النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مواجهة الاندفاع الإيراني.

من أجل وقف انكسارات الحالة العربية..

رابط مختصر
العدد 10396 الإثنين 25 سبتمبر 2017 الموافق 5 محرم 1439

تمكنت إيران من اختراق الوطن العربي بشكل غير مسبوق في ظل انخرام التوازن وضياع البوصلة العربية وانعدام أي رؤية عربية مشتركة على الصعيد الاستراتيجي ولا على صعيد تكتيكات السياسة العربية المتناثرة في الوقت الحاضر.
لقد تمكنت إيران – من خلال الاستثمار الأيديولوجي والعسكري – من اختراق قسم هام وحيوي من الوطن العربي، بدءًا بالعراق الذي أسهمت بشكل مباشر في تهشيم بنيته الوطنية وشخصيته العربية، وتفكيك أواصره الإنسانية، ليتحول تدريجيا إلى كنتونات طائفية وعرقية. ومكنت القوى الموالية لها من مفاصل السلطة، حتى بات من الصعب الحديث عن الوضع في العراق من دون الحديث عن الدور الإيراني فيه. كما نجحت إيران بثقافتها التوسعية في الدخول على موجة الأزمة السورية، بكل قواها، بالميليشيات الطائفية للقتال مع قوات النظام او بالنيابة عنه. ولذلك بات من الصعب حل الأزمة السورية من دون الدور الإيراني، ومن دون موافقتها على أية ترتيبات في الحرب والسلام، حيث أصبحت لها اليد الطولى في هذا الملف وضمنت لها قوة التأثير في مجريات أمور مستقبل هذا البلد، والاقليم عامة.
كما تمكنت أيضا من زرع ميليشيا «حزب الله» في لبنان، وأمدته بالسلاح والمال، وبتقنية صناعة واستخدام الصواريخ الباليستية، ليتحول إلى هذه الميليشيا إلى ذراع أيديولوجي وعسكري، تحركه عندما تقتضي الأمور خدمة للمصالح الإيرانية القومية بالدرجة الأولى. كما تمكنت من اختراق اليمن في شبه الجزيرة العربية، من خلال ميليشيا الحوثيين الذين تحولوا الى حزب الله جديد، ومدتهم بالخبراء والمال والسلاح وتقنية الصواريخ الباليستية، وذلك بهدف زعزعة أمن واستقرار الإقليم الخليجي بأكمله وابتزازه سياسيًا وأمنيًا.
وعلى صعيد السياسية الخارجية حققت إيران اختراقا مهما، منذ الاتفاق النووي مع الكبار، بما فتح لها أبواب المال والاستثمار الخارجي، مع أغلب الدول الاوروبية التي تتسابق اليوم للحصول على صفقات اقتصادية وتسليحية مع إيران، مع الإدراك التام بأنها دولة غير ديمقراطية تحكمها سلطة ثيوقراطية متطرفة تدعم الإرهاب وتربك المنطقة أمنيًا وسياسيًا، وتتدخل في شؤونها الداخلية.
وهكذا يمكن القول إن ايران تتحول تدريجيا الى إمبراطورية، بقوتها الأيديولوجية والعسكرية والبشرية، وتمكنت الى حد الآن من السيطرة بشكل أو بآخر على عدد من الدول العربية والتأثير في مستقبلها، إضافة الى استمرار محاولاتها لضرب استقرار عدد آخر من الدول العربية، من بينها مملكة البحرين، من خلال سعيها المحموم إلى زرع الفرقة، ونشر الفكر الطائفي وإثارة النعرات، والاستخفاف بالثوابت القائمة، والسعي للسيطرة على العالمين العربي والإسلامي، والتدخل في شؤون دوله، على قاعدة: «أن أصل العلاقات الدولية في المنظور الإيراني هو مسؤولية إيران في رفع هذا الظلم عن المظلومين..». وقد تمت ترجمة هذه السياسية عمليا في الخطاب الإعلامي والديني والسياسي، تجاه الدول العربية، بل ورأينا في الواقع أن تدخل إيران كان دائما لصالح العصائب الطائفية التي تُمارس عنف المعتقد، الذي لم نجد له مثيلا في التاريخ الحديث، إلا في عنف داعش الإرهابي.
هذا النجاح يعكس ويشكل واضح الإصرار الإيراني والعمل الدؤوب ضمن أيديولوجية هيمنية توسعية لتكريس الهيمنة على المنطقة العربية باسرها، ويقابل هذه الحالة من الاندفاع الإيراني المحموم حالة من الانكفاء العربي غير المسبوق، بل والانكسار الاستراتيجي الذي غيب العرب وقواهم الرئيسة عن التأثير الفعلي في بناء مستقبل المنطقة. هذا المستقبل الذي بدأ يتشكل وفقًا لإرادات خارجية عن الإقليم العربي. وهي إرادة القوى الغربية والقوة الروسية، وقوة كل من إيران وتركيا واسرائيل. فالعرب اليوم خارج التأثير في مستقبل العراق ومستقبل سوريا وليبيا تقريبا، وخارج التأثير الفعلي في حل القضية الفلسطينية، وخارج سياق الدفاع الاستراتيجي عن مستقبل الأمة وشعوبها على كافة الأصعدة.
ففيما تنشغل المجتمعات والشعوب في العالم بالتقدم العلمي والتكنولوجي، وبالتنمية المستدامة، فإن الوطن العربي يخوض حاليا معركة حياة أو موت، بطريقته سلبية، أي بالاستسلام شبه الكلي للموت التدرجي، من خلال الغياب عن التاريخ، جرّاء القصور السياسي والمؤسسي وانتشار الصراعات والنزعات الطائفية والتقسيمية، والذي من مظاهره، فقدان عدد من الدول العربية (ليبيا-العراق-سوريا..) سيطرتها على مساحات واسعة من أراضيها، لصالح لاعبين من خارج الدولة، وتعرّض بعضها الآخر إلى مشكلات حادّة تزيد من حدتها وتأثيرها الصراعات الداخلية من دون التمكن من وقف هذه الانهيارات ووضع حد للصراعات الداخلية. هذا بالرغم من أن بلدانا أخرى غير عربية في مناطق أخرى في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، قد استطاعت ان تستدرك أمورها، قبل أن تهوي إلى الهوة السحيقة، وأن تستعيد توازنها، بالرغم مما شهدته من مشكلات مماثلة. ولذلك فليس أمامنا اليوم للخروج من هذه الورطة الكارثية، إلا استدراك الأمر، وإعادة بناء جبهة عربية موحدة، للدفاع عن كيان الأمة، والعودة إلى الحد الأدنى الاستراتيجي الجامع، من خلال نموذج أكثر استدامة في المجالات السياسية والاجتماعية الاقتصادية. والانطلاق من البداية الصحيحة التي تنطلق من تحرير الإنسان العربيِّ، ليتمكَّن من الحركة والتفكير والإبداع. لأن الإنسان المستلب لا يمكن أن يكون منتجًا أو فاعلاً.
وفي هذا السياق، قد سبق للكاتب علاء الدين الأعرجي في كتابه الصادر من 2004م بعنوان: «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي، بين العقل الفاعل والعقل المنفعل» أن حذر صراحةً، من «إمكانيَّة انقراض الأمُّة العربيَّة، واستشرافِ مُستقبلـِها في ظلِّ التداعيات القائمة والظروف الراهنة، مبينا مؤشِّراتِ ودلائل تَدَهْور أو سقوط هذه الأُمَّة العظيمة، ما لم يُسارع عُقلاؤها وزُعماؤها لإنقاذها قبل فوات الأوان، مستشهدا بنظرية ابن خلدون في نشوء الحضارات وسقوطِها، ونظرية المؤرخ أرنولد توينبيفي نظرية سقوط الحضارات».

همس
كتب المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في أحد مقالاته: «بعد كل ما حدث ويحدث للعرب في اللحظة الراهنة، هل تـسمح لنا أمانـة العلم ومسـؤولية التاريخ والمصير أن نعيد ونستعيد الكلام المدرسي المكرور عن ثوابت «الهوية العربية» والنقد المتداول الموجه الى عصر العولمة المتغير، ثم نحذر من مخاطره وندعو- وعظاً كالعادة - للحفاظ على الثوابت القومية أمام المتغيرات الدولية... بفذلكة فكرية تبدو عليها علامات «العصرنة» و «التوازن» و «الاعتدال» مـن دون أدنـى تأثيـر لها في تضاريس الواقع العربي...».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها