النسخة الورقية
العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

التهريج باسم التمثيل

رابط مختصر
العدد 10377 الأربعاء 6 سبتمبر 2017 الموافق 15 ذو الحجة 1438

 لم أكن لأعود إلى الكتابة مرة أخرى متناولاً حلقات «شللي يصير»، هذه الحلقات التي سخرها الممثل غانم السليطي لدعاية سمجة يبيض بها تفحم صفحات الممارسة السياسية اليومية للحكومة القطرية في البلدان العربية عمومًا وفي دول منتقاة في دول مجلس التعاون بشكل خاص، لا لشيء إلا لأنني تناولتها في مقال سابق، ولا تستحق هذه الحلقات من حيث المضمون ولا من حيث الشكل أن يعاد الحديث عنها وفيها، لولا أن جرني إلى ذلك غانم السليطي نفسه عندما انبرى يرد على وجهة نظر الفنان الإماراتي حبيب غلوم حول هذه الحلقات التي تتناول بشيء من السفه العلاقات بين دول مجلس التعاون، وخصوصًا في تلك الحلقة التي كان بها شيء من التطاول واللاحشيمة، وقلة الأدب على القيادات السياسية في بلدان مجلس التعاون.
 وما يُلفت في هذا الرد أن السليطي لم يرد على حبيب غلوم إلا في الجزئية المتعلقة باتهامه إياه بالارتزاق، بحسب وصف السليطي، وسكت تمامًا عن نقده للعمل الفني. وأعتقد أنه يفتقر حيلة الرد لأن «شللي يصير» عمل مشين كيفما قلبته، ومهزلة إعلامية بلغت في سلّم السقوط الفني والأخلاقي أعلى الدرجات. في رد السليطي على الجزئية المتعلقة بالارتزاق لم يكن صعبًا وضع اليد على مكامن التناقض في حديثه، حيث كان يشيد بحكام الإمارات وحكام دول مجلس التعاون جميعًا، وهم أهل لهذه الإشادة، لكن ذلك جاء على عكس ما تضمنته الحلقة من «شللي يصير»، وهي الحلقة التي حركت النوازع الوطنية لدى الفنان حبيب غلوم ليدلي بدلوه دفاعًا عن حكام الإمارات وحكام دول مجلس التعاون جميعهم.
 وأنا أتحضر لكتابة هذا المقال تداعت إلى الذاكرة بعض من صور صداقات الطفولة، ومنها إنه كان لي في تلك الفترة صديقان، الأول اسمه محمد وقد انتهى إلى قدره في الحياة ولا أعرف حقيقة إلى أين انتهى، والآخر اسمه سبت. سبت هذا أعرف أن اسمه لمع في فترة الشباب مطربًا متخصصًا في فن الصوت لا يُشق له غبار ثم اعتزل واختفى. كانت تربط الاثنين في فترة الطفولة عندما كانا يبلغان من العمر تسعًا أو عشرًا من السنوات علاقة صداقة وطيدة، وقد برعا في أداء أدوار تمثيلية كانت في مجملها تهريجية على ذات النهج الذي يوجه فيه هذه الأيام القطري غانم السليطي من خلال حلقات تمثيلية دعائية يراد بها عبثًا تزيين الفعل القطري المشوه. كان الصديقان فيما يؤديانه مجيدين فعلًا من حيث تقمصهما مواقف لشخصيات مجتمعية يستطيبها المستمع ويضحك لها ملء شدقيه. ولكن أداؤهما التمثيلي ظل في إطار الإضحاك البريء ولا يرتجى منه أكثر من ذلك.
 أتذكر بالخير دومًا وأبدًا هذين الصديقين عندما كانا يقلدان الشخصيات الكارتونية التي كانت تعرض في تلفزيون الظهران، وقد تضاعفت وتيرة تذكري لهما عندما شاهدت الممثل القطري غانم السليطي الذي بدا وهو يمثل حلقات مسلسله الذي أسماه «شللي يصير»، وصرت حقيقة أستدعي من الذاكرة بعضًا من المواقف التمثيلية التي كانا يؤديانها، وصرت أقارن بما تبقى لي في الذاكرة من تلك المشاهد التمثيلية للصديقين بين ما كانا يصنعان ببراءة الأطفال وما يطرحه غانم في حلقات «شللي يصير»، بعد هذا الشوط الطويل من الممارسة التمثيلية، لأجد بأن صديقي الطفولة لم يكونا أمانة أكثر براعة في تقمص دور المهرج من غانم الذي جند نفسه دفاعًا عن الباطل وتزيينًا شاحبًا بلا روح لسياسة خرقاء قادت إلى ركام من الخراب والفتن حيثما حلت، ولكنهما إحقاقًا للحق كانا أكثر منه صدقًا في التعبير عما يتقمصان من أدوار.
 من يشاهد الممثل غانم السليطي  في«شللي يصير» لا يمكن البتة أن يستنتج أن الممثل صادقًا في صرخته بالسؤال «شللي يصير» كما يوحي بذلك اسم الحلقات، بل يدرك بسرعة أنه جاء بقصد ليزيد النار اشتعالًا. جاء ليعبر عن وجهة نظر الحكومة القطرية، ولأكون أكثر تحديدًا أقول بأنه جيء به ليعبر عن وجهة نظر تنظيم الحمدين التي تعرضها وسائل الإعلام القطرية ومنها سيئة السمعة والصيت القناة الأفاقة، قناة «الجزيرة». نقول ذلك مع يقيننا أن الممثل غانم السليطي كان له أن يكون أكثر صدقًا في التعبير عن نفسه لو اجتهد أكثر في البحث عن عنوان أكثر مناسبة لهذه الحلقات يتناغم مع المحتوى الهزيل الذي تتضمنه «شللي يصير» حلقات جهزت وأُنتجت خصيصًا لتروج لعدائية فجة من خلال كوميديا رخيصة المستهدف فيها بشكل أساسي المواطن القطري؛ ذلك أن دعاية فجة كهذه يقوم فيها هذا الممثل البائس بدور المحرض لا أخالها تضحك إخوتنا في قطر، ولا تنطلي عليهم كما لم تنطلِ على مواطني مجلس التعاون، وقد كان ذلك جليًا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتي تداولت هذه الحلقات مصحوبة بتعليقات لاذعة أطاحت بسمعة غانم السليطي التمثليلية.
 «شللي يصير» لا يرقى لأن يكون حاملًا لسؤال مفتوح على معالجة فنية ملحة مطلوبة لعلاقة سياسية بين أطراف تضمها ثوابت تتردى باضطراد حتى لو أوحى لك الاسم بذلك. إنه عمل تمثيلي يُظهر فيه غانم قدرات فائقة على التهريج والاستخفاف بعقول القطريين قبل غيرهم من أبناء الخليج؛ لأن الحقائق المؤلمة التي انكشفت جعلت أبناء الخليج، في ظني، على علم بحقيقة العبث الذي يجري بتدبير من أيادي حكام قطر منذ انقلاب حمد بن خليفة على أبيه في عام 1995. فالذي يحصل الآن و«يصير» هو ارتماء إرادي مدروس للتيار الذي يمثله حمد بن خليفة بين أحضان إيران التي تمثل دون منازع ألد أعداء دول مجلس التعاون، ومحاولة بائسة لإنعاش التيار الذي يمثله الأخوان المسلمون والذي ارتأى فيه الحمدان مطية إيديولوجية لبسط هيمنة موهومة على سائر البلدان العربية. ما يجري أيامنا هذه و«يصير» افتضح فيه أمر تآمر الحمدين من خلال التسجيلات والوثائق التي تدين الحكومة القطرية في الاعتداء البائن والمستتر على دول خليجية بعينها وغيرها من الدول العربية. السؤال «شللي يصير» الذي تحمله الحلقات لا معنى أخلاقي له في كل ما يطرحه غانم السليطي، إذا لم يلتزم حدًا أدنى من الصدق يجعله يلتفت إلى ما دبره عبث الحمدين بروابط الدم والأرض والتاريخ بشعب أرادا اجتثاثه من جذوره وإرغامه على أن يكون اخوانجيًا لا ولاء له إلا للمرشد.
 إذا كان لحلقات «شللي يصير» من تأثير على متابعينه في دول مجلس التعاون فإنها قد أسهمت في وضع خط فاصل يمكن لهؤلاء المتابعين أن يقيموا الفنان غانم السليطي وفقها، فغانم السليطي فنان وممثل قبل حلقات «شللي يصير»، ومهرج بعدها. وشتان بين الوصفين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها