النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حول الإصلاح السياسي (1ـ2) من أجل تطوير تجربتنا الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10375 الإثنين 4 سبتمبر 2017 الموافق 13 ذو الحجة 1438

يندرج المشروع السياسي الإصلاحي لجلالة الملك المفدى - من حيث الرؤية والتنفيذ - في إطار حركة عميقة الجذور في التاريخ المعاصر للملكة، اتصالا بشعارات الإصلاح والديمقراطية والمشاركة. إلا أن عملية الإصلاح التي بدأت طلائعها السياسية مع بداية الألفية الثالثة وقادها جلالة الملك المفدى، قد نهضت على أساس بناء التوازنات في مجتمع معقد التكوين متنوع البنية والرؤى. لا تستقيم فيه الأمور إلا عبر بناء التوافقات الوطنية الضرورية بين الأطراف المشكلة للمجتمع السياسي، ضمن رؤية تقوم على التدرج في بناء الحياة السياسية. ولذلك مثل هذا المشروع الإصلاحي أحد مصادر الاستقرار السياسي والاجتماعي التي ساعدت على الانقطاع للعمل التنموي، وتحقيق قدر مهم من الاستقرار والازدهار، تترجمه بوضوح مؤشرات التنمية في التقارير الدولية، خاصة خلال الفترة من 2002 وحتى 2011م.
وكان من بين العناصر التي يسرت استشراف تطور المجتمع الذي يتسم التعدد والتنوع والانفتاح، ويتزايد فيه إسهام الفرد في الجهد الوطني. مجتمع توفر فيه شبكات الاتصال الحديثة فضاءات جديدة للحوار وتبادل الرأي. مجتمع أكثر استعدادًا لتقبل البناء الديمقراطي، وأشد حرصا على تكريسه ودعمه وحمايته. ولذلك لم يكن التحول طفرة خارج السياق في صيرورة المجتمع وتاريخه. بل كان أقرب إلى التحولات التاريخية التي تداخلت فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويعتبر التطور الذي أحدثه المشروع تغييرًا هادئًا متبصّرًا. بما أثبته من قدرة على إدخال الإصلاحات وفق جدول زمني يراعي الخصوصيات الوطنية، وحدود إمكانيات الواقع المحلي والإقليمي، بما يقي الوطن من مخاطر القفز في المجهول. وباختصار كان المشروع استجابة لنداء الواجب الوطني واستنهاض طاقة أبناء البحرين في البناء والتجديد. فنزع فتيل أزمة التسعينات، بالإعلان عن الدخول في مرحلة جديدة قوامها الديمقراطية والمشاركة فشكل ميثاق العمل الوطني أبرز ملامح هذا المشروع وآلية الانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر تطورًا. لقد كان المشروع مدركًا لما تحمله التحولات الدولية والإقليمية من انعكاسات وتحديات، بالإضافة إلى استحقاقات الواقع المحلي وضغوطاته وتطلعاته نحو حياة أفضل. واختار بذلك الانخراط في المستقبل بإرساء مشروع يحتضن الجميع، ويشارك فيه الجميع. بما يكفل الاستقرار والتقدم، بإرساء قواعد الممارسة في جميع الميادين التي تناولها الإصلاح، وعيًا بما يتيحه تطور المجتمعات وتسارع التقدم العلمي والتكنولوجي من إغراءات ومزالق.
لقد كانت التعددية السياسية أحد أهم أوجه الإصلاح السياسي، مع بداية الإعلان عن المشروع الإصلاحي، فاعتمدها كتأكيد على جدارة الشعب بحياة سياسية ديمقراطية تعتمد تعددية الجمعيات السياسية والتنظيمات الشعبية. كما أحاط ممارستها بجملة من الضوابط والقواعد التي من شأنها ضمان أسباب النجاح. إلا أن التحدي الذي واجه هذا المشروع هو كيف تكون التعددية السياسية المكرسة حزبيًّا حصنًا منيعًا يحول دون توظيفها للإساءة للدولة وللمنجزات التي تحققت، أو للإساءة للوحدة الوطنية وثوابتها. وكان المخاوف قائمة من إمكانية تحول هذه الجمعيات السياسية إلى أحزاب دينية (طائفية)، تعتمد التعددية مدخلاً ومطية لتقويض أركان الديمقراطية وأسس الدولة المدنية، والإطاحة بركائز المجتمع. بل الأخطر من ذلك إمكانية انزلاقها في متاهة تكريس الطائفية. وهذا الآمر اقتضي حماية الديمقراطية والمسار التعددي عبر جملة من الضوابط كرست التعددية الحزبية ووفرت شروط تحقيق التعددية وضمان حقوق الجميع بتكريس قيم المواطنة والعمل السياسي المباشر الذي يقوم على برامج سياسية وليس على شعارات دينية. وتحصين التكوين المتنوع للمجتمع، والعمل على ترسيخ مفهوم المواطنة بشكل يتلازم مع تعميق مفهوم الحرية، التي لا مناص من ارتباطها بالمواطن ليصبح مواطنًا فاعلاً (مواطنًا حرًا)، واعيًا لما له من حقوق ممارسًا إياها، وعارفًا بما عليه من واجبات ومؤديها. وذلك أن المواطنة تعني بالضرورة التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والمشاركة في الحياة العامة، وصولاً إلى تأكيد ارتباط المواطنة بالهوية المشتركة والتأكيد على فكرة التجدد الدائم لمفهومه. ولكن الذي حدث في الواقع ان بعض الجمعيات السياسية -من حيث تقصد أو لا تقصد-قد تورطت بشكل أو بآخر في تكريس الطائفية السياسية، بل وأصبحت عند القوى السياسية الرئيسية المعيار الرئيسي في العمل السياسي (ترشحًا وتصويتًا، وحشدًا للأصوات في الانتخابات البرلمانية والبلدية على حد سواء)، بالمعاكسة لتوجهات ومرتكزات المشروع الإصلاحي، الذي حرص على جعل المواطنة المتساوية أساسا للحياة السياسية. حيث ذهب بعض زعماء المعارضة حتى إلى اقتراح نظام المحاصصة على الطريقة اللبنانية بديلاً عن الديمقراطية المباشرة. وبدلاً من العمل على إنجاح محاور المشروع الإصلاحي وتقديم الدعم الضروري له، عملت على التشويش على التجربة. وفضلت العمل من خلال البنية الجاهزة (السهلة) بماكنتها الإعلامية والمنبرية، وهي البنية الطائفية التي تعتبر المحرك الرئيس لتهديد السلم الأهلي والاستقرار الداخلي. والأخطر من ذلك أنها أسهمت في إغلاق آفاق التقدم والتطور بتعليق المجتمع في دوائر الانقسام والصراعات، وذلك باعتبارها نقيضا للوحدة الوطنية ولفكرة المواطنة الحرة. بما أدى في النهاية إلى تضييع جل الجهود والطاقات التي بذلت من أجل بناء مجتمع سياسي عصري ومدني قابل للتطور والنضج. فأسهمت هذه الممارسات السلبية في إرباك الوضع وإعادة ترتيب الأولويات، فأصبح حفظ أمن المجتمع ومنع الاشتباك الطائفي أولوية ومقدمًا مركزًا ومرتبة.

وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها