، بالتزامن مع مراجعة المناهج التعليمية لتلبية متطلبات سوق العمل وتعميم مهارات هذا السوق على كافة المراحل التعليمية، الأمر الذي من شأنه تشجيع الشباب على تأسيس مشروعات خاصة صغيرة ومتوسطة، على أن ترتبط بالخطط الوطنية للتنمية الاقتصادية والاستثمارية، وبشرط توفير مصادر التمويل اللازم لتلك المشروعات الجديدة.. ثم تشجيع روح المبادرة لدى الشباب وتنمية قدراتهم بشكل متكامل.
 
كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها