النسخة الورقية
العدد 11062 الثلاثاء 23 يوليو 2019 الموافق 20 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

استفتاء الأكراد والخيار التاريخي الصعب

رابط مختصر
العدد 10406 الخميس 5 أكتوبر 2017 الموافق 15 محرم 1439

لم يخترع الأكراد في العراق فكرة الاستفتاء من أحلام بيوتهم الطينية في شمال العراق، وإنما الاستفتاء السياسي موضوع تمارسه الشعوب والقوميات والأقليات والأكثرية في بلدان كثيرة، وهو موضوع أيضا تقره الأمم المتحدة في حالات عديدة وهي كثيرًا ما لجأت إلى الاستفتاء متى ما ظلت المشاكل عالقة في البلد الواحد والصراع شديدا بين الاطراف، ولا يمكن تسويته وحله إلا من خلال استفتاء عادل يصوت فيه شعب بين سكانه لمعرفة خيارهم التاريخي بشكل عادل وديمقراطي، بل والاستفتاء كثيرا ودائما ما صار تحت مظلة الأمم المتحدة منذ تكوينها في العقود الاولى من القرن المنصرم. لن نتطرق إلى الاستفتاءات وطرق وأساليب تحقيقها على الأرض، وإنما وددنا على التأكيد بالشرعية القانونية والحقوقية لكل شعب من الشعوب ولكل عرق من الأعراق داخل وطن واحد. هذا من حيث المبدأ، ولكن من حيث الظروف التاريخية ولحظتها بالإمكان تأجيل حالات الاستفتاء بين الأطراف متى ما كان هناك امكانيات سياسية لتجاوز أزمة أو معضلة ما في الإقليم الواحد أو الوطن المشترك لموزاييك تلك الاقليات العرقية في وطن محتقن ومتوتر وغارق في الفساد والمشاكل والنزعة الاقصائية.
 وتأتي مسألة حق الشعوب في تقرير مصيرها في المبدأ حقا مشروعا، هو أيضا مسألة لم يخترعه الأكراد من إبطهم لتجاوز محنتهم القومية والوطنية مع حكومة مركزية في بغداد، وانما حق تقرير المصير مبدأ مر عليه قرون، فقد برز لأول مرة مبدأ (حق) تقرير المصير في بيان الاستقلال الامريكي عام 1776، ثم برز في وثيقة حقوق الانسان الفرنسية عام 1789، ثم جاء مبدأ الرئيس الامريكي جيمس مونرو الرافض لمحاولات اوروبا لاستعمار نصف الكرة الغربي. وبعد انتصار ثور اكتوبر الاشتراكية في روسيا القيصرية عام 1917م، حيث اعلنت السلطة الفتية مبدأ حق تقرير المصير في 15 نوفمبر من العام 1917، فقد جاء في ذلك الاعلان الذي صاغه لينين أن «إعلان حقوق شعوب روسيا الذي تضمن حق نقرير المصير بما فيه حق الانفصال وتكوين دولة مستقلة». وقد كرس لينين هذا المبدأ في اول دستور سوفيتي أُقر سنة 1918. واليوم مثلما هي عقود سابقة من الألفية الثانية حتى الثالثة، تمارس تلك المسألة بشفافية، فالأكراد ليسوا بدعة سياسية قاموا بخلق كابوس الانفصال، فحق تقرير المصير مزدوج كحق الارتباط والالحاق بطواعية والانفصال بطواعية متى ما وجد السكان وتلك القومية /‏ أو القوميات أنها تريد الانفصال لتشكيل دولتها المستقلة مستقبلا.
من رسموا حدود الوطن العربي بعد الحرب العالمية الاولى ليسوا الأكراد، إنما القوى العالمية الكبرى المنتصرة في الحرب، وكان عليها ان تؤجل قيام دولة كردية كبرى في تلك المرحلة، فصار الأكراد موزعين تاريخيا بين اربع دول متجاورة، هي ايران والعراق وتركيا وسوريا. ظلت المسألة الكردية تتقاذفها الدول الاقليمية والعالمية حسب مصالحها، لهذا لن نجد لا الفكر القومي الشوفيني في تلك الدول ولا مصالحها تسمح بنشوء نموذج دولة كردستان الفتية كنموذج محتذى وجديد للشعب الكردي في المناطق كافة. فالجميع يخاف من نشوء وتطلعات ويقظة ذلك الشعب نحو حلمه في بناء دولته المستقلة. بعد سقوط صدام فشل الأكراد في بناء شراكة «حقيقية» و«عادلة»، متساوية في الحقوق والواجبات، في تشكيل دولة كونفدرالية ديمقراطية تعددية، فالممارسات السياسية والدستورية خلال عقد ونصف برهنت على تعمق واستمرارية نهج الإقصاء ونزعة التفرد بالسلطة والثروات في الحكومات التي تتالت في بغداد بعد سقوط صدام. من يحاول تجاوز الحقائق بالعواطف فإنه لن يصل إلى نتيجة، ومن يحاول دفن المشكلة مرة اخرى لقرن اخر فلن ينجح، فالتهديدات والاصوات القادمة من عقول متشنجة بطبول الحرب، عليها ان تدرك ان العراق في زمن صدام مختلف عن زمن العبادي، وان العالم في الحرب العالمية الاولى غيره في مرحلة العولمة، ورسم الخرائط اقلامها متعددة وجديدة وستحفر خريطة العراق بالدم او السلم، ومن الافضل ان يدرك الجميع ان بقاء الأكراد في دولة عراقية موحدة مبنية على الحق العادل، في شراكة متساوية كاملة الحقوق لجميع المكونات العراقية دون تمييز.
 يعد الخامس والعشرون من سبتمبر موعدًا تاريخيًا لذلك الحق، وبعد الانتهاء من التصويت تتملك حكومة كردستان شرعيتها الديمقراطية، فإن البقاء أوالانفصال يصبح مرهونا بيد الشعب، حتى ان تجرعت الدول المجاورة كأس السم، والحكومة المركزية في بغداد، فإن الحق بالتصويت صار ورقة شرعية ودولية، ولن توقف حق تقرير المصير دبابات بغداد والحشد الشعبي. وقد هدد قاسم سليماني الأكراد «بهجوم من قبل الحشد الشعبي اذا لم يوقفوا الاستفتاء»، وأكد سليماني «حتى الآن منعنا قوات الحشد الشعبي من الهجوم على اقليم كردستان، لكنني لا امانع القيام بذلك بعد الآن». لا يحتاج سياسي مبتدئ إلى أن يلمس مدى تدخل الحرس الثوري الايراني في الشأن العراقي، بل وتلويحه بأنه سيقف وراء الحشد عند صدامه مع البيشمركة. ونحن نعلم مدى رفض حكومة الملالي واردوغان من قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق، ولماذا يقلقهما ولادة هذا المولود المخيف سياسيًا.
ويتحرك في هذه اللحظة التاريخية العصيبة رحى المسألة الكردية كشعرة معاوية بين قرار السلم والحرب في شمال العراق، وأن خيار كلا الطرفين بات من الصعب التراجع عنه، وعلى العقلاء ان يدركوا ان خيار الحوار السياسي ومبدأ التنازلات والمساومات والتسويات العادلة، هي الطريق الاقصر والامثل للمشكلة العصيبة، فيما قرار الحرب له اول ولكن ليس له آخر، وبنشوبها يكون العراق الموحد كله خاسرًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها