النسخة الورقية
العدد 11116 الأحد 15 سبتمبر 2019 الموافق 16 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

روائع وسيمفونيات أم كلثوم تعلمنا دروسًا في الحب والهوى

رابط مختصر
العدد 10366 السبت 26 أغسطس 2017 الموافق 4 ذو الحجة 1438

من جلسات الصفاء الذهني وصديقنا الولهان التي تحدثنا عنها الأسبوع الماضي ننتقل مباشرة الى سيدة الغناء العربي، مطربة العرب أم كلثوم، التي استمع لروائعها وسيمفونياتها الملايين من مختلف الأعمار منذ بدايتها وحتى يومنا هذا. فمطربة الأجيال لم ينته عصرها بعد، ولا تزال متربعة على عرش الغناء العربي، فلكل عصر هناك ذواقة للفن الجميل الذين يحرصون على ترديد كلمات أغانيها، لتظل تتغنى بها الأجيال في المستقبل، خاصة وأن مؤلفين وموسيقيين مبدعين شاركوها رحلة المجد، لتشدو أم كلثوم بكلمات تعلمنا منها دروسًا في الحب والهجران وحتى أكون واقعيًا، فقد غنت للشاعر الكبير مرسي جميل عزيز الذي وصفوه بأنه صاحب أرق كلمات الحب، أغنية «سيرة الحب» في ملحمة غنائية رائعة تعلمنا منها رقة المشاعر مثل «طول عمري باخاف من الحب وسيرة الحب وظلم الحب لكل أصحابه.. وأعرف حكايات مليانه آهات ودموع وأنين والعاشقين دابوا ما تابوا.. طول عمري بأقول لا أنا قد الشوق وليالي الشوق ولا قلبي قد عذابه.. وقابلتك أنت لقيتك بتغير كل حياتي.. ما أعرفش إزاي انا حبيتك ما أعرفش إزاي يا حياتي.. من همسة حب لقيتني باحب وأدوب في الحب وصبح وليل على بابه» **** «فات من عمري سنين وسنين شفت كتير وقليل عاشقين.. اللي بيشكي حاله لحاله واللي بيبكي على مواله.. أهل الحب صحيح مساكين.. ياما الحب نده على قلبي ما ردش قلبي جواب.. ياما الشوق حاول يحايلني واقول له روح يا عذاب.. ياما عيون شاغلوني لكن ولا شغلوني.. إلا عيونك انت دول بس اللي خدونيى وبحبك أمرونى.. أمروني احب لقيتني باحب وأدوب في الحب وصبح وليل على بابه».
وتبدع أم كلثوم في لقاء القمة مع موسيقارالأجيال محمد عبد الوهاب في رائعة «أنت عمري» للشاعر الكبير أحمد شفيق كامل، وللإنصاف نقول إن الإبداع من نصيب الثلاثي أم كلثوم وعبد الوهاب والشاعر الذي ربط الحب بالعمر في كلماته: «رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا.. علموني أندم على الماضي وجراحه.. اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه.. عمر ضايع يحسبوه إزاي علي.. انت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه.. قد ايه من عمري قبلك راح وعدى» **** «يا حبيبي قد ايه من عمري راح.. ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة.. ولا ذاق في الدنيا غير طعم الجراح.. ابتديت دلوقت بس أحب عمري.. ابتديت دلوقت اخاف لا العمر يجري.. كل فرحه اشتاقها من قبلك خيالي.. التقاها في نور عنيك قلبي وفكري.. يا حياة قلبي يا أغلى من حياتي.. ليه ما قابلتش هواك يا حبيبي بدري» **** «اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه.. عمر ضايع يحسبوه إزاي علي.. انت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه.. الليالي الحلوه والشوق والمحبة.. من زمان والقلب شايلهم عشانك ذوق معايا الحب ذوق حبه بحبه.. من حنان قلبي اللي طال شوقه لحنانك.. هات عنيك تسرح في دنيتهم عنيه.. هات ايديك ترتاح للمستهم ايديه.. يا حبيبي تعالى وكفاية اللي فاتنا.. هو اللي فاتنا يا حبيب الروح شويه».
يتواصل الإبداع بين أم كلثوم وشعرائها العظام ومن بينهم بيرم التونسي، لتغني له «صحيح الهوى غلاب»: «هو صحيح الهوى غلاب ما عرفش انا.. والهجر قالوا مرار وعذاب واليوم بسنة.. جاني الهوى من غير مواعيد.. وكل مادا حلاوته تزيد.. ما أحسبش يوم ح ياخذني بعيد.. يمني قلبي بالأفراح.. وارجع وقلبي كله جراح.. إزاي يا تري؟.. أهو ده اللي جرى!.. وانا ما عرفش» **** «نظره وكنت أحسبها سلام وتمر قوام!.. أتاري فيها وعود وعهود وصدود وآلام !.. وعود لاتصدق ولا تنصان.. عهود مع اللي مالوش أمان.. صبر على ذله وحرمان.. وبدال ما اقول حرمت خلاص.. أقول يارب زدني كمان إزاي يا تري؟.. أهوه ده اللي جرى!».
ويتواصل اللقاء بين كبار المبدعين ليتبوأ الشاعر أحمد رامي مكانته الكبيرة لدي أم كلثوم وعشاقها، لتغني له أكثر من قصيدة وأغنية ليتركا للمكتبة الغنائية العربية أروع ما كتب عن الحب، بل نقول تركا لنا دروسًا في فنون الحب والعشق والهوي، لما ربط بين رامي وأم كلثوم من علاقة حب عذري لم يكتب لها الاكتمال، ولدينا «رق الحبيب» التي صور فيها رامي الحبيب أو الحبيبة في حال انتظار اللقاء: «رق الحبيب وواعدني يوم.. وكان له مدة غايب عني..حرمت عيني الليل م النوم.. لاجل النهار ما ييجي يطمني».. «صعب عليا انام.. احسن اشوف في المنام.. غير اللي يتمناه قلبي.. سهرت استناه.. واسمع كلامي معاه.. واشوف خياله قاعد جنبي».. «من كتر شوقي سبقت عمري..وشفت بكرة والوقت بدري.. وايه يفيد الزمن.. مع اللي عاش في الخيال.. واللي في قلبه سكن.. انعم عليه بالوصال».
والمثير للدهشة أن أحمد رامي ورغم حبه لأم كلثوم، لم يكن أنانيًا، وأتذكر مقابلة لأحمد رامي عندما سأله المذيع القدير وجدي الحكيم عن أحب أغاني أم كلثوم الى قلبه؟.. فلم يرد بأغنية من كلماته، ولكنه ذكر شعراء آخرين وقال إن أجمل ما غنت أم كلثوم كانت أغنية لعبد الفتاح مصطفي (لا يا حبيبي) والتي أجادت بأدائها فيها عندما عبرت بأجمل ما قيل عن آلام الحب والشك من قبل الحبيب:
ليلي ونهاري فكري بيك مشغول
وحياتي لك وحدك ولك على طول
ولسه بتصدق حسود وعزول
قالوا لك الغيرة تزود حبي وبالدموع والحيرة تملك قلبي
لا يا حبيبي
بالحب وحده أنت غالي عليّ بالحب وحده أنت ضي عنيه
بالحب وحده وهو وحده شوية
لا يا حبيبي
أنا لما حبيتك خطر على بالي
اللي جرالي واللي راح يجري لي
صورت أفراحي ونعيمي في قربك
وسهدي في بعدك ونار عزالي
عمري ما قلت ازاي وليه حبيتك
ولا عمري قلت يا ريتني يوم ويا ريتك
وبكل قلبي وبكل عقلي هويتك
الحب هو الود والحنية
عمره ما كان غيره وظنون وأسية
والحب هو اللي بأمره هويتك
وأمره لا بإيدك ولا بإدياه
نعم لرامي الحق وكل الحق ان يمتدح هذة الكلمات لان ام كلثوم ابدعت في الترنم بكلماتها معبرة عن احاسيس ذات شجون ومعاني.
وإذا كنا تحدثنا عن روائع وسيمفونيات أم كلثوم التي عشقها الملايين في حياتها وبعد مماتها، فلدينا شهادة من أحد عمالقة الموسيقى العرب وهو الموسيقار محمد عبد الوهاب، وقد سجلها في مقابلة إذاعية، وتشعب حديثه إلى تقييمه لصوت أم كلثوم، فوصفه بـ «صوت نادر يتمتع بمزايا عديدة، تكفي كل مزية منها لتجعل من صاحبتها مطربة عظيمة، فكيف إذا اجتمعت هذه المزايا لصوت واحد». هذا الوصف الرقيق صدر عن عملاق من عمالقة الموسيقى، رغم المنافسة المعروفة بينه وبين أم كلثوم، كما أنه صادر عن خبير وصاحب تجربة في التلحين لسيدة الغناء العربي والتعامل مع صوتها عبر عشرة ألحان تضمنت كل ألوان الغناء.
لم يقصر عبدالوهاب في وصف صوت أم كلثوم، لأن صوتها يشمل باقة من أجمل الزهور لونًا وأكثرها عبقًا، فصوتها عبارة عن حدائق غناء من الأزهار والثمار والمياه الصافية والأنسام والظلال. ولم لا، فأم كلثوم تتمتع بحنجرة عظيمة منحتها تميزًا فوق تميزها وقوة في الغناء، فقد توفر لصوتها مزايا عديدة منها ما هو الغربي - كما في الأوبرا الغربية مثل الكونترالتووالميتسو والسوبرانو، ويسمي الغرب هذا بالصوت الرنان، أي ستة عشر مقامًا تقريبًا، وهي مساحة واسعة غنية بألوان الجمال الصوتي الباعث على الطرب والدهشة. هذا ليس وهي كبيرة في قمة مجدها، ولكن في بداية عهدها بالغناء، فما بالنا في سنواتها الأخيرة.
وإذا تجاوزنا مقامات الصوت والنسبة بينهم وجواباته وذبذباته، فهو يتميز برخامته ونعومته وجهارته وخفوته، ويصف خبراء الأصوت والموسيقى هذا التنوع بالإعجاز الفذ، كأنه صوت مرسوم بطريقة هندسية يبهر من براها ويسمعها في وقت واحد. هذا بالإصافة الى أن تميز صوتها الاستثنائي يعود الى عناصر عدة، نقولها باختصار وهي المساحة الصوتية حيث تصل لديوانين كاملين. ثم التملك من الصوت، وهو عنصر مهم حيث مكنتها حنجرتها من تقديم ما يسميه الموسيقون بـ «الزخرفات والتحليات الغنائية» وهي تحليات تصل الى حد الإعجاز. ومنها أيضا القوة الصوتية، بدليل أغنية «حيرت قلبي معاك» شعر أحمد رامي وتلحين رياض السنباطي، فقد كان الميكروفون بعيدًا عنها حوالي متر وأعلى من مستوى وجهها بنصف متر، حيث غنت على الطبقات العليا وهي ترجع إلى الوراء حوالي متر أيضا. أضف الى هذا طول وقت الغناء بمعنى قدرتها على الغناء لحوالي أربع ساعات، في حين أن أطول الأوبرات في تاريخ الغناء الغربي هي أربع ساعات وان أطول دور غنائي كامل في هذه الأوبرات لا يتعدى 40 دقيقة على مدى الساعات الأربع، وأن أطول مرحلة منفردة لا تتعدى 15 دقيقة. ومن هنا ندرك جميعًا ما لهذه الظاهرة الصوتية من قدرة وجمال. ومن دلالات هذه القدرة الاستمرار في الغناء والعطاء لمدة 60 عامًا تقريبًا (1913-1973)، فلم نرَ مثيلاً في تاريخ الغناء في العالم يستطيع الغناء طوال هذه الفترة الزمنية باستثناء أم كلثوم.
وللحديث بقية عن روائع لقاء القمم وإيمانهم بأداء كوكب الشرق وقدرتها على التعبير بمعاني كلماتهم وألحانهم
 قبل الأخير..
الدراما المصرية تفقد أحد أعمدتها

على مدى 76 عامًا، أبدع الكاتب المصري الراحل محفوظ عبد الرحمن الكثير من أشهر الدراما المصرية والعربية، مثل «القادسية» و«بوابة الحلواني» و«أم كلثوم» و«حليم» و«ناصر 56» و«سليمان الحلبي» و«ليلة سقوط غرناطة» و«ساعة ولد الهدى» و«ليلة مصرع المتنبى» و«الكتابة على لحم يحترق» و«الفرسان يغمدون سيوفهم» وغيرها.
 ولذا تسارع المصريون ليحملوا جثمانه الى مثواه الأخير بعد رحلة مع المرض أرهقته. كان محفوظ عبدالرحمن واحدًا من أبرز كتّاب الدراما التاريخية المصرية والعربية، وصاحب البصمات والعلامات الفنية التي ستظل خالدة للاجيال في التليفزيون والمسرح والسينما والاذاعة.
لقد اقتربت مؤلفات محفوظ عبدالرحمن من الأعمال الفكرية والتاريخية، وهو ما حاول الراحل التركيز عليه، حيث ترك دراما الحياة اليومية لغيره من الكتّاب والمؤلفين، فهو عشق التاريخ، وهو ما جعله يبدع في الكتابة عنه لينقله للقراء والمشاهدين بسلاسة.
في كل مهنة عمالقة ومندسين، ويشهد التاريخ وأعمال محفوظ عبدالرحمن، أنه واحد من عمالقة الكتابة للدراما التاريخية، واحد أعمدتها ومن شدة حرصه على فنه وعطائه ابتعد دائمًا عن عالم الأضواء لغيره من المجهولين، فحافظ على القمة بتاريخه وحرفيته العالية، وهي قمة تربع عليها بلا منافس، لأنه واحد من كبار الأدباء والمفكرين، الذين تركوا أثرًا كبيرًا في الوطن العربي.
لم يكن محفوظ عبد الرحمن مجرد كاتبًا ومؤلفًا دراميًا، فكان أيضًا من أبدع كتاب مقالات النقد، إذ بدأ حياته العملية صحفيًا في مؤسسة دار الهلال المصرية التي تصدر مجلة الهلال ومجلة المصور، ليعمل بعدها في وزارة الثقافة، ليترك لنا تراثه الفني والثقافي في العديد من الصحف والمجلات المصرية والعربية منها: الجمهورية، الأهرام، البيان اﻹماراتية، العربي.
رحم الله محفوظ عبدالرحمن الذي قال عنه المصريون «محفوظ عند الرحمن» في تعبير راقٍ لمكانة الراحل التي تقف في نفس المسار مع مبدعين أخرين من أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس ويوسف إدريس وأسامة أنور عكاشة وإحسان وغيرهم.
 رحم الله محفوظ عبدالرحمن وأسكنه فسيح جناته..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها