النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

المشروع الإصلاحي بعتباره برنامجاً للمستقبل الفعل الغير الرشيد عندما يربك ال

رابط مختصر
العدد 10405 الأربعاء 4 أكتوبر 2017 الموافق 14 محرم 1439

الفعل الغير الرشيد عندما يربك المشهد

المشروع الإصلاحي بعتباره برنامجاً للمستقبل

كتب لي أحد القراء مؤخرًا تعليقاً على موضوع منشور في مثل هذه المساحة في تاريخ سابق حول تجربة الإصلاح السياسي في البحرين، ملخصة «أن المشروع الإصلاحي كان حدثا مهما للبحرين ولكنه اليوم في حاجة إلى مرحلة جديدة من الإصلاح تأخذ بعين الاعتبار المستجدات التي شهدتها البلاد منذ ازمة 2011م وحتى اليوم».
والحقيقة كما أراها أن الإصلاح السياسي في تاريخ الشعوب، لا يكون منقطعًا عن حركة التاريخ، بل هو يرتبط بالضرورة بالتجربة التاريخية للمجتمع، وفي لحظة تطور حاسمة، تأتي القراءة السياسية الواعية لحتمية اتخاذ القرار او اختيار المسار المناسب للتطور التاريخي السياسي للمجتمع. وفي الحالة البحرينية يندرج المشروع السياسي الإصلاحي لجلالة الملك المفدى في إطار حركة عميقة الجذور تعود جذورها إلى النصف الأول من القرن العشرين، اتصالا بأفكار الإصلاح والديمقراطية والمشاركة والتنمية، إلا أن عملية الإصلاح التي بدأت طلائعها السياسية مع بداية الألفية الثالثة وقادها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله، تتميز قيامها على أساس التوازنات في مجتمع متنوع التكوين، لا تستقيم فيه الأمور إلا في سياق التوافق الوطني بين الأطراف الاجتماعية-السياسية، بما يحقق القدر المشترك من الأولويات ضمن رؤية وطنية توافقية تقوم على ثوابت أجمع عليها المجتمع. وتعتمد منهجية التدرج في بناء التنمية السياسية بما يضمن عدم تحول التجربة الديمقراطية الوليدة إلى حالة من الفوضى.. ولذلك مثل هذا المشروع الإصلاحي أحد مصادر الاستقرار السياسي والاجتماعي، بما ساعد على الانقطاع للعمل التنموي المفيد للجميع، إلا أن ما حدث في 2011م وما تلاه كان محاولة سيئة للانقلاب على المشروع الذي كان يسير بخطوات واضحة نحو تحقيق الأهداف المرجوة، فتسبب ذلك الفعل غير الرشيد في إرباك المشهد.
لقد كان الوعي المبكر بأهمية الإصلاح السياسي الذي يركز على التنمية السياسية وبناء المجتمع الديمقراطي الذي تشكل فيه المشاركة محورًا أساسيًا، من بين العناصر التي يسرت استشراف تطور المجتمع البحريني الذي يتسم بالحركية والتفتح. ويتزايد فيه إسهام الفرد في الجهد الوطني الجماعي. مجتمع تقام العلاقات بين أفراده بصورة مباشرة وحرة، مجتمع توفر فيه شبكات الاتصال الحديثة فضاءات جديدة للحوار الحر، وتبادل الرأي. مجتمع أكثر استعدادًا لتقبل البناء الديمقراطي وأشد حرصًا على تكريسه ودعمه وحمايته. إذ لم يكن هذا التحول طفرة خارج السياق في صيرورة المجتمع وتاريخه. بل كان أقرب إلى التحولات التاريخية التي تداخلت فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولذلك كان التطور الذي أحدثه المشروع الإصلاحي تغييرًا هادئًا متبصرًا. بما أثبته من قدرة على إدخال الإصلاحات وفق جدول زمني تصاعدي، يراعي الخصوصيات الوطنية، وطاقة احتمال الواقع، ويضمن أوفر حظوظ النجاح للخطوات المنجزة، ويقي الوطن من مخاطر القفز في المجهول والانزلاق في متاهات التقليد والوقوع في فخ النماذج المسقطة، حيث كان مصدره بالدرجة الأولى استجابة لنداء الواجب الوطني واستنهاض طاقة أبناء البحرين في البناء والتجديد، لذلك كان التغيير تمثلاً جديدًا للحاضر والمستقبل معًا، وهو لذلك ما يزال قادرًا على العطاء ومفرداته وعناصره الأساسية ما تزال حية وتحت التنفيذ بالرغم من تلك الاحداث التي فرضت واقعًا جديدًا على الجميع.. وذلك لأن هذا المشروع كان، ومنذ البداية، مدركا لما تحمله التحولات الدولية والإقليمية من انعكاسات ومخاطر، بالإضافة إلى استحقاقات الواقع المحلي وضغوطاته وتطلعاته نحو حياة أفضل. مما استدعى استشراف المستقبل برؤية حكيمة، لتجنب الوقوع ضحية السيل الجارف من الأحداث والتحولات والمتغيرات إقليمية وعالمية، وبعيدًا عن النزوع إلى الاحتماء بالحنين إلى الماضي أو التشبث بكل ما من شأنه أن يوهم بالقدرة على وقف الزمن وتحنيط المجتمع ونحته على شاكلة صور قديمة لا تعترف بسنن الحياة، استنادا إلى سنة التطور والحاجة الدائمة إلى المراجعة والإصلاح.
لقد اختار المشروع الإصلاحي الانخراط في المستقبل، وليس مسايرة الحاضر فقط، من خلال إرساء مشروع مجتمعي يحتضن الجميع ويشارك فيه الجميع. يقوم على منظومة من القيم الإنسانية القائمة على التسامح والتضامن والعدل والحرية والحوار وصولاً إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعمل على تحقيق التوازنات بما يكفل الاستقرار والتقدم، وكان على هذا النوع من العمل السياسي أن يقوم على عدد من الضوابط والقواعد الأخلاقية والقانونية التي تنير السبيل في كل ما يقع اعتماده من اختيارات وتوجهات في نطاق تسيير الشؤون العامة. إذ بادر المشروع بإرساء قواعد الممارسة في كل الميادين التي تناولها بالإصلاح وعيًا منه بما يتيحه تطور المجتمع وتسارع التقدم في كافة المجالات من إمكانيات. ولذلك كانت التعددية السياسية أحد أهم أوجه انطلاقة الإصلاح السياسي، مع مطلع المشروع الإصلاحي الذي اعتمدها كتأكيد على جدارة الشعب بحياة سياسية ديمقراطية تعتمد تعددية الجمعيات السياسية والتنظيمات الشعبية. كما أحاط ممارستها في ذات الوقت بجملة من الضوابط والقواعد التي من شأنها أن تحفظها وتضمن لها أسباب النجاح والتواصل، حتى تكون التعددية السياسية حصنا منيعا يحول دون توظيفها للإساءة للدولة وللمنجزات التي تحققت أو للإساءة للوحدة الوطنية وثوابتها، وعدم تحول الجمعيات السياسية إلى أحزاب دينية (طائفية) تعتمد التعددية مدخلاً ومطية لتقويض أركان الديمقراطية وأسس الدولة والإطاحة بركائز المجتمع.
 ولكن للأسف فإن بعض الجماعات والجمعيات السياسية انزلقت نحو متاهة تكريس الطائفية، فألحقت الضرر بالتجربة الديمقراطية وبالمسار التعددي، وتجاوز القانون والضوابط التي تكرس التعددية الحزبية والاخلال بشروط تحقيق التعددية وضمان حقوق الجميع بتكريس قيم المواطنة والعمل السياسي المباشر الذي يقوم على برامج سياسية وليس على شعارات دينية وطائفية. وبدلاً من ان تشارك في تحصين التكوين المتنوع للمجتمع، وترسيخ حقيقي لمفهوم المواطنة بشكل يتلازم مع تعميق مفهوم الحرية، التي لا مناص من ارتباطها بالمواطن ليصبح مواطنًا فاعلاً (مواطنًا حرًا) واعيًا بما له من حقوق، وعارفًا بما عليه من واجبات، وصولاً إلى تأكيد ارتباط المواطنة بالهوية المشتركة والتأكيد على فكرة التجدد الدائم لمفهومها بدلاً من ذلك اتجهت بعض تلك الجماعات الى حفر الخنادق وتكريس مفاهيم ومواقف طائفية منذ البداية، وتستخدمها لاحقًا لضرب التجربة والانقلاب عليها. مع ان هذا المشروع ما يزال حيًا بثوابته قويًا بتوجهاته ومستمرًا كمشروع للمستقبل، كما أراده صاحب المشروع. لرسم ملامح بحرين المستقبل في سياق التبصر، ولذلك يؤمل ان تكون السنوات القادمة حبلى بالمزيد من التطوير والتنمية للحياة السياسية والسيطرة على احتياجات الناس الأساسية من تعليم وإسكان وفرص عمل. وقد أثبتت معادلة الإصلاح التي اعتمدها المشروع استعدادها لرفع تحديات المرحلة القادمة وقدرتها على تأمين تواصــل مسيرة البناء في كنف الاستقرار والشراكة الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها