النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

استراحة قصيرة في الماضي

رابط مختصر
العدد 10404 الثلاثاء 3 أكتوبر 2017 الموافق 13 محرم 1439

سنعود للتاريخ العربي في عصره الذهبي لا للمباهاة به، بل للاستفادة من عبره ودروسه؛ ولنثلج صدورنا المشتعلة على الحاضر؛ وسنرى سويًّا كيف استطاع العرب الأوائل في عصرهم الزاهي تأسيس حضارة جديدة، تقدمت على العالم ومهدت للغرب سبل التقدم والتطور الحديثين؛ في ذلك يتفق الدارسون الغربيون الذين كتبوا عن النهضة العربية في القرون الوسطى ـ المظلمة في الغرب ـ قائلين أن العرب في ذلك الوقت تفوقوا على الأمم الأخرى في ميادين كثيرة علمية وثقافية وفلسفية، فما السر وراء ذلك؟ وكيف كانت البداية؟ ليس من الصعب أن يلاحظ الدارسون لهذه المرحلة من كتاب الغرب أن العرب آنذاك تفاعلوا الى درجة عالية مع علوم العصر، وثقافة العصر؛ المتمثّلة في التراث الفكري والعلمي والفلسفي اليوناني وأضافوا بعد ذلك الى هذه العلوم والمعارف من خبراتهم الجديدة، فوصلوا بها الى آفاق علمية وثقافية وفلسفية أعلى. وأول خطوة في تفاعل العرب الأوائل مع ثقافة العصر، تمثلت في النشاط المكثف للترجمة.
ويذكر أن الخليفة العباسي المأمون قد أسس بيت الحكمة في العام 830 ميلادية في بغداد؛ وهو عبارة عن مركز علمي ومكتبة عامة ومرصد فلكي؛ وجمع فيه طائفة كبيرة من المترجمين للعلوم والمعارف الأجنبية، ومنها نهل العلماء والفلاسفة العرب من علوم وفلسفة العصر، ثم نبغوا فيها وأضافوا من معينهم؛ وتألق منهم ابن سينا في الطب، والخوارزمي في الرياضيات، والفارابي في الفلسفة. ويذكر المؤرخ الأمريكي الشهير ول ديوارنت أن بغداد أصبحت في ذلك الوقت منارة لعلوم ومعارف العصر. وفِي الأندلس أسس الحكم المستنصر بالله مكتبة ضخمة تجاري بيت الحكمة في بغداد؛ وجلب اليها أعداد كبيرة من الكتب من بغداد ودمشق والقاهرة، بلغ عددها أربع مائة ألف مصنف في علوم الطب والرياضيات والهندسة والزراعة، والموسيقى؛ وكان الموسيقار الشهير زرياب قد وصل الأندلس قادما من بغداد ليؤسس معهدا للموسيقى.
وفِي الأندلس فعل العرب ما فعلوه في بغداد فأسسوا مكتبًا للترجمة في طليطلة. وإنكبوا ينهلون من معين الكتب الأجنبية. وأجاد المتنبي الذي عاش في سنوات الإزدهار في القرن الميلادي العاشر، حين اعتبر الكتاب خير جليس: «أعز مكان في الدنا سرج سابح /‏ وخير جليس في الزمان كتاب». ولعلّه في ذلك كان يجسّد ولع العرب بالكتاب في ذلك الوقت. وفِي الأندلس وصلت الحضارة العربية أوجها، على وجه الخصوص في القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر للميلاد؛ ثلاثة قرون مضيئة تسيد العرب فيها العالم، في العلوم والفلسفة والطب والرياضيات والفلك والفنون، والكيمياء والزراعة والموسيقى. وكانت الترجمة هي المفتاح الأول الذي فتح عيون العرب على العلوم والمعارف المتقدمة. وشهدت بغداد في المشرق، وقرطبة في الأندلس حركة ترجمة واسعة ثم كانت الخطوة الثانية حين أقبل العرب على هذه العلوم ينهلون منها، ويمارسونها، حتى تقدموا على الأمم الأخرى، الغربية والشرقية. لقد تعلموا من الحضارات المتقدمة عليهم فتقدمواعلى العالم، وهيئوا للغرب ـ الذي كان في الظلام والغيبوبة ـ قاعدة علمية وثقافية وفلسفية صلبة، أسست للنهضة الأوربية الحديثة؛ وفِي هذا الصدد يقول الباحث لوبون:
«كان للحضارة الإسلامية تأثير كبيرفي العالم، وهذا التأثير خاص بالعرب وحدهم لا تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم. إن العرب هذبوا البرابرة بتأثيرهم الخلقي، وفتحوا لأوروبا ما كانت تجهله من المعارف العلمية والأدبية والفلسفية فكانوا ممَدّنين لنا ستة قرون/‏ من كتاب حضارة العرب صفحة 579». وفِي الأندلس أيضا أقبل الاسبان والأوربيون على تعلم اللغة العربية ـ لغة العصر ـ والثقافة العربية ـ ثقافة العصر ـ. وأثار ذلك غضب القساوسة ورجال الدين المسيحيين، الذين عابوا الشبان على ترك لغتهم وثقافتهم والتوجه الى لغة وثقافة العرب.
وأصبح للفيلسوف العربي الأندلسي ابن رشد أنصارًا وموالين في اسبانيا والغرب، وكان هؤلاء يسمون بالرشديين. وكان إبن رشد قد شرح فلسفة أرسطو وأضاف إليها. وكانت هناك علاقات إقتصادية وثقافية بين الأندلس وأوربا إنتقلت من خلالها الحضارة العربية المتقدمة الى أوروبا الغارقة في الظلام، في هذا الصدد يقول الباحث لوبون أيضًا: «إذا رجعنا الى القرن التاسع الميلادي وما بعده حيث كانت الحضارة الإسلامية في اسبانيا ساطعة جدًا رأينا أن مراكز الثقافة في أوروبا كانت أبراجًا يسكنها سنيورات متوحشون يفخرون بأنهم لا يعرفون القراءة والكتابة».
ودخلت العلوم العربية الى أوربا من اسبانيا وصقلية وإيطاليا. وأقيم في طليطلة في العام 1130م مكتبا أشرف على ترجمة أهم الكتب العربية الى اللغة اللاتينية، ومنها نهل الأوربيون علوم الكيمياء، وعرفوا النظريات العلمية واستوعبوها بعد أن ترجمت الى لغاتهم، كما أخذوا عن العرب الفيزياء وعلم العقاقير. وكان العرب في الأندلس قد مارسوا الجراحة ووضعوا مؤلفاتهم فيها، وذكروا فيها الآلات المستخدمة وطرق إستخدامها، كما برعوا في وسائل التخدير، وأجروا العمليات الجراحية.
وبعد، فهذا قيض من فيض العرب الأوائل، وقليل من كثيرهم، لعلّه يكون لنا هديًا ونبراسًا ونورًا يضيء حاضرنا المظلم، وينتشلنا من هذه الغيبوبة الطويلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها