النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11555 الخميس 26 نوفمبر 2020 الموافق 11 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:41AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مطارحات

أي بلاء هذا البلاء! التدمير المنهجي لأسس التعايش

رابط مختصر
العدد 10368 الإثنين 28 أغسطس 2017 الموافق 6 ذو الحجة 1438

أي بلاء أكثر من هذا البلاء الذي يكتسح حياتنا؟! أي بلاء أكثر من توزيع رحمة الله وفقا للتصنيف الطائفي والعرقي؟! أي بلاء أكبر وأعظم من ان نتراشق بالدعاء على بعضنا البعض، من خلال خطاب متدن وسخيف إلى أبعد الحدود! أي بلاء أعظم من أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي- التي تقود بعض دفاتها جيوش من الجهلة والبائسين- لتشويه حياتنا وأعرافنا ولتتعدى على قيم السماحة واللطف والرحمة والاحترام والتعاطف والتعايش الكريم؟! أي بلاء أسوأ من أن يشتبك في هذا اللجاج السخيف متدني المستوى حتى من هم محسوبون على الدين السمح، فيتصدون للفتوى الشرعية، وهم لم يغادروا بعد مرحلة الأبجدية التي لا يختموا دروسها الأولية!
أي بلاء أعظم من ان تتحول الخطب والبيانات وحتى المقالات إلى خطوط نار، وينهض قسم من تلك الخطابات التدميرية بدور التفكيك والتفتيت الاجتماعي وتمزيق أسس التعايش والتضامن الإنساني. ويعمل هذا الخطاب، وبلا هوادة على تكريس وتعزيز الانقسام المجتمعي الطائفي والسياسي. بما بات ينبئ عن ظهور عوارض من انحطاط أو تدن في مستوى التخاطب، من خلال تبادل السباب والاتهامات المنحطة، والدعاء بالشر والتكفير والإخراج من الملة، باستخدام معجم البذاءة والحط من القيمة الإنسانية للأشخاص، بدلا من التوجه إلى نقد الأفكار بتجرد ونزاهة.
إن الأمر لم يعد يتعلق بالمضامين المنحطة المهيمنة على الخطابات السيارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تخضع حاليا لأي رشد أو ترشيد، بل وصل الأمر في بعض الأحيان حتى للإعلام الذي يفترض أنه خاضع للقانون والقيم المهنية، فاختلط الحابل بالنابل وأصبح المتلقي يعيش دوامة حقيقة من «البث» غير الرشيد والذي يحفر أخاديد في الذات والعقل والنفس معا.
إن تدني مستوى المضامين المنشورة في بعض الأحيان قد تجاوز الصراع أو الخصومة السياسية، ليرتبط في جانب منه بقدر كبير من الخلط والفوضى والإسفاف، في العديد من الأحيان، خصوصا عندما يكون الخطاب سجين الرؤية الفئوية – الطائفية الحاقدة المريضة. الأخطر أن هذا المرض المستشري قد انتقلت بعض عدواه إلى بعض الخطابات الإعلامية، يظهر ذلك في بعض أعمدة الصحف، وفي بعض المقالات، وفي نوعية المعالجة وفي الصور وحجم التغطيات وفي بنية الخطاب الإعلامي إجمالا، سمعيا بصريا كان أو إلكترونيا او صحفيا، بما يعني أننا في حاجة إلى مزيد من الترشيد الذاتي المهني والأخلاقي في ذات الوقت..
فإذا كان المجتمع المحلي قد شهد في بعض المراحل من تطوره السياسي والاجتماعي بعض الخلافات السياسية حول طبيعة المجتمع والقيم الناظمة له، أو حول السياسات والأولويات الاقتصادية والاجتماعية، فإن الخطاب السياسي والإعلامي بقي غالبا محافظا على الحد الأدنى من الموضوعية في المضمون والتهذيب في الأسلوب، ولكن خلال الأزمة التي عشناها وما تلاها من تشظيات، وحتى اليوم، تم تجاوز الخطوط الحمراء وبعض ثوابت الخطاب الرشيد بكافة المعايير الأخلاقية والدينية والمهنية، واستطاعت التعبيرات الطائفية البذيئة والمشاعر الغريزية أن تجد تعبيراتها الجديدة في الخطابات الجديدة الطاغية والمنفلتة، وخصوصا الخطاب الإعلامي – الاجتماعي «الغريزي»، وأصبح بعض ما نسمعه أو نقرؤه اليوم من تصريحات، مؤلما في تعبيره عن العصبية الطائفية التي أصبح لها امتدادها الإقليمي، واستغلها حتى الغرب لتمرير مصالحه وشق الصفوف المشقوقة اصلا.
إن مهمة وسائل الإعلام الحقيقية والرئيسية – ومهما كان نوعها- أن تنقل صورة صادقة عن الواقع، وتتولى تبصير الرأي العام بما يجري في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك لا يمكن أن تلام على نقل الخبر، أو الحقائق كما وقعت، إذا ما تثبتت من صحتها، وإذا كان هناك من لوم على وسائل الإعلام، فهو ما يتصل بما يعتري بعض المواقف و«إبداء الرأي» من تحريف للوقائع او لي لعنق الحقيقة او سوء النية والتأويل، ليبني على هذا التحريف الموقف السياسي والاجتماعي والطائفي، وهذا ما أصبح منتشرا بشكل مفجع، إلى درجة أنه قد تم تصنيف الصحف والقنوات الإعلامية الفضائية على أساس طائفي وسياسي، بعيدا عن التصنيف المهني، وأصبح التضليل والفبركة والاجتزاء من أخص خصائص هذا الخطاب الجديد، وهذا أمر لم نعهده في المراحل السابقة، بما يهدد بتفاقم الأوضاع ويهدد السلم الاجتماعي، بدلا من أن يعمل الإعلام على المساعدة على تهدئة الأوضاع والوصول إلى الحلول المنشودة التي تؤمن وحدة المجتمع وسلمه الأهلي، ونشر قيم التسامح والحرية. فهذا التوجه نحو التصعيد وتبادل الشتائم والتخوين، لا يساعد في الوصول إلى حل الأزمات، بل من شأنه أن يفاقمها، ويتغذى هذا الاحتقان يوميا بالتصريحات الحادة والمواقف الاستعراضية، التي تكون في الغالب مناسبة سانحة لاستعرض «السباب البذيء» والهجاء المنحط والانتقاص من الآخر.
وللأسف، أنه وبحكم كون الوسائل الإعلامية منقسمة بدورها طائفيا وسياسيا، فإنها تدخل إلى كل بيت حاملة معها هذا الانقسام بل وتتولى تعميمه وتعميقه وشحذ الغرائز الطائفية وبث روح الكراهية• وبالتأكيد فان الكلمة الحادة تؤسس لنقل الانقسام إلى الشارع وإلى ترجمة ذلك بغرائز متفجرة وبمتاريس متقابلة وبكراهية غير مسبوقة.
لقد بدأت الأقنعة تتساقط -وهذا أمر جيد- وهو ما يتطلب من كل حر أن يكون حذرا فطنا بوجه هذا الوباء الذي يحاول البعض نشره.. المعادلة أصبحت واضحة تماما: جماعات تقودها الذاتية والغرائزية الفجة، فشلت في إقناع الجميع بوجهة نظرها، فالتجأت إلى فرقة قتالية من “الطائفيين المرضى بطاعون لا علاج له وهو طاعون الحقد والكراهية” محاولة بذلك تحقيق جماهيرية خاصة بها، وبالتالي الضغط على المجتمع والامعان في تقسيمه، وتشويه صورة السماحة والعيش المشترك، والفوضى الحالية فسحت المجال لنشر الطائفية المقيتة وتعزيز مواقعها، بل وحتى الاستفادة من نموذج غوبلز الهتلري. ولذلك ليس أمامنا إلا ان نسأل الله حسن العاقبة!
همس
الإعلام الجديد يشن حملة شرسة على القناعات المستقرة والأفكار الثابتة والقيم العميقة الراسخة. فهو لا يعمل إلا بعد إخلاء المكان تماما من أية ثوابت، وتهيئته لبناء القناعات الجديدة عبر أسلوب هندسة الانطباعات نشر الأكاذيب والعمل على إحلال قناعات جديدة تدميرية تفكيكية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها