النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

مخلفات المتروك الرمزي.. خربشات على سطح ذاكرة متعبة

رابط مختصر
العدد 10403 الإثنين 2 أكتوبر 2017 الموافق 12 محرم 1439

الكتابة محول هائل للحقائق والاكاذيب والأوهام والأحلام، يفعلها القديسون الصادقون المخلصون، ويركبها الزناة والبغاة وباعة الكلام.
الكتابة قد تتحول إلى محول لإذابة تلك المادة المنفلتة من بين الأصابع والشفاه كالآيس كريم، وعليك في هذه الحالة أن تهرب موضوعك إلى جهة لا يراها الوشاة وحراس الأبواب. وعليك أن تدرك أنك مادمت في الأرض السابعة المسحورة، فكل ما تلمسه يداك يهرب ويختبئ وأنك مضطر إلى اللجوء إلى علم الخربشة المجنونة لتكون كتابتك بلا منطق وبلا ذاكرة متعبة وغير قابلة للرصد والمحاكمة! ولذلك فإن الخربشات المبهمة أو الكتابات السرية تصبح جزءًا من ذلك المسحور المخبوء، المسكوت عنه. هي شفرات جديدة أو هي كائن لم تقع تسميته بعد. تمامًا مثل الخربشات على سطوح الطاولات والكراسي وعلى الأوراق النقدية، فهي تصنع ذاكرتها الخاصة.
هل يمكن بناء نظام دلالي شديد الكثافة والتنوع حول هذه الكلمات التي نراكمها على وجوه طاولاتنا، على واجهات جدراننا العارية، على ورق ملقى على سبيل الصدفة، على صفحات مذكراتنا الخاصة وغير المعدة للنشر؟
الكتابات على جدران محطات الحافلات وداخل المطاعم والمقاهي والحمامات، على الأجساد بالوشم والحديد المحمي هل هي مجرد تسطيحات لم تقع تسميتها بعد؟ هل هي منطقة إسقاط نفسي حر، في حركة لا واعية ولا مثالية ولا مسؤولة، أم أنها كائن لم يقع الشروع في تسميته بعد، باعتبارها كتابات غير هادفة؟ ألا تعتبر قراءتها ضربًا من البذخ الفكري والتطواف المجاني التجريبي في بناء فكرة استقرائية على قاعدة غير معدة بعد للتأويل، فهل يمكن اعتمادها كوثيقة لتحليل إحداثيات توجه اللاوعي العام، باعتماد أدوات تحليل مدرسية، علم نفس الشكل مثلاً؟ هل يمكن قراءتها كوثيقة اجتماعية باعتبارها احتجاجًا على الموروث الثقافي، الذي رسم محضوراته التاريخية المتمثلة في ثالوث التحريم المعروف؟ أفليست الخربشات والكتابات السرية بمعنى من المعاني محاولة للخروج عن الناجز وإحداث ثقوب في ثوب اللغة المكتملة المتعالية في جسم الثقافة المروضة ترويض الجياد الأليفة؟
 سوف لن يكون ممكنًا أو ضروريًا الإجابة عن هذه الأسئلة، لانخراطها ضمن ما يمكن تسميته بفلسفة المخلفات والمتروك الرمزي غير المعاد تكوينه لإنسان قلق في حضارة قلقة تهتم بالأقفال والإغلاق أكثر ما تهتم بالمفاتيح، وتحتفي بالأجوبة الحاضرة أكثر من احتفائها بالأسئلة الحية الحيوية.

صناعة التهريج والدجل
تصنع الحضارات بالفكر والإبداع والحضور المتواصل في تأسيس ملامح الجدة والتحرير في نمط الحياة الممكنة. ولا يمكن لحضارة من الحضارات أن تستمر في الحضور من دون تفجير طاقات تفكيرها وتعابيرها الفلسفية والإبداعية، مهما كانت درجة تطورها الاقتصادي وحضورها السياسي. هذه الحقيقة التي تبدو في أول وهلة بديهة، اختلفت حاليًا في عالمنا العربي تحت عوامل عدة. واختفاؤها بمثابة الفاجعة التي قد تجعلنا نتدحرج إلى متاهات من الصعب الخروج منها. قد يعتقد البعض أن نهايات الإيديولوجيات الكبرى تبرر وضعنا الرديء على صعيد الفكر الفلسفة. وقد يرى آخرون أن العصر هو عصر اقتصاد السوق الذي يستبعد كل ما لا يكون نابعا ومجديا في السوق الاقتصادي الوطني والعالمي.
لا نشك بوجود العديد من التحولات في عالم اليوم، ومنها التحولات التي اصابت الثقافة كمحرك والثقافة كمنتج، ولا شك في تحول الوضعية الثقافية العالمية الى مرحلة عدم الايمان بالنظريات الكبرى الموحدة للمواقف والمنظرة للنضالات الفكرية. كما لم يعد هناك كلي يؤطر النظريات ويحلل الإبداعات ويشكل المنهج الأمثل لفهم صيرورة التاريخ وتجليات الحياة الفردية والاجتماعية. نعم لقد أصاب الفكر نوع من الريبة والشك المتواصل في الأصول والظواهر على حد السواء، لاسيما بعد (حركات الحرية) والتحرر في العالم في أواخر الستينات، التي كثيرًا ما اعتبرت هامشية، ولكنها غيرت مفهوم الفرد في المجتمع وقدمت للحرية تمظهرًا جديدًا كانت له انعكاسات كبرى في المجتمعات الغربية. كذلك حركة مايو 1968 بفرنسا التي لم تكن سياسية بقدر ما تجذرت في التحرر الفكري والاجتماعي والثقافي والسلوكي الفردي. ورغم أن (حركات الحرية) هذه قد كانت تواصلاً لتيارين متناقضين، تيار تحرري يناضل ضد المحرمات، وتيار ماركسي فرويدي ثوري يستمد قوته من التنظير الأيديولوجي السياسي، ولقيام نظام كلي في كنهه، إلا إنها مهدت الطريق إلى النضال من أجل الحرية: الحرية في كل شيء ومن دون استثناء مما أعاد للفرد مكانته بعد أن ابتلعه النسق الاجتماعي أو المكننة الاقتصادية السياسية.
إن أهم إنجازات هذا العصر المعولم اليوم هو أن الثقافة قد تحولت فيه إلى بديل عن الأيديولوجيات الكلياتية إلا أن التحدي الأكثر أهمية والذي فرضته الوقائع الجديدة على الأرض، هو كيفية تحصين الأجيال الجديدة وحماية شخصيتها من الذوبان في هذا التيار القوي الجارف.
إن الاستثمار في الثقافة والانفاق على الثقافة، ونشر الثقافة ودمقرطتها وجعلها حقًا مشاعًا للجميع هو الجواب الجدي والصحيح. وذلك بإيصال الثقافة الجيدة للجميع وجعل ثقافة النخبة ثقافة للجمهور في مواجهة ثقافة الدجل والاستلاب. والتهريج.
وما أكثر المهرجين في الأرض هذه الأيام!! وما أكثر هرجهم ومرجهم وسخافاتهم وكتاباتهم وتصريحاتهم وإعلاناتهم!!! لقد غصت بهم الدنيا، وامتلأت بهم الآفاق فانسدت، حتى لكأن ليس في الدنيا إلا التهريج والمهرجون..

همس
الخلط الدراماتيكي في عمل العديد من الجهات والجمعيات والمنظمات المدنية أصبح لافتًا، حيث لم نعد قادرين على التمييز بين عمل هذه الجهة أو تلك.. فالكل ينشغل بالكل، لا اختصاص ولا تخصص، في حين تجري الأمور في العوالم المتقدمة وفقًا لمنطق: كل في مجاله، وكل لما سخر له.
اللافت عندنا أن الجميع ينشغلون بكل شيء تقريبًا (حفلات التخرج والمسابقات والمهرجانات ودروس التقوية وحفلات والقرقاعون والزواج، ومهرجانات الخطابة...) إلا بالشؤون التي يختصون بها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها