النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

البحث عن ذواتنا الضائعة «زهايمر» الهوية بين التقديس والتسخيف

رابط مختصر
العدد 10389 الإثنين 18 سبتمبر 2017 الموافق 27 ذو الحجة 1438

إلى أي مدى نحن في حاجة إلى معرفة الماضي واستحضاره حقيقةَ وفاعلية مؤثرة في الحاضر ومتحاورة معه ومؤثرة فيه، وليس كمجرد خزان من الصور والأفكار والممارسات والكتب؟
الجواب عن هذا السؤال غالبا ما يكون على النحو الآتي: «يكون الاستحضار بالمقدار الذي يكون لنا عونا على فهم أنفسنا وهويتنا، ومصادر القوة وعناوين الضعف والخلل؛ من أجل أن نتقدم في النهاية، وبالمقدار الذي يجلي الحقائق ولا يلبسها، ولا يزيفها ولا يرفعها إلى فوق مقتضيات الفحص الموضوعي العلمي، نتيجة أشكال التقديس والتلبيس والتضخيم، وبالمقدار الذي لا يستخف بالحقائق ويستسخفها لمجرد موقف مضاد منها أو معاد للهوية».
فالأفراد كما الجماعات، في حاجة إلى معرفة ماضيهم، إذ إن هويتهم تتوقف في حد ذاتها على هذه الحقيقة، ولو أنها لا تذوب فيها. فعندما يصيب «الزهايمر» الإنسان فاقد الذاكرة، يخسر هويته ولا يعود هو نفسه مطلقا. كذلك لا وجود لشعب من دون ذاكرة جمعية ومن دون ماض (أيا كان شكل ومحتوى هذا الماضي). وهذه الشعوب والجماعات، لكي تحقق ذاتها يفترض بها اختيار مجموعة من الإنجازات والإخفاقات الماضية التي تسمح لها بتحديد نفسها، لتكون تحت مجهر الدراسة والبحث الموضوعي، ولتكون مندرجة ضمن سياق المراجعة من أجل التجاوز والتقدم، وليس من أجل التفاخر الأجوف، أو التباكي المريض.
ومع أنه لا مفر من العودة إلى الماضي، فلا يعني ذلك أن هذه العودة دائما ما تكون صالحة، فكثير من «العودة والاستعادة» لا تشكل سوى حالة من استهلاك مواد لضمان استمرار الغيبوبة. فالذاكرة كاللغة، يمكن استخدامها في معركة نبيلة الأهداف، كما يمكن ان تستخدم في أسوأ الأغراض وأقذرها. ولا يمكن تبرير «واجب الذاكرة» على المستوى الأخلاقي إذا كان استحضار الماضي يغذي قبل كل شيء الرغبة في الانتقام والثأر، مثلما يحدث عندنا في أغلب الأحيان، لأننا لم ننجح بعد إلى حد الآن في تحقيق أي منجز تاريخي كبير أدى إلى تحقيق أي اختراق جوهري، باستثناء إنجازات صغيرة متناثرة ومحدودة القيمة والأهمية.
إلا أنه لا يمكن توجيه اللوم إلى أحد لأنه يستخدم الماضي، ليس فقط لأن الجميع يستنجد به للتبرير أو للتفاخر أو لأي غرض أيديولوجي آخر، بل أيضا لأن المطلوب أن يكون الماضي في خدمة الحاضر. بيد أن المبالغة في هذه العودة إلى الماضي والإفراط في اللجوء إليه واستعمالات الذاكرة بصورة مستمرة، من شأنه أن يعمينا عن الواقع وما فيه من تحديات تحتاج إلى الوعي الحاضر وأدوات الحاضر والاستفادة من تجارب الآخرين الذين تقدموا وتجاوزونا من زمن بعيد.
وعليه، يمكن القول بوجود خطرين يتهددان عمل الذاكرة؛ اسمهما التقديس والتسخيف. فالتقديس لا يسمح بالاستفادة من الماضي ولا باستخلاص الدروس ولا بالاستفادة العملية من جوانب القوة فيه. ويمكن أن يكون للمقدس محله في الحياة الخاصة لكل منا، إلا أن هذا لا يصح في النقاش العام، كما يمنع التواصل بين الماضي والحاضر بشكل صحيح وفعال. بيد أنه عادة وكما قال الروائي الفرنسي «مارسيل بروست» في «البحث عن الزمن المفقود»: «إننا لا نستفيد من أي درس؛ لأننا لا نعرف كيف نصل إلى العام فيه ونتخيل أنفسنا دائما أمام تجربة لا سابق لها في الماضي وهذا أكبر أخطائنا».
أما الخطر الثاني فهو عكس التقديس، ويمكن أن نطلق عليه اسم «الاستخفاف» بالماضي أو بالتراث، من منطلق عدمي لا يرى لنا خلاصا إلا «بتجاوز هذا الماضي والتخلص منه»، وهو موقع لا يقل خطورة عن التقديس، ويؤول في النهاية إلى التجاهل والإلغاء والتحقير للذات ونكران الحقائق، ولذلك فإن طبع الحاضر فوق صورة الماضي لا يمكن أن يلغي هذا الماضي مطلقا.
إن الحياة الخاصة والحياة العامة لا تخضعان للقواعد نفسها في موضوع الذاكرة والتذكر والاستحضار. ففي الأولى تكون العلاقة خاضعة للعلاقة بين شخصين أو أكثر، وهي علاقة فردية ذاتية بكل المعاني والاعتبارات. فنحن لا نقول الحقيقة في الغالب إذا اعتقدنا أنها مؤلمة لمن نحب، ونرفض في الغالب الأعم الإصغاء إلى كشف الماضي إذا كان من شأن هذا الكشف التسبب في بلبلة استقرار هذا الحاضر أو التأثير فيه بشكل سلبي، إلا أن الأمر يختلف في الحياة العامة، حيث تذاع كل الحقائق المتوافرة، بغض النظر عن مدى ما تنتجه من آلام وأحزان، وما تتمخض عنه من نتائج قد تكون كارثية في بعض الأحيان. وعند اكتشاف معلومة ما، لا يفترض بنا التساؤل عن المصلحة في نشرها أو إبرازها، بل إن المطلوب هو التساؤل فقط عن مدى صحتها، ذلك هو السؤال الذي يجب أن نعكف عليه، سواء تعلق الأمر بالحاضر أو تعلق بالماضي.
وهذا جوهر الخلاف مع النزعات الدوغمائية والأيديولوجية التي ليس لها الاستعداد مطلقا للاحتكام إلى الحقائق، وإنما إلى «حقائقها» غير القابلة للفحص الموضوعي، إما تقديسا للماضي والخوف من مقاربته بمشرط العلم، خوفا عليه من أن «ينكسر»، وإما كرها لهذا الماضي ومحاولة لتجاهله، وفي كلتا الحالتين نكون أسأنا لهذا الماضي، أي إلى أنفسنا في نهاية المطاف.
همس
إن إنشاء مراكز للدارسات الاستراتيجية أمر مهم وضروري، ولكنه غير كافٍ إذا لم يستوعب الحقل الثقافي عامة، والفضاء الجامعي خاصة، تحديات العصر العلمية، وإذا لم يمتلك القدرة على اقتحام المستقبل، وإذا بقي سابحا في ملكوت «السكولاستيكية» في تقليديتها المنصرفة إلى هموم ذوات فاعليها ورهاناتهم الخاصة في الغالب الأعم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها