النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

العنوان الرئيسي: جدل فوق الشبهات (1ـ2)

دولة وطنية مدنية، أم دولة دينية طائفية؟

رابط مختصر
العدد 10382 الإثنين 11 سبتمبر 2017 الموافق 20 ذو الحجة 1438

تعقيبًا على موضوع «الإصلاح السياسي والدولة المدنية» كتب لي أحد الأصدقاء القدامى تعليقًا مطولاً لا يتسع المقام لنشره كاملاً، اكتفي بأهم ما ورد فيه من ملاحظات واتهامات، ألخصها في هذه الأسطر التي تعبر بوضوح عن جوهر الفكرة: «أنتم أيها العلمانيون تخدعون الجمهور بفكرة الفصل بين الدين والدولة، عندما تتحدثون عن الدولة المدنية الديمقراطية، لأنكم تتناسون عن قصد أن الدين عندنا لا يفصل بين ما هو زمني وما هو روحي، وبين ما هو عقلي وما هو نقلي، حيث يتكامل الأمران ولا يتناقضان. ولذلك فإن التغني بالدولة المدنية لا يخلو من خداع ومراوغة، لأن الدين قد جمع بين الدنيا والآخرة وأحاط بالأمور كافة، فالفصل لا يوجد إلا في أذهانكم، ولذلك ندعوكم إلى التوقف عن طرح مثل هذه الأفكار الهدامة». - «أنتم تتمثلون بالغرب وتقدمونه على أنه مثال يُحتذى به في المدنية والحداثة والديمقراطية، مع أن الغرب نفسه يضم ضمن بنيانه السياسي أحزابًا مسيحية ديمقراطية، ومثال ذلك إيطاليا وألمانيا وغيرهما من الدول التي تدين بالمسيحية. بل إن الأحزاب المصنّفة ديمقراطية ومدنية في الغرب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمسيحية، ومع ذلك فإنكم تقفزون فوق هذه الحقيقة وتتجاهلونها؛ لأنها لا تخدم فكرتكم...».
تلك أهم فكرتين في تعقيب الصديق والبقية تفاصيل لا حاجة لعرضها.
والحقيقة أننا لما نكتب عن الدولة المدنية لا نطالب قطّ بالفصل بين الدولة والدين، بل الفصل بين الدين والسياسة، وهنالك فرق كبير بين الفكرتين. فالدولة في البلدان الإسلامية لا تنفصل عن الدين، بل تتولى خدمته ورعاية شؤونه وشؤون المؤمنين. كما انها لا تحارب الدين، ولا تهمشه كما يدعي البعض، لأن الدولة المدنية ليست مؤسسة لنشر الإلحاد ورعايته، أو لمعاداة الدين أو محاربته. كما أن المهمة الرئيسية للدين هي نشر الإيمان والقيم والأخلاق. ولكن المشكلة تبدأ عندما تتم المتاجرة بالدّين لصالح الأحزاب والجماعات السياسية الطائفية التي تستغل ما هو مشترك وجامع للمؤمنين لتمرر وتفرض وتنشر ما هو خاص بها سياسيًا ان أو طائفيًا. والذين يتحدثون اليوم عن الإصلاح السياسي في إطار دولة مدنية - وهم منغمسون في عق الطائفية - يقعون في مفارقة غريبة عندما يقدمون هذا الإعلان وهم في موقع الأحزاب الطائفية التي تفرق ولا تجمع، وتميز ولا توحد، وتقسم المجتمع إلى فسطاطين، أو إلى فئتين. وتلك ليست مجرد كلمات متقاطعة أو عبارات عابرة، إنها خيارات مدروسة لمجتمع تحت السيطرة الطائفية الكاملة، من خلال شعارات غير ديمقراطية وغير مدنية، تبشرنا بمجتمع لا يتساوى فيه المواطنون في شيء، إلا الخضوع للسلطة الطائفية المطلقة، وهي غير قابلة لنقاش توجيهاتها، فما بالك بمعارضتها والتي تعتبر مروقًا يعرض مرتكبه إلى التكفير، وذلك باعتبار أن المعارضة في سياق الدولة الدينية الطائفية هرطقة أو إفسادًا في الأرض. وهي الصفات التي تطلق على أغلب المعارضين في جمهورية إيران الإسلامية مثلا، وهي الدولة الدينية الطائفية بامتياز.
هؤلاء ليس لديهم أي تصور جدي وصادق لمجتمع مدني او دولة مدنية، إلا إذا كان المقصود بذلك الدولة إياها التي يحكمها ويوجهها المرجع الفرد - المغلف بأنواع القداسات. هؤلاء يستبعدون أو يتجاهلون نهائيا ان الدولة المدنية والبناء الديمقراطي يتناقضان مع وجود أحزاب طائفية مستندة إلى مرجعية دينية، ويتناقض مع المجتمع القائم على احترام التعددية الثقافية والفكرية والسياسية. فوجود أحزاب سياسية على أسس طائفية أمر غير مقبول بالمعيار المدني، بل هو نقيض لدولة المواطنة.
أما ما استشهد به الصديق من أن هنالك أحزابًا توصف بالمسيحية في بعض دول أوروبا الغربية، مثل الحزب الديمقراطي المسيحي في إيطاليا وشبيهه في ألمانيا وغيرهما، فإنه وبالعودة إلى دساتير هذه البلدان التي بها أحزاب تسمى مسيحية، نجد أن هذه الأحزاب ديمقراطية بحق، ملتزمة باحترام الدستور والقانون المدنيين، بما في ذلك الفصل بين الدين والسياسة، وعدم تقديم التعبيرات والمبادئ الطائفية في القول والفعل. وهي برغم من تسميتها بالمسيحية، لا تحمل من هذه الصفة إلا الاسم. فهي أحزاب تمثل أجنحة محافظة تستلهم القيم من المسيحية، ولكنها محكومة ومنضبطة بقواعد الدستور والقوانين الوضعية. كما أن «المرجعية الدينية» للأحزاب الديموقراطية المسيحية غير موجودة في الواقع، لا تزيد عن الالتزام بقيم ومبادئ أخلاقية عليا، واضحة وغير مبهمة: مثل الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة والمسئولية الاجتماعية والمواطنة الفعالة والأمانة والشفافية. ولن تجد عند أي منها دعوة لإقامة «دولة مسيحية» محلية أو عالمية، أو مطالبة بجعل «الشريعة المسيحية» فوق الدساتير أو مصدرها الوحيد. ولا يقول أي منها ـ في استعلاءـ إن «المسيحية هي الحل»؛ بل تقدم تلك الأحزاب برامج ومواقف محددة، مدنية واقعية قابلة للمناقشة والأخذ والرد، يُستشَف منها، الالتزام بمبادئ وقيم عليا عامة وذات طابع أخلاقي وإنساني قابلة للمراجعة، ومطروحة للنقاش العام. كما ان هذه الأحزاب في الغرب لا تستند مطلقًا إلى مرجعيات مقدسة لها القول الفصل في كل شيء تقريبًا، بدءًا من الحياة الفردية الخاصة، وصولا إلى الخيارات السياسية والاقتصادية كما أنها لا تحيل إلى هذه المرجعيات في كل خطوة وقانون، بما يفقد الديمقراطية التمثيلية أي معنى، لأن الشعب في هذه الحالة يكون غائبا مغيبا، يسرق منه صوته ليحول الى صوت واحد وحيد. ولذلك فإن أي محاولة للبحث عن تشابه بين تلك الأحزاب والأحزاب «الطائفية» عندنا لا تستقيم مع الواقع. كما أن الجمعيات والجماعات الدينية الطائفية لن تكون قادرة على الالتزام بمدنية الدولة، وبفصل الأحزاب عن المرجعيات الدينية، وعن سلطتها المطلقة وعن تصنيف المواطنين بناء على مذاهبهم وأديانهم وإيمانهم.

همس
«الطائفية نقيض للحرية عندما تحصرها في إطار الطائفة، وهي نقيض للوحدة الوطنية، لأنها تلغي الانتماء إلى الوطن، وعندما تلغي (المواطنة)، باعتبارها أساس الوحدة الوطنية وقاعدة الانتماء».
وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها