النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

معضلة الجزيرة وحالة تضخّم الذات (23)

رابط مختصر
العدد 10375 الإثنين 4 سبتمبر 2017 الموافق 13 ذو الحجة 1438

في أحد اللقاءات الموجودة على اليوتيوب قال مذيع الجزيرة غسان بن جدو عن نفسه «إنه رجل لا يكشف الاسرار»، وذلك من ضمن حوار طويل كيف وقع على نص مكتوب مع ادارة القناة وكان النص يشتمل على جملة تشي بضرورة «عدم كشفه اسرارًا تتعلق بالمحطة وبالبلد ثم أكد عن انهم بعد توقيعه ذلك التعهد بعدم كشف الاسرار، أنهم لم يبعثوا له بنسخة حول ذلك النص»!!
لماذا يتم توقيع تعهدات واتفاقيات بين طرفين من هذا النوع، وتؤكد على عدم «كشف الاسرار» اليس ذلك نمط جديد ومثير للتعجب بين موظفي القنوات وإدارتها؟ إلا يدعونا للتساؤلات عن ماذا ولماذا تخشي القناة من كشف لاسرارها؟ فهل فعلاً غسان بن جدو رجل في جعبته أسرار خطيرة ومهمة كونه رجل غامض ورمادي؟ لنرى كيف تقلبت وتلونت وصعد نجمها تلك الشخصية بشكل صاروخي؟
غادر طالب الآداب مقعده بعد التخرج نحو الخارج بسنوات بعد ان تعرض الى مضايقات واختلاف مع نظام الرئيس التونسي «بن علي» بل وأشار الى انه تعرّض الى تعذيب قاسٍ كقلع أظافره! هل فعلاً كان ذلك الشاب في حزب النهضة حزب الغنوشي بحاجة الى ذلك الضغط؟ فجأة أصبح بن جدو عام 1992 يعمل في معهد الدراسات الدولية في واشنطن واستلم ادارة تحرير المجلة، وبعد اشهر قليلة أسندت له وظيفة رئيس تحرير المجلة ومن ثم استقر في طهران كمراسل لهيئة الاذاعة البريطانية في أواخر عام 1995.
 كانت الجزائر المجاور يومها لبلاده منفذه الاقرب وهناك سيدخل طالب الآداب عالم الصحافة والاعلام كمراسل لصحيفة الحياة في الجزائر، حيث كانت في أوج الأزمة السياسية مع صعود جبهة الانقاذ، تنقلات سريعة من الجزائر الى واشنطن الى طهران. وفرص لا تتاح لمن هب ودب إلا لطالب الآداب التونسي متعدد المواهب. فعلاً هناك بشر محظوظون وظيفيًّا، ولكن هل يا ترى فعلاً يلعب الحظ والموهبة دومًا في ذلك، في وقت تعج الساحة بالموهوبين. حين طلبت منه ادارة القناة ان ينتقل للدوحة «طلب ان يكمل عمله كمدير لمكتب طهران وظل هناك منذ عامي 2001 حتى 2003، هل كانت طهران تستهويه سياسيًّا فعلاً للبقاء فيها أم أن هناك حافزًا آخر يستدعيه التشبث بطهران، رغم انه كان خاتميًّا ومعجبًا بالتجديد وحوار الحضارات ومشروع خاتمي، الذي كان يسعى محمد خاتمي ترويجه في العالم وإيران لكسر عزلة نظام الملالي.
ينبغي معرفة ان ثلاثة محاور تحكمت في حياة وفكر وروح غسان بن جدو وسنراها متجلية في مرحلة مؤسسته الاعلامية «شركة الميادين وقناتها» فهو لم يستطع التملص منها أو إخفاؤها، أولاً التعاطف مع السياسة الايرانية ثانيًا التعاطف مع النظام السوري وأخيرًا محور حزب الله وعلاقته بحسن نصر الله ومشروع المقاومة.
هذا الثالوث المتداخل، كان من خلال مكتب الجزيرة يروّج له إعلاميًا عبر أطروحاته وبرامجه ونوعية الشخصيات المنتقاة.  لقد حان الوقت ان يكون قريبًا لوطن زوجته وميدان مهمّاته الجديدة نعم مهماته بكل جلاء، فانتقل بكل سلاسة كمدير الى مكتب الجزيرة في بيروت، وذلك في عام 2004 لغاية تاريخ استقالته في 24 ابريل سنة 2011، سبع سنوات سمان وعجاف أمضاها بن جدو في لبنان التي يعشقها ووطنه الثاني، غير ان مراسل الجزيرة عباس ناصر، لم يكن عظمة مريحة في بلعوم بن جدو، حتى قرّر عباس ترك الجزيرة ملعبًا مفتوحًا لسطوة بن جدو.
لم تتراكب وتتوافق جينات عباس الثوري الطهراني مع جينات بن جدو الانتهازي، حيث لا تنسجم في تلك الاجواء علاقات الشد والجذب والمخاتلة بين الرئيس والمرؤوس عندها لابد من الطلاق الاخير في مكتب الجزيرة في بيروت. لم يجد بن جدو مشكلة مهنية مع القناة حتى لحظة هدوء الثورات، وهو يواصل برنامجه «حوار مفتوح». كان يدرك بن جدو لعبة تحاشي الصراعات والتجاذبات في القناة، فقد رفض مرة اخرى كما هو في طهران، ان ينتقل كمذيع للدوحة ويقدم برنامجه «حوار مفتوح» من هناك، غير انه مفضل حسب قوله «إن يكون بعيدًا عن المركز». استهوته جنوب لبنان وتحريرها عام 2000 وطهران وحرارة الاوضاع في مرحلة خاتمي. ولكن قشّة بن جدو وبعيرها كانت أحداث البحرين، حيث صرح ان احداث البحرين كانت النقطة الرئيسية التي دفعته الى اتخاذ قراره بالاستقالة، مبررًا أن الدماء التي تسيل في البحرين، نفسها، التي تسيل في ثورات عربية اخرى.  هل يا ترى كانت البحرين فعلاً قلقه الثوري؟! وهذا ما لم يتفق معه وعليه منظور وضاح بن خنفر المدير العام عن اختلاف الثورات» ووزنها الاستراتيجي«وفق تعبيره. غير ان بن جدو كان عليه ان يرضي حكومة طهران وحزب الله ويتطابق معهما في الموقف من البحرين ولكن الابطال في قناة الجزيرة كثر. ولكي يصبح بطلاً على الورق كالزملاء الاخرين في القناة، كان عليه ان يزايد مثلهم حول استقالته قائلاً: «خرجت القناة حسب زعمه عن كونها وسيلة إعلام وتحولت الى غرفة عمليات للتحريض والتعبئة»، وقد اضاف في مكان آخر لقد سقطت قناة الجزيرة سقوطًا مروّعًا. ليبدأ بن جدو بعدها مسيرة جديدة بحلة واجواء مرحلة ما بعد الربيع المحتضّر باحثًا عن «ميادين» جديدة لطواحينه الدونكيشوتية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها