النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11207 الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:52AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

زمن الحب الجميل.. ما بين هجرتك.. وأنا بستناك

رابط مختصر
العدد 10394 السبت 23 سبتمبر 2017 الموافق 3 محرم 1439

بداية، أعتذر لكل الذين طلبوا مني الكتابة مجددًا في قضية انفصال الأكراد، وهذا لأني أرى أن ما سردته الأسبوع الماضي عن ضرورة بقاء العراق كيانًا موحدًا يكفي ولا داعي لفتح القضية مرة أخرى.. أعلم أن رغبة بعض القيادات الكردية في إعلان الانفصال لا تزال محل رضى شعبي في أوساط الأكراد، بيد أن المسألة كلها ترتبط بالدولة العراقية المركزية، تلك الدولة التي عهدناها منذ طفولتنا ونتمنى استمرارها.
وإذا كنت تحدثت بحنين الأسبوع المنصرم عن الماضي العربي الذي يرتبط بعالم الجغرافيا والسياسىة، فالحب أيضا له ماضٍ وزمن جميل عشناه وتعايشنا معه ونهلنا من عواطفه وأشجانه وحنانه، وله كتبنا شعرًا وقصائد وزجلاً، كان الحب للحب، وليس تضييعًا للوقت، كان الحب جميلاً في الماضي، حب يقوم على الثقة والإخلاص لا يرتبط بالماديات، كان «عش الزوجية» يبدأ من لا شيء تقريبًا، ويمتلئ على مدى سنوات، لا يمتلى أجهزة مادية، وإنما عواطف وحب وشوق ولهفة وأطفال، ولذلك استمر آباؤنا وأمهاتنا في حب وتفاهم الى أرذل العمر.
لا أريد النيل من عصرنا الحالي، فهو أيضا عصر الحب، ولكنه ليس حبًا مثلما كان في ماضينا، لأن كلمة «الحب» أو «بحبك» أصبحت رخيصة وتقال في أي وقت، ولمرات عديدة في اليوم الواحد عبر وسائل السوشيال الميديا، فالكلمة يقولها الشاب أو الفتاة صباحًا وظهرًا ومساءً، وربما ينقلب الوضع في اليوم التالي، ليكون بداية نكد وعصبية، لينتهي اللقاء بدون حتى كلمة وداع على أمل اللقاء. ربما يكون السبب أن السوشيال الميديا قربت المسافات بين المحبين وأزالت كل التضاريس المعنوية والمادية التي كانت قائمة زمان. ونتذكر أغنية «ساكن في حي السيدة» للمطرب المصري صاحب الصوت الرائع محمد عبد المطلب، فهو يذهب من السيدة لسيدنا الحسين يوميًا مرتين ليرى وجه حبيبته، الرجل حكى عن مشقته اليومية، ومع ذلك لم يستطع أن يبوح لها بحبه وأن يبثها عواطفه، فالنظرة كانت كل أمله وغايته، ومن أجلها عانى الأمرين وأرهق قدميه ولكنه لم يشتك لأحد وإنما غنى لذلك في صورة كلمات رقيقة:
ساكن في حي السيدة.. وحبيبي ساكن في الحسين
وعلشان أنول كل الرضا.. يوماتي أروحلو مرتين
علشان حبيبي زي الغزال.. يوماتي أهجر حيّنا

لم نعهد مثل عبد المطلب في عصرنا الحالي، فلربما كان وقع في غرام أكثر من فتاة في وقت واحد وراسلها على «الواتس» أو «الفيس بوك»، وغيرها من وسائل التواصل، ولكل أمثال عبد المطلب أن يحمد الله أنهم لم يعهدوا هذا العصر، عصر المصالح والماديات والحياة الإلكترونية والرتم السريع للحياة، هذا الرتم الذي جعل الحب يأتي سريعًا وينتهي أسرع، إلا فيما ندر.
لقد عهدنا في زماننا الجميل كيف ينفجر الحب وينابيعه، لتظل تلك الينابيع تسقي الحب بأعذب الكلمات والعواطف، فكانت مياه الحب لا تنقطع أبدًا وتظل تروي ما بين الحبيبين من هيام ولهفة وغرام، ليظل الحب والتفاهم الى ما شاء الله، ثم تمضي الأيام ليكون هذا الحب هو الطريق للزواج إن شاءت الظروف، ليأتي الأطفال ويكبروا وسط حديقة غناء من الحب والمودة والتفاهم بين أعضاء الأسرة، ولم نلحظ ما نراه الآن من شحوب مشاعر العشق وتراجعها بسبب روتين الحياة، فالروتين الذي نحياه اليوم لم يختلف بالأمس، فروتين الحياة واحد مهما اختلفت العصور والأيام. ولكن في الزمن الجميل كان المحبون يتغلبون على أوجاعهم الحياتية، ولم نكن نسمع كلمات مثل «الحب الذي بيننا انتهى» لأن الحب لا ينتهي ويظل رافدًا للعواطف بين المحبين وكل أعضاء الأسرة، رغم كل مشكلات الحياة اليومية آنذاك، وطبيعي أن يمر الجميع بمشكلات ولكن ليس معنى هذا إغفال حق الحب على الجميع. كان حديث المحبين يلفه المشاعر والذكريات الجميلة والرومانسية وضوء الشموع، بما يذهب الفتور والملل والشعور بالحياة المملة.
في زمن الحب الجميل، كان العشق صافيًا للقلوب، ومن أجله يضحي الجميع بالغالي والنفيس لكي يظفر بقلب نقي عاشق مخلص لصاحبه، وليس قلبًا مجنونًا يمر بكل ألوان الطيف في الساعة الواحدة وليس اليوم الواحد، وربما في الدقيقة الواحدة تتغير مشاعره من حب الى غضب الى غيرة الى كره الى هجران الى نسيان.. الحب في الزمن الجميل كان شعاره «تقديس المحب»، وهذا المحب أو الآخر إنسان واحد فقط لا غير وليس بعدد خطوط وأرقام الهواتف النقالة. الحب في الزمن الجميل يختار المرء إنسانة واحدة من بين عشرات أو مئات الأخريات، وهي كذلك تختار فارسها من بين المئات، ويظل هو الحبيب والرفيق، وليس مجرد رقم أو اسم وهمي في قائمة الاتصالات على الهاتف المحمول من بين أسماء وهمية أخرى. الحب في الزمن الجميل ظل يرتوي يوميًا وليس مجرد يوم واحد في العام تحت عنوان «عيد الحب» أو «الفالانتين داي»، كانت الورود والزهور عنوانًا دائمًا للحب، وليس مجرد هدية عطر غالٍ أو رخيص مرة كل فترة. كانت العيون هي لغة الحب في الزمن الجميل، ومن قبل ذكرت محمد عبد المطلب ومشقته ليرى حبيبته، فالعيون هي لغة التواصل بين الأحبة، وليس «الشات» وصورة سريعة ليس بها روح. في زمن الحب الجميل، انتظرت الفتاة حبيبها وفارسها بهيئته وليس بما يمتلكه من ثروة وسلطة وجاه، وفي المقابل أيضا لم يكن للرجل أكثر من فتاة أو حبيبة، فمن تسكن القلب تظل به الى آخر العمر.
الحب في الزمن الجميل كان الشاب يفصح فيه عن مدى احتياجه لقلب حبيبته، حتى يشعر معها بالأمان وهي كذلك، أمان اليوم وغدا، فشمس الحب زمان كانت تولد دفئًا ونورًا تبدد ظلام الحياة وبرودتها. كان الشاب أو الفتاة يكتب أو تكتب عن كونها الرحب التي زرعته وردًا وأزهارًا للآخر، كان كل طرف يمثل للآخر أشعة الشمس ونور القمر والطبيب والدواء، كان مجرد الحديث بين الحبيبين أو حتى الرؤية كافيًا لتبديد الخوف، وعندما كان يتعهد الحبيب بقطع البحار والمسافات والجبال لم يكن يهذي وإنما يتحدث بقوة لأنه قادر على فعل هذا وذاك. كان الحب في الزمن الجميل حصنًا من الأمان، حصنًا يملؤه الحب والود والمشاعر الفياضة، حصنًا به أحلى باقات الزهور والورود والفرحة بلا حدود، حصنًا يضم طائرين معًا في حالة هيام دائم، لا تكفي كل السموات لطيرانهما معًا متعانقين وهما ذاهبان لنجمة عالية في السماء، حصنًا من الربيع الدائم، حصنًا من الأشواق والحب والعواطف بلا حدود.
وبما أنني أتحدث عن حب الزمن الجميل، فلم يكن هجر الحبيب قرارًا دائمًا، فسرعان ما يتم التراجع عنه، بسبب الأشواق الملتهبة ورغبة في اللقاء بعد طول انتظار، وقد عبرت كلمات أحمد رامي عن الهجران في «هجرتك» بصوت أم كلثوم، فيما فجرت كلمات الشاعر مرسي جميل عزيز مشاعر الانتظار في رائعته «أنا بستناك» بصوت نجاة الصغيرة.. لقد انتابت أم كلثوم مشاعر متضاربة ما بين رغبتها في هجر حبيبها وما بين القدرة على نسيانه، وفي النهاية لم تستطع بسبب الحب حتى إنها فكرت فيه وهي ناسية، فلم تستطع الهجران لأن هوى حبيبها يجري في دمها:
هجرتك.. هجرتك يمكن أنسى هواك.. وأودع قلبك القاسي
وقلت أقدر في يوم أسلاك.. وأفضي من الهوى كاسي
لقيت روحي في عز جفاك.. بافكر فيك وأنا ناسي
غصبت روحي على الهجران.. وإنت هواك يجري ف دمي
وفضلت أفكر في النسيان.. لما بقى النسيان همي

الحب في الزمن الجميل لم يكن مجرد مشاعر يوم أو يومين ويذهب لحاله، فكان الهجران صعبًا لما سبقه من حب وعشق وغرام، وتستكمل أم كلثوم رحلة الهجران:
صعبان عليّ جفاك.. بعد اللي شفته في حبك
مش قادر أنسى رضاك.. أيام ودادك وقربك
لكن أعمل إيه.. وأنا قلبي لسه صعبان عليه
صعبان عليه إنه اتمنى.. جنة قربك
ونال مراده واتهنى.. بنعيم حبك
ورجعت تسقيه من صدك.. كاس الهجران
وترد نجاة على «الهجران» بشوقها الى حبيبها في «أنا بستناك»، متسلحة بكل أسلحة الغرام من قلب كالحرير وضوء شمعة وحب ومشاعر تعبر فيها عن هذا الحب:
أنا بستناك.. وليلي شمعة سهرانة لليلة حب
وأهلا أهلا أهلا حلوة.. شايلاها عيون بتحب
وقلبي حرير شايلك مطرحك فى القلب
وأزوق ليلي وأتزوق لأجمل وعد
وأدوبلك فى شرباتي شفايف الورد
وأقولك:
دوق دوق حلاوة القرب بعد البعد.. البعد البعد
أنا أنا بستناك.. بستنـــــــــــــــاك أنا
 إنه الحب زمان، عندما تحب المرأة بكل حواسها، بقلبها وعيونها وجميع جوارحها، حتى قلبها فرشته بالحرير الناعم ليسكن فيه الحبيب، الى أن تأتي لحظات الانتظار الصعبة قبل قدوم الحبيب في موعده الذي لم ولن تنساه في أجمل ليلة بالعمر:
من الشباك وأنا خدي على الشباك
أنا والشوق وناره الحلوة بستناك
وفرح الدنيا مستني.. آه مستني معادي معاك
يا أجمل ليلة فى عمري حبيبي جاي
يا ورده بيضة فى شعري حبيبي جاي
يا عقد ياقوت على صدري حبيبي جاي
أنا أنا بستناك.. بستنـــــــــــــــاك أنا

 وحتى عندما يمر الوقت، تخاطب نفسها وتحدثها عن سبب تأخير الحبيب، لتناجيه بسرعة المجيء لتذوق حلاوة الحب وهما قريبان من بعض:
مرايتي قوليلي يا مرايتي.. حبيبي مجاش لدلوقتي
وفاتني لوحدتي وإنتي.. أبص لروحي وأصعب على روحي
نسيني ليه.. حبيبي وأغلى من روحي نسيني ليه
حبيبي.. إنت فين إنت
أنا أنا بستناك.. بستنـــــــــــــــاك أنا

وما بين الهجر والانتظار كان للحب معاني جميلة، حب تشعر به كل حواس الإنسان، حب عفيف طاهر، والأهم إنه حب دائم، لا ينشغل حبيب عن حبه، ويكون إدعاؤه انشغاله بعمله ومتاعبه ونومه المتواصل، فمع رحلة «هجرتك» لم تستطع أم كلثوم نسيان المهاجر، ومع الشوق للحبيب انتظرت نجاة بقلبها وعيونها، فكان الحب الذي لا نشعر به الآن.
إنه حب الزمن الجميل الذي كان مثل الفجر تنبزغ منه الشمس، مثل الزهرة يحتاج للماء كي يزهر وينبت، وماء الحب لا ينضب، خاصة إذا اعتبرنا أن «كل ما لا يتجدد يتدهور»، وهذا هو الحب، يحتاج الى تجديد حتى لا تعطش مسامه وتجف، حب يتأسس بالتفاهم وليس بالاعتذارات والبعد والتعلل بأسباب واهية، لأن الحب احتواء مثل الشجرة التي تروى بالماء باستمرار، والحب في حاجة الى الصدق والثقة كالنبتة إذا أهملناها ذبلت، والحب يتطلب ارتواء عواطفه حتى لا يقضي عليه الروتين اليومي للحياة، ومع ذلك نحن في انتظار «الفجر» لأننا لن نفرط فيه.
كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا