النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

عندما غادر يوسف إدريس السجن إلى قصر عابدين!

رابط مختصر
العدد 10375 الإثنين 4 سبتمبر 2017 الموافق 13 ذو الحجة 1438

لم يكن «يوسف إدريس» - الذي تمر هذه الأيام الذكرى السادسة والعشرين لرحيله عن الدنيا في أول أغسطس من عام 1991 - فحسب واحدًا من ألمع الكُتاب العرب، الذين جمعوا بين كتابة القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال السياسي والاجتماعي، بل كان - كذلك - أحد الأدباء الذين مارسوا العمل السياسي المباشر في مطلع شبابهم. حدث ذلك في أربعينيات القرن الماضي، حين انضم أثناء دراسته للطب إلى «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني» - التي عرفت اختصارًا بـ«حديتو» - وهي واحدة من أكبر التنظميات السرية الماركسية التي عرفتها مصر آنذاك، وأكثرها جماهيرية، قبل أن يكف عن العمل السياسي المباشر، ويتفرغ في منتصف الخمسينات للأدب، ويحفر اسمه في تاريخه، كأحد المجددين العظام للقصة القصيرة والمسرحية والرواية في الأدب العربي.
تلك تجربة استوحى «يوسف إدريس» منها، عددا من أعماله الروائية والقصصية، كان من بينها أول رواياته وهي «قصة حب»، التي كتبها عام 1957، وتحولت إلى فيلم سينمائي باسم «لا وقت للحب»، قامت ببطولته «فاتن حمامة» أمام «رشدي أباظة» وأخرجه «صلاح أبو سيف» وهي رواية تدور أحداثها حول علاقة عاطفية جمعت بين مناضل يشترك في تنظيم حركة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال في أعقاب إلغاء معاهدة 1936، وبين فتاة تعرف عليها صدفة، وعاونته على الاختفاء من مطاردات الشرطة ومواصلة نشاطه، وكان من بينها - كذلك - رواية «البيضاء» التي كتبها عام 1960، وتدور أحداثها حول علاقة حب مماثلة جمعت بين شاب مصري وفتاة أجنبية، ينتميان إلى أحد التنظيمات اليسارية السرية.. وفضلا عن قصص وروايات أخرى استوحاها «يوسف إدريس» من تجربته السياسية، منها «جمهورية فرحات» و«العسكري الأسود» ومسرحية «اللحظة الحرجة».. إلخ، فقد ازدحم عالمه الروائي بنماذج بشرية، تنتمي للطبقات الشعبية والمهمشة، من بينها العمال الزراعيين في «الحرام» و«خدم المنازل» في «قاع المدينة».
ولا أحد يعرف على وجه التحديد المبرر الذي دفع «يوسف إدريس» للتوقف عن العمل السياسي المباشر لكي يتفرغ للأدب في منتصف خمسينات القرن الماضي، غير أنه لم يكن الوحيد من بين الأدباء والفنانين الأعضاء في تنظيم «حديتو» الذين انسحبوا من العمل السياسي خلال تلك الفترة، كان من بينهم «عبد الرحمن الخميسي» و«عبدالله الطوخي»، وقد يعود السبب في ذلك إلى أن التنظيم كان يعاني آنذاك، من آثار انشقاق وقع داخل قياداته وقواعده حول الموقف من ثورة 23 يوليو 1952، بين جناح يتمسك بموقف «حديتو» المؤيد للثورة منذ قيامها، باعتبارها ثورة وطنية معادية للاستعمار والإقطاع يقودها فريق من الضباط الوطنيين، وبين جناح تأثر بالموقف المتشدد الذي كانت تأخذه فصائل أخرى من الحركة الشيوعية المصرية والعربية، يطالب بتغيير الخط السياسي للتنظيم، بعد أن ثبت له أن هذه الثورة هي مجرد انقلاب عسكري لا يختلف عن أمثاله من الانقلابات العسكرية الديكتاتورية التي وقعت في أمريكا اللاتينية، بتدبير من المخابرات الأمريكية وأسفرت عن أنظمة عميلة لها.. وهو اتجاه عدل أصحابه عنه بعد ذلك بقليل سواء كانوا ممن تبنوه داخل حديتو أو كانوا يتبعونه داخل التنظيمات المتشددة الأخرى.
وكان «يوسف إدريس» من بين أعضاء «حديتو» الذين اعتقلوا آنذاك في واحدة من الحملات التي كانت تشنها السلطة الثورية ضد الشيوعيين دون تفرقة بين أعضائها الذين يتمسكون بأن ثورة يوليو هي ثورة وطنية مقاومة للاستعمار، وبين الذين يؤكدون أنها مجرد ديكتاتورية عسكرية عميلة للمخابرات الأمريكية. حين شاءت الظروف أن يقع مجلس قيادة الثورة في مأزق، أجبره على أن ينقله وثلاثة من زملائه، من المعتقل إلى قصر عابدين، لكي يلتقوا بأحد ألمع أعضاء المجلس، وأكثرهم نفوذا في ذلك الحين، هو الصاغ (الرائد) «صلاح سالم» وزير الإرشاد القومي، وهي الوزارة التي تغير اسمها إلى «الإعلام» فيما بعد.
وكانت العلاقات المصرية - السودانية أحد الملفات الكثيرة التي يتولاها «صلاح سالم» قد وصلت إلى مأزق حاد.. فقد وقعت مصر مع بريطانيا - في يناير 1953 - اتفاقية تقضي بتجديد فترة انتقال مدتها ثلاث سنوات، يؤهل خلالها السودانيون لتقرير مصيرهم، ويجري في نهايتها استفتاء شعبي يخيرهم بين الاستقلال وبين الوحدة مع مصر.. ومع أن صلاح سالم بذل مجهودًا ضخمًا، مكّنه - في البداية - من حشد جبهة من الأحزاب السودانية حول ميثاق يضمن تصويتها في الاستفتاء لصالح الوحدة مع مصر، إلا أن هذه الجبهة سرعان ما انهارت، بسبب الخلاف بين أعضاء مجلس قياد الثورة وبين اللواء «محمد نجيب»، الذي كان السودانيون يعتبرونه نصف سوداني، أسفر عن عزله عن رئاسة الجمهورية، مما أثار شكوك هذه الأحزاب وتخوفاتها من الوحدة مع مصر فتعددت الشواهد على أنها سوف تقف مع الاستقلال ضد الوحدة.
وسط هذه الأزمة، لم يجد «صلاح سالم» مفرًّا من الاتصال بالحزب الشيوعي السوداني، الذي كان يتخذ موقعا متوازنا نسبيا من الوحدة مع مصر وتتراوح داخله الآراء بين الذين يؤيدون الوحدة.. والذين يتحمسون للاستقلال.. والذين يطالبون بحل ثالث، وعندما عرف بأن الحزب كان في الأصل قسمان من أقسام «حديتو» قبل أن يستقل بتنظيمه، وأن قادته درسوا في جامعة القاهرة فكر في أن يستعين بأعضاء «حديتو» المعتقلين، عرض الأمر على مجلس قيادة الثورة، فأذنوا له بالإفراج عن بعضهم، لكي يقوموا بإقناع زملائهم في الحزب الشيوعي السوداني، بالتدخل لإنقاذ الوحدة بين مصر والسودان!
وهكذا وجد «يوسف إدريس» نفسه يغادر - في أول سبتمبر عام 1955 - المعتقل تحت الحراسة المشددة بصحبة ثلاثة آخرين من زملائه أعضاء حديتو، تصادف أنهم كانوا مثله من الأدباء والفنانين، هم الروائي إبراهيم عبد الحليم، والصحفي فتحي خليل وفنان الكاريكاتير زهدي العدوي، لتقف بهم السيارة أمام قصر عابدين، ويستقبلهم صلاح سالم في مدخل مكتبه بترحاب، وعلى امتداد ثلاث ساعات حاول أن يقنعهم بأن المشكلة بين الشيوعيين ومجلس قيادة الثورة، على وشك الانتهاء، وأن الإفراج عن المعتقلين منهم سوف يتم خلال اشهر قليلة، وأن السياسة المصرية - بعد مؤتمر باندونج - تتجه إلى الحياد الإيجابي، ورفض الأحلاف، وأنه يطلب إليهم في كل الأحوال أن يفرقوا بين موقف مجلس قيادة الثورة منهم، وبين قضية وطنية تتعلق بشعار ورثته الحركة الوطنية عن ثورة 1919 وهو شعار الوحدة بين مصر والسودان، وأن يسعوا لإقناع الحزب الشيوعي السوداني بأن يسعى لإنقاذ الوحدة!
وطلب الأربعة مهلة أسبوعًا يعرضون فيه، الأمر على قيادة «حديتو» الذين لم تطلهم الاعتقالات.. يعودون إليه بعدها.
وفي الموعد المحدد نشرت الصحف خبر استقالة «صلاح سالم» من كل مناصبه.. فلم يعودوا إليه.. ولم يعودوا إلى السجن.. ولم يعد «يوسف إدريس» بعدها لا إلى السجن ولا إلى «حديتو».


ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها