النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أم كلثوم... رحلة حب بين الأجيال

رابط مختصر
العدد 10380 السبت 9 سبتمبر 2017 الموافق 18 ذو الحجة 1438

عندما كتبت الجزء الأول عن سيدة الغناء العربي لم أكن أدري كم هذه الرسائل التي تلقيتها رغم أنني كتبت كثيرًا عنها، فأنا من عشاق صوتها وفنها، هذا الفن الذي يشمل الإلقاء والكلمة واللحن، فكل عنصر كفيل بأن يصنع فنانًا في حد ذاته، مما يجعل من أم كلثوم أكثر من مطربة أحبها العرب، فهي الإنسانة المحبة لوطنها، المثقفة، المعطاءة، التي لم تبخل بثروتها لمصر بعد نكسة 1967، فكانت مثالاً للسيدة الوطنية التي لم تنجبها مصر حتى الآن.
تحدثت في المرة الماضية عن روائع وسيمفونيات أم كلثوم وكيف تعلمنا منها دروسًا في الحب، من كثرة أغانيها عن الحب العذري، فكنا نكتب كلماتها ونحفظها عن ظهر قلب، ويا ليتنا حفظنا دروسنا كما حفظنا أغاني هذه السيدة العملاقة، سيدة تركت لنا معينًا لن ينضب من العاطفة والحنان والشجن والحزن والحب.
ومن الحديث عن جماليات صوت أم كلثوم، وكيف أبدعت مع المؤلفين والملحنين الذين تعاونت معهم، الى حديث الآخرين عنها، فهي كانت تبهر كل ما يلتقي بها، على كل المستويات، ملوكًا، رؤساء، عمالقة موسيقى عالميين.
ويكفي أم كلثوم أنها كانت مادة ثرية لعشرات الكتب المصرية والعربية والأجنبية، ومن بين هذه الكتب ما نكتشف منه كم الحب الذي ربطها بجمهورها حتى الذي لم يفهم العربية، ولكنه جمهور ذوَّاق للفن، يستطيع فهم وإدراك ما يقال أمامه من نبرة الصوت وقوتها وخفوتها، مثلما يتناوب الليل والنهار، الشمس والقمر، فقد امتلكت أم كلثوم مزايا تنويع الصوت، حتى تصل لأقوى مرحلة منه في مقطع معين، مما كان يلهب جمهورها ويجعلهم ينتفضون من مقاعدهم، وكان بقدرتها ترديد المقطع الواحد بأكثر من طريقة وإلقاء ونغمة صوتية، كل نغمة فيها أروع من التي سبقتها.
نعود لكتاب مهم كتب عن سيدة الغناء العربي وقد وضعها في مصاف معجزة الشرق، بعنوان «أم كلثوم - كوكب الشرق» مع مقدمتين، الأولى كتبها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في واقعة نادرة منه، ولَمِ لا؟ فهي عن أم كلثوم وليس شخصًا آخر. استلهم مبارك مقدمته من الواقع الذي عايشه مع أم كلثوم فكتب يقول: «لن يخفت صوت أم كلثوم أبدًا»، ليربط بذلك أرقام مبيعات تسجيلاتها وعدد ساعات تقديم أغانيها في الإذاعة المسموعة والمرئية لم تتوقف عند حد، بل ظلت تتصاعد وتتفوق على غيرها. ولم يظن مبارك على أم كلثوم، إذ وصفها بـ «الفنانة العظيمة التي تجاوزت دورها كمطربة لتكون سفيرة للفن ولمصر، وهي الإنسانة التي مازالت هامتها المهيبة ترتفع في العالم العربي كله، بل في عالم الثقافة، فذكراها باقية في كل مكان».
أما المقدمة الثانية فقد كتبها الفنان الراحل عمر الشريف، لتخرج منه الكلمات مبدعة في وصف قيمة أم كلثوم العظيمة: «تعود أم كلثوم مع طلعة كل شمس الى الحياة من جديد في قلوب مائة وعشرين مليون إنسان»، ثم يستكمل وصفه الرقيق: «وبدون صوتها تبهت الأيام في الشرق وتشحب ألوانها.. إن مكانها مازال شاغرًا، وهامتها لم يطالها أحد حتى يومنا هذا».
تجسد مؤلفة الكتاب إيزابيل بوديس عن «معجزة الشرق»، كيف استقبلها جمهورها وهي تغني على مسرح الأولمبيا أكبر مسارح عاصمة النور باريس، فقال لها مدير المسرح وهو يستقبلها في المطار مع جماهير حاشدة من العرب والفرنسيين: «فرنسا تنتظرك بفارغ الصبر، والإذاعات جميعها ضبطت موجاتها لإذاعة الحفل، لقد سلبت عقول المستمعين، وهم يطلبون أغنية الأطلال، والطائرات تصل إلى مطار باريس حاملة كبار القوم من الدول العربية.. غناؤك هنا يا سيدتي حدث تاريخى». ورغم أن أم كلثوم لم تدخل المدارس وقتها، إلا أن رسالتها للرئيس الفرنسي شارل ديجول تبين لنا مدى ثقافتها القديرة، فكتبت له باريس بلغة فرنسية راقية تعلمتها من شاعرها المفضل أحمد رامي: «سيادة الرئيس..أحيي سعيكم الدءوب لنشر العدالة والسلام».
وكان يوم حفلتها على مسرح أولمبيا يومًا مشهودًا لم ولن ينساه العرب والفرنسيون، فقد رجت المسرح وهي تغني قصيدة الأطلال من نظم الشاعر إبراهيم ناجي وتلحين رياض السنباطي، خاصة وهي تكرر مقطع «أعطني حريتي أطلق يديا» حتى التهبت الأكف من التصفيق، وتتراكم باقات الأزهار على المسراح، في لحظة تاريخية لم تكن لتمر سوى بين أم كلثوم وجمهورها.
المفاجأة أنه ليس العرب وحدهم الذين احتفلوا بأم كلثوم في باريس واستمعوا لرائعتها «الأطلال»، ولكن هل تدرون أن الرئيس الفرنسي شارل ديجول استمع هو الآخر لمعجزة الشرق من خلال الحفلات المذاعة، ولم تترك أم كلثوم باريس إلا وكانت مستلمة برقية إعجاب من الرئيس الفرنسي يصف صوتها بقوله: «أحسست في صوتك ارتعاشة قلبك وقلوب كل الفرنسيين».
 
وقد وصفت مجلة «لايف» الأمريكية المعنية بشؤون الفنانين والفن والنجوم، منطقة الشرق الأوسط ليلة الخميس الأول من كل شهر حينما اعتادت أن تغني أم كلثوم لجمهورها في هذا الموعد المحدد، حيث تخلو الشوارع في القاهرة المركز وكل ما حولها من عواصم عربية، من الدار البيضاء مرورًا بتونس والجزائر وليبيا، مرورًا ببيروت ودمشق والخرطوم والرياض والمنامة ومسقط وأبو ظبي ودمشق وبغداد والخرطوم. لماذا تخلو الشوارع العربية؟.. لأن كل العرب عادوا الى منازلهم مبكرًا لينصتوا إلى إذاعة مصر يستمعون إلى أم كلثوم.
وثمة جملة رائعة ذكرتها مجلة «لايف» عندما ذكرت في وصف أم كلثوم: «هناك شيئان ثابتان لا يتزحزحان في الشرق الأوسط (أم كلثوم والأهرامات)».
وعندما تحدث موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عن رأيه في صوت أم كلثوم ووصفه بأنه عبارة عن مجموعة أصوات نادرة في الكون، لم يبالغ في كلامه، لأن الموسيقي الأمريكي بوب ديلان الفائز بجائزة نوبل للآداب كشف أمرًا مهمًا، فهو من أشد المعجبين بكوكب الشرق أم كلثوم، ولا يسأل عن رأيه في الأغنية العربية إلا وتكون إجابته واحدة وهي أم كلثوم. تعرف بوب ديلان على صوت سيدة الغناء العربي أثناء زيارته للقدس 1978، عندما استمع وهو يسير في البلدة القديمة لغنائها وحينما سأل: «من هذه التي تغني بهذا الصوت الجميل؟». جاوبوه مرافقوه بأنها كوكب الشرق أم كلثوم، ورأى فيها أفضل من يغني في الشرق الأوسط، وتعرف على قصتها منذ أن كانت تنشد الابتهالات الدينية مع والدها في بلدتها بمدينة المنصورة، فهي «فنانة عظيمة.. حقًا عظيمة».
المثير أن بوب ديلان سمع عن أم كلثوم أول مرة عام 1969 عندما التقى المطربة اليونانية ذائعة الصيت نانا مساكوري أثناء رحلتها لنيويورك لتسجيل ألبوم «أغنيات بنت من اليونان» بعد حفلة لها في المدينة الأمريكية وسألتها: من هو مطربك المفضل؟ لم تنتظر حتى انتهاء سؤاله فردت على الفور: «أم كلثوم». وهنا كانت اول مرة يسمع بوب ديلان عن أم كلثوم، ومن من؟ من أشهر مطربة في العالم آنذاك، وبحسب طويكيبيديا أكثر مطربة مبيعًا لأسطواناتها في التاريخ بـ 4.4 مليار نسخة على 5 عقود. ولم تنقطع علاقة بوب ديلان بأم كلثوم منذاك الوقت، ونشر مؤخرًا تسجيلاً صوتيًا وصف فيه حبه الكبير لسيدة الغناء العربي والأثر العميق الذي تركته الراحلة في نفوس الجماهير التي شيعتها وطافت بها شوارع القاهرة لمدة 3 ساعات، ورغم مضي سنوات طويلة على رحيلها إلا أنها مازالت الأكثر حضورًا وتميزًا، على حد وصفه.
حكايات أم كلثوم كثيرة وتملأ مجلدات ومنها لقائها الأول مع الشاعر السعودي الكبير الاميرعبد الله الفيصل، فقد غنت له قصيدة «ثورة الشك» بحديقة الأزبكية بالقاهرة في الرابع من ديسمبر 1958، وتعد من أروع ما غنته من قصائد درامية متكاملة العناصر الفنية حيث صورت الكلمات الجحيم والنعيم في الشك، وتقول فيها:
أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك وأنت مني
 يقول الناس إنك خنت عهدي
ولم تحفظ هوايا ولم تصني
وتعد «ثورة الشك» نقطة تحول مهمة في مسيرة أم كلثوم مع القصائد، وكانت المرة الأولى التي تغني فيها لشاعر عربي غني له بعدها أشهر المطربين العرب. واعترفت أم كلثوم باعتزازها الكبير بعبد الله الفيصل، خاصة وأنهما اتفقا على تغيير عنوان القصيدة «من وحي الحرمان» الى «ثورة الشك» فيما تم الإعداد لها أكثر من عامين، لتغني له في وقت لاحق – عام 1971 أغنية «من أجل عينيك عشقت الهوى»:
من أجل عينيك عشقت الهوى /‏ بعد زمان كنت فيه الخلى /‏ وأصبحت عيني بعد الكرى /‏ تقول: للتسهيد لا ترحل /‏ يا فاتنا لولاه ما هزني وجد /‏ ولا طعم الهوى طاب لي /‏ هذا فؤاي فامتلك آمره أظلمه أن أحببت أو فاعدل.
 من بريق الوجد في عينيك اشعلت حنيني /‏ وعلى دربك أني رحت أرسلت عيوني /‏ الرؤى حولي غامت بين شكي ويقيني /‏ والمنى ترقص في قلبي على لحن شجوني /‏ أستشف الوجد في صوتك آهات دفينة /‏ يتوارى بين أنفاسك كي لا أستبين /‏ لست أدري أهو الحب الذي خفت شجونه /‏ أم تخوفت من اللوم فآثرت السكينة
لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة ترضي بما يقدم لها من كلمات، بالإضافة الى مستشاريها وهم كثر، فكانت آذانها خير مستشار لها، وقلبها دليلها في كلماتها، وفي رائعتها «رباعيات الخيام» التي ترجمها عن الفارسية أحمد رامي، بلغت أم كلثوم قمة الإمتاع، خاصة في ترديدها بعض المقاطع التي انتفض الجمهور وهو يسمعها، حتى أن بدايتها لم تقل روعة عن نهايتها، وكانت مثل «ثورة الشك» عبارة عن قصة شعرية تحمل دراما حب وحنان، وننقل عنها بتصرف:
سمعت صوتًا هاتفًا في السحر
نادى من الغيب غفاة البشر
هبوا املأوا كأس المنى قبل أن
تملأ كأس العمر كف القدر
لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا بآت العيش قبل الأوان
وأغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع الليالي الأمان
القلب قد أضناه عشق الجمال
والصدر قد ضاق بما لا يقال
يا رب هل يرضيك هذا الظمأ
والماء ينساب أمامي زلال
أولى بهذا القلب أن يخفق
وفي ضرام الحب أن يحرق
فما أطال النوم عمرا ولا
قصر في الأعمار طول السهر
اتسم أداء أم كلثوم بالتنوع والتحول، فكانت تغني الشعر والقصائد، ومن الكلمات الصعبة لـ «رباعيات الخيام» تنتقل الى السهل الممتنع في «ألف ليلة وليلة» لمرسي جميل عزيز، هذا الشاعر الذي نجحت كل أغانيه، وكان من أغزر الشعراء عطاءً لجميع مطربي عصره، واكشتفته أم كلثوم لتبدع معه في «ألف ليلة وليلة»، ومن السهل المقارنة بين صعوبة «ثورة الشك» و«رباعيات الخيام» وبين اللغة السهلة في «ألف ليلة وليلة» التي تركز على الحب في ليلة واحدة، ليلة من أحب لياليها، حتى أنها تخشى شروق الشمس لكيلا تذهب العواطف الجياشة:
يا حبيبي.. الليل وسماه..
ونجومه وقمره.. قمره وسهره
وإنت وأنا.. يا حبيبي أنا.. يا حياتي أنا..
كلنا.. كلنا.. في الحب سوا..
والهوى آه من الهوى
سهران الهوى يسقينا الهنا.. ويقول بالهنا.. يا حبيبي
يللي نعيش في عيون الليل
ونقول للشمس تعالي تعالي بعد سنه.. مش قبل سنه
دي ليلة حب حلوه بألف ليله وليله..
بكل العمر.. هو العمر إيه غير ليله زي الليله.
إنها كوكب الشرق، ومعجزة الشرق، وسيدة الغناء العربي، التي حملت لنا أطيب الكلمات وأعذبها، وكانت بين الأجيال همزة الوصل نسيجًا نادرًا لا يجود به الدهر، ليبقي صوتها وفنها تراثًا خالدًا نتغني به جميعًا. ونختم بوصف الدكتور طه حسين لصوتها: «صوت نادر في امتيازه وجماله وسلامة نطق اللغة العربية، أثبتت جمال اللغة وطواعية موسيقاها، عندما غنت القصائد، وكان لصوت أم كلثوم الفضل في انتشار الشعر العربي على ألسنة العامة والخاصة». ومن طه حسين الى رسالتي الخاصة الى كل العشاق والمحبين، العودة الى أم كلثوم، واكتفي هنا بـ «أمل حياتي» و«أنت الحب».
كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها