النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

الصمت أو التهويمات العبثية من أجل مواجهة الذات واستحقاقات الواقع

رابط مختصر
العدد 10363 الأربعاء 23 أغسطس 2017 الموافق غرة ذو الحجة 1438

تعقيبًا على مقال سابق حول (المكر الفكري) ودور المثقف، علق أحد الاصدقاء مؤكدًا أن دور المثقف الرئيسي هو «التنوير وليس الترويج لأي فكرة أو موضوع، ودق النواقيس والتنبيه إلى مواطن الخلل بالدرجة الأولى، وأن المدح والتزيين ليسا من مهام المثقف»..

قلت للصديق: أتفق معك على أهمية الدور التنويري للمثقف في جميع الازمة ولكن لا يمكن أن يكون مقبولا أن ينزوي المثقف في اللحظات التاريخية المهمة والحرجة ويلوذ بالصمت أو بالتهويمات العبثية بدعوة أنه لا يريد الانخراط في هذا الموضوع أو ذاك. خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضايا وطنية حيوية تتطلب تجنيد كافة الطاقات وراء مشروع وطني أو قومي سياسي أو فكري للدفاع عن المصالح الوطنية أو عن هوية الأمة ومقدراتها. فهنا لا مجال لافتعال تسويات لغوية أو خزعبلات فلسفية، لتبرير الهروب من مواجهة اللحظة التاريخية أو لتبرير تجنب الانخراط في معركة لابد من خوضها. وقد رأينا ذلك عندما تعرضت البلاد إلى الانتهاك والتآمر، وكيف انكفأ عدد من المثقفين على ذواتهم الخاصة ولاذوا بصمت مريب، يبررونه بنوع من التعالي الفكري والإبداعي، يعكس سلبية لا تغتفر بمعيار الاستحقاقات التاريخية.

قال الصديق: أتحدث هنا عن تلك الفئة من المثقفين التي تعمل في مجال التطبيل والتضليل، فهذا هو مربط الفرس، ومحل النقاش، وهو دور مقلق، بالمعيار الفكري والأخلاقي معًا.

قلت أتفق معك أنه لا يجب أن يكون المثقف طبالاً، ولكن يجب أن يكون واضحًا أن التطبيل المرفوض أو المعيب هو مرادف لتزييف وعي الناس وقلب الحقائق أو المدح المجرد من القيم. ولكن إذا كان المدح مرادفا للصدق والحقيقة، ومطابقًا للواقع المشاهد بالعيان، أو مدافعا عن انجاز عظيم أو عمل خير أو إنسان شريف أو مسؤول نظيف أو قائد عظيم انجز وأعطى، فإنه «مدج محمود ومطلوب»، بل هو جزء من مقاومة الفساد بإبراز الانجاز والإشادة بالشرف والتضحية والإبداع والوطنية. وإلا فان الكاتب يتحول إلى مجرد (ندابة)، أو مجرد منتقد سلبي، مصاب بعمى الألوان. ولكن يبقى سؤال أخير: ماذا عن طبالي الأحزاب والطوائف والجمعيات والأيديولوجيات والعصابات، الذين يخلطون خلطا عندما يكتبون أو يتحدثون، بين كونهم يمارسون عملا فكريا، وبين كونهم يطبلون لذواتهم الحزبية ولجمعياتهم السياسية أو الدينية أو الطائفية، فيركبون الكاتبة جسرًا للعبور إلى الجمهور، بأيديولوجية الحزبي أو الطائفي؟؟

قال: أوليس من حق الحزبي أن يكتب رأيه؟

قلت: إذا ما أراد الحزبي أن يكتب فليكتب بصفته حزبيًا (هكذا يجب أن يقدم نفسه صراحة)، ولذلك توجد صحف ومواقع مخصصة للأحزاب والجمعيات، لغة ومضمونًا وفكرًا، ولا عيب في ذلك، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتسلل الحزبيون إلى الصحافة ويركبون موجتها، متنكرين، مدعين أنهم ينقلون رسالة فكر وحرية وحقيقة فقط. الأشد مرارة من ذلك أن بعضًا من المثقفين يعيشون انفصامًا بين مكبلات واقعهم وطاقة الدفع الكامنة في وجودهم التاريخي، من هنا تجيء المفارقات المدهشة: محافظ يتحدث عن التغيير بالعقلية البائسة إياها، وهو لم يحل بعد إشكالية ارتباطه بصيغ وحساسيات موروثة تكبلها في العمق رواسب وقيم لا يجوز تجاوزها باسم الهوية والتراث. ومثقف آخر يهذي بالحرية وهو يبشر بالفردية المستبدة أو يبرر انتسابه لثقافة اللامعنى والهذيان، ومثقف ينتج السخافة ويحللها، بل ويسوقها للجمهور، بدلاً من أن يكون منتجا للأفكار والرؤى والمواقف. إن المثقف هو بالضرورة قيادي وحر ومستقل، يصنع الأفكار والمواقف والرؤى، بما يمليه عليه ضميره الوطني والقومي والإنساني، وبهذا المعنى أيضا. أما إذا تحول الى مجرد مروج ثقافي أو حزبي، فانه يفقد جوهره بوصفه مثقفًا مستقلاً قادرًا عن التعبير عن رأيه الحر. والانخراط في مشروعات مجتمعية وجماعية وقومية وإنسانية كبرى، فالمنفعة الشخصية في حد ذاتها لا تخلق ولا تحفز مثقفًا، ولا تصنع ثقافة حقيقية مؤثرة في الواقع وفي المجتمع. فإذا انحسرت المشروعات الكبرى انحسر معها المثقف، وقد رأينا انهيار المشاريع النهضوية الكبرى على الصعيدين القومي والإنساني وسيطرت بدلا منها ظلال باهتة لأوهام مشاريع. 

قال: بصراحة اختلطت الأمور وسط هذه الفوضى، وهذا الواقع المؤلم الذي تحكمه الضحالة والخطابية والتهريج والغرائزية الطائفية والمصالح الضيقة؟ حتى أن التشاؤم يبدو لي هو الموقف الفكري الأمثل وعيا بالأزمة والمخاطر؟ 

قلت: ما يجب أن يحركنا هو الأمل والثقة بأن المثقف ما يزال بإمكانه مواجهة الرداءة والبلادة والبلاهة والحرفية والتقليد والطائفية والتخلف، والخرافة والسخافة، ولا يتخلى عن دوره في التنوير. وإن أكثر ما يؤلم هو غياب قيم الالتزام أو تراجعها حتى أصبح الاستسلام وضمان الاستمرار ومجرد البقاء البيولوجي فضيلة من الفضائل، وأصبح الصمت أداة رئيسية لتحقيق الانسجام مع الواقع، وبذلك استشرت قيم جديدة هي أقرب إلى النزعات القدرية والتقية وتحولت إلى أدوات أساسية في العمل الثقافي في بعض الأحيان.

همس

 إن شئت تعالي نعيد حياكة البحر 

ونخرج الصمت حلما في نهاية الرحلة. 

وبين يديك كواكب من بحار وينابيع، 

تعانق روح الهواء والموج، 

والعشب ينام في حضن الصحارى، 

ويحتضن المطر الشوارع القاحلة، 

 والصباح ينهض في حدائق الكلمات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها