النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

فلسفة الفشل

رابط مختصر
العدد 10369 الثلاثاء 29 أغسطس 2017 الموافق 7 ذو الحجة 1438

لم يعدْ ثمة شيء يراهن عليه الفكر المؤدلج، ولم يعدْ ثمة شيء يراهن عليه الفاشلون، وقد جربوا كل أشكال رهانات الانتقام والثأر.
دخلوا الى الدائرة الرمادية فاختنقوا برماد طائر الفينيق الأسطوري عندما تغلبت فكرة الانتقام والثأر على فكرة السياسة واللعبة السياسية التي متى ما اخترقها الانتقام خسرت كل شيء.
وللأسف فإن أول الخاسرين هو اليسار العربي الذي فشل مبكرًا بل فشل واصطدم بفشله في ذروة امتداد وهمية الإسلام السياسي المؤدلج الطائفي فلم يجدْ له «اليسار» وسيلة للبقاء وهو في ذبالة انهياراته سوى ركوب موجة أحزاب التأسلم الطائفي هنا والعنصري الشوفيني هناك، فضاعت الطاسة وضاع الطريق وبرزت فكرة الانتقام والتشفي والثأر على سطح مشاركاته تابعًا لذلك التيار المختلف الذي قاده الى نهايات مؤسسيه وكارثية ما كان اليسار العربي ليصلها لولا انسياقه وانحداره الى هذا الجُب العميق الذي لا مخرج منه سوى مزيدٍ من الانغماس في فكرة الانتقام.
ولأن الحزب الطائفي المتأسس أصلاً على فكرة «الثأر» شعاراً وممارسةً، فقد طغت وسيطرت فكرة الثأر من الماضي في الحاضر، وكاد الأفندي المدني أن يمتطي صهوة الثارات القديمة المستلة من كهوف الماضي وراح ينظر ويفلسف لها، فاستغله الحزب الطائفي واستثمر مدنيته وانتماءه للمذهب الآخر، وأفسح له مكانًا ليبرز فصَّدق الأكذوبة وظن نفسه زعيمًا متوجًا للربيع العربي تلك الخدعة الكبرى.
وعندما يتحوّل المشروع السياسي المدني لليسار العربي والذي كان له يوم دليل على الطريق الى فكرة انتقامية ثأرية لتبرير الفشل أو بالأدق للانتقام والثأر لفشله وعجزه وانتهاء دوره تصبح اللعبة ببقايا ذلك اليسار سهلة وبسيطة.
ولعلنا لا نحتاج فيها الى استحضار أمثلة على ذلك، فشواهد الواقع المعاش كثيرة وعديدة ولا تحتاج الى كبير عناء في البحث عنها.
فعندما شاهدنا ذلك اليساري الزعيم ينصت باهتمام بالغ الى ذلك الغوغائي الطائش ويحتضنه مودعًا بعد الهمس ليشيد بأدائه وببطولاته من فوق المنصة أحسسنا أن ثمة فراغًا بعمق المدى قد سقط فيه يسارنا الذي كان يسارًا.
ومع السقوط لم يعدْ ثمة رهانات ممكنة او محتملة، وحدهم القابضون على جمر المدنية حقيقة لا زورًا تمسكوا وعضوا بالنواجذ على مدينتهم وقاتلوا في خنادق الحقيقة ضد أوهام الانتقام وتحصنوا بالمدنية من أن تخترقهم فكرة الثارات المستحضرة من الماضي.
فالدفاع عن المدنية الحقيقية وعن الدولة المدنية لم يعدْ ترفًا بل أصبح المهمة الصعبة في زمن التراجع والاختباء خلف الثارات الطائفية العصبوية.
في أدبيات يسار الانزلاق الطائفي لم تعدْ مفردة المدنية حاضرة ذلك الحضور الجميل الذي كان لها في تلك المفردات، وحتى حقوق المرأة في قانون مدني متطور وحضاري عصري تراجع الحديث اليساري الصاخب عنها كما كان في سبعينات القرن الماضي «يلعلع» في ليل القرى والأرياف.
تلك هي فلسفة الفشل التي لا تحتاج الى فلاسفة لكنهم تكاثروا حولنا في «الربيع العربي» ثم فجأة اختفوا من المشهد وراحوا يلعقون جراحًا نازفة كانوا سببها وكانت فعلتهم وجريرتهم التي لن يعترفوا بها وحتى لن يعتذروا عنها من التاريخ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها