النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

كذب المنجمون.. ولو صدقوا

رابط مختصر
العدد 10389 الإثنين 18 سبتمبر 2017 الموافق 27 ذو الحجة 1438

لأن أحد ممن يتوقع المصريون، أو يتمنون، أن يخوضوا المنافسة في انتخابات الرئاسة، التي تجرى في مايو من العام المقبل، لم يعلن بوضوح - حتى الآن - عن نيته في ترشيح نفسه، فقد انتهز «أحمد شاهين» - الذي يقدم نفسه باعتباره عالمًا فلكيًا - فرصة خلو الساحة من المرشحين، لكي يعلن - على شاشة إحدى الفضائيات - أنه سوف يخوض المنافسة على الرئاسة، وهو أسلوب شائع في كل الانتخابات العامة، يلجأ إليه بعض هواة الشهرة، ينتهزون فرصة اهتمام الإعلام والرأي العام بالمناسبة، لكي يقوموا بالدعاية لأنفسهم أو للمهن التي يمارسونها، فإذا جد الجد، وفتح باب الترشيح، اختفوا، أو غامر بعضهم بتقديم طلبات الترشيح وهم يعلمون أنها سوف ترفض لعدم انطباق الحد الأدنى من شروط الترشيح عليهم.
ولم يجدْ عالم الفلك، من إنجازاته القديمة، ما يزكي به نفسه للناخبين في أول إطلالة تليفزيونية له، سوى التذكير ببعض النبوءات التي سبق أن تنبأ بها، وتحققت.. ولم يجدْ من نبوءات المستقبل، ما يعد به هؤلاء الناخبين، سوى التنبؤ بأن القيامة سوف تقوم قبل نهاية هذا العام، وهو ما أضحك مقدم البرنامج، وأضحكني، إذ لو صحت نبوءته لما كان هناك مبرر لأن يرشح نفسه في انتخابات سوف تجرى بعد أن تقوم القيامة، والغالب أن البروفيسير «أحمد شاهين» لم يجدْ في خبر عزمه على خوض الانتخابات الرئاسية، ما يكفي من الإثارة لجذب اهتمام المشاهدين لشخصه، أو لاغرائهم بالاقبال على استهلاك ما يبيعه من بضائع تشمل قراءة الكف وفتح المندل وتفسير الأحلام.. الخ، فاصطنع خبر قيام القيامة، لعله يحقق له هذا الهدف، ولعله أراد أن يثير به رعب الآخرين، فينسحبون من منافسته ويتركون له ساحة الانتخابات على الرئاسة خالية.
أما المهم، فهو أن نبوءة «البروفسير شاهين»، ذكرتني بأول نبوءة بقيام القيامة سمعتها في شبابي. حدث هذا في منتصف أحد أعوام خمسينيات القرن الماضي، عندما طيرت وكالات الأنباء خبرًا يقول: إن عالم الفلك النرويجي «تشارلز لوكهيد» قد تنبأ بأن القيامة سوف تقوم قبل نهاية ذلك العام، وظلت الصحف تعلق على الخبر، وتحلل جوانبه الفلكية والشرعية لعدة شهور، قبل أن تتوقف عن متابعته بعد أن أثبتت الأيام كذبه، لكنني - على الرغم من ذلك - لم أتوقف عن مطاردة نبوءات - أو أكاذيب - علماء الفلك، بعد أن شاركت ضمن فريق من تلاميذ عالم الاجتماع الراحل «د. سيد عويس» في جمع جانب من المادة الميدانية لبعض ما قام به من أبحاث رائدة حول ظاهرة التفكير الخرافي الذي يسيطر على عقول المصريين والعرب.
وكانت البداية حين اكتشف «د. سيد عويس» صدفة، أن من بين هؤلاء، من لا يزال يرسل خطابات، إلى مقام الإمام الشافعي بالقاهرة، يضمنها شكواه مما يعانيه من مشاكل ومظالم في حياته، ويطلب فيها من صاحب المقام، باعتباره قاضى الشريعة، أن يستخدم نفوذه، لكي يعيد له حقه المسلوب، ويرفع عنه ظلم الأقوياء والمتجبرين، وكانت المفاجأة أنه اكتشف أثناء دراسته للظاهرة، أن بعض المتخصصين في الآثار الفرعونية، قد عثروا في مقابر قدماء المصريين، على لفائف من أوراق البردي تحمل رسائل إلى الراحلين من أقاربهم، وهو ما يدل على أن ظاهرة مراسلة الموتى قديمة، كما عثروا في هذه المقابر على أوان للطعام والشراب، مما يؤكد إيمان المصري القديم بأن الموتى أحياء في قبورهم، وهو ما لا يزال بعض المصريين المعاصرين يعتقدون به، كما كشفت الدراسة الميدانية التي شاركت في جمع مادتها، من عينة تضم مئات من شباب الجامعات والمعاهد التي تعد طلابها، لكي يكونوا قادة ثقافيين للمجتمع مثل المدرسين والأخصائيين الاجتماعيين والوعاظ الدينيين والصحفيين والإعلاميين والممثلين وغيرهم.. عن أن الأغلبية العظمى من هؤلاء القادة، يتوهمون أن الموتى أحياء في قبورهم وأن هذه الحياة تكون في رأي البعض بالروح.. وتكون في رأي آخرين بالروح والجسد معًا..
وحتى الآن لا تزال معظم الصحف العربية، تخصص زاوية يومية بعناوين من نوع «الأبراج» و«البخت» و«حظك اليوم»، تحمل لقراء هذه الصحف نبوءات خبراء الأبراج الفلكية بما سوف يواجهونه قارئها في هذا اليوم، ويحررها في الغالب أحد محررى الصحيفة ينتحل لنفسه صفة «عالم الفلك». ولا تزال بعض محطات التليفزيون تخصص برنامجًا أسبوعيًا لتفسير الأحلام، وعندما اعترضت ذات مرة في اجتماع عقده الرئيس المصري الأسبق «حسني مبارك» على تخصيص التليفزيون المصري لبرامج من هذا النوع، تسعى لنشر الخرافة، دافع أحد المسئولين بالتليفزيون عن البرنامج، وقال إنه يتلقى أسبوعيًا ما يزيد على 500 اتصال هاتفي من المشاهدين، وأضاف يقول لى معاتبًا عقب الاجتماع، الذي أسفر عن إلغاء البرنامج، إن كثيرًا من تليفزيونات العالم المتحضر، تقدم برامج لقراءة الطالع والكف وفتح الكوتشينة، وأن كل حضارات العالم، عرفت هذا النوع من الخرافات في العصور القديمة والوسطى، ثم تحولت – مع تقدم الاكتشافات العلمية – إلى ميراث ثقافي، يلجأ إليه الإنسان في فترات الضيق أو الكرب لكى يتخفف من آلامه أو أحزانه، بما في ذلك الحضارة العربية، التي كان العراف أحد كبار الموظفين في قصور الولاة والسلاطين، ولم يكن أحد منهم يتخذ قرارًا مهمًا – بما في ذلك قرار الحرب – دون أن يقرأ له النجوم ويستطلع رأي الكواكب والأفلاك.
ومع أن ذلك ليس مبررًا في رأيي للصمت على هذا النوع من التفكير الخرافي، إلا أنني لا أستطيع أن أنكر أن وقائع التاريخ القديم بل والمعاصر تؤكدها، لم يكن آخرها إعلان البروفسير «أحمد شاهين». أن القيامة سوف تقوم في نهاية هذا العام.. ولم يكن أولها ما يرويه السياسي السورى الراحل «أكرم الحوراني»، الذي كان أحد نواب الرئيس عبدالناصر في عهد الوحدة المصرية السورية، وهو يقول في مذكراته إن حديثًا جرى بينه وبين نائبي الرئيس المصريين «عبداللطيف البغدادي» و«زكريا محيي الدين» تطرق إلى ذكر الشائعات التي كانت تملأ دمشق آنذاك – ربيع 1959 – بأن أحد العلماء قد عثر في أحد الكتب القديمة على نص يقول إن «عبدالناصر» سوف يحرر فلسطين وبيت المقدس كما حررها صلاح الدين الأيوبي، وهي شائعة أكدها له «البغدادي» مع بعض التصحيح، خلاصته أن الكتاب وضعه أحد القساوسة الأوروبيين وتنبأ فيه بأن رجلاً من الشرق سوف يهزم الغرب، وأن هذا الرجل سيكون عبدالناصر..
 وعندما أبدى «الحوراني» دهشته وعدم تصديقه لذلك، وعده «زكريا محيي الدين» بأن يطلعه على الكتاب فور عودتهم إلى القاهرة.. ولكنه تجاهل الأمر تمامًا.. ولم يطلعه على شيء.
بعد ثمانية أعوام من هذا التاريخ – وفي 5 يونيو 1967- استولت إسرائيل على ما تبقى من فلسطين ومن «بيت المقدس» وبعد ثلاثة أعوام أخرى – وفي 28 سبتمبر 1970 – رحل «عبدالناصر» عن الدنيا دون أن تتحقق نبوءة الشيخ السوري أو القسيس الأوروبى حتى اليوم.. بينما خرج أحد علماء الفلك ليؤكد أنه تنبأ بتاريخ رحيل «عبدالناصر» في كتاب أصدره عن نبوءات ذلك العام، أصدره في بدايته وقبل تسعة أسهر من هذا الرحيل، وقال فيه «نعوذ بالله من 28 سبتمبر».

وصدق من قال: كذب المنجمون ولو صدقوا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها