النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

صورة سردية.. ضـــــــياع إلى الجهــــــات الســـــت!

رابط مختصر
العدد 10361 الإثنين 21 أغسطس 2017 الموافق 29 ذي القعدة 1438

كان كهلاً في الأربعين، مديد القامة، عريض المنكبين.. نشأ في أسرة فقيرة، وكان لرغيف الخبز معنى كبير في حياته، وللحم رائحة الذهب والجواهر. حفرت الأيام في وجهة حفرًا وأخاديد.. علامات البؤس بادية عليه في سائر أحواله.. عرف بين أهله بعدم وقوفه على رأي أو حال، يقول الشيء وضده ويأتي الفعل وعكسه..
كان حريصًا على صلاته، ولا يهجرها إلا قليلا، يصوم رمضان وايام العواشير، ولكنه إذا شعر بالوحشة أفطر إفطار الصوفية. يرافق جده إلى المسجد لأداء الصلاة حتى في أفجار الليالي الشتوية القاسية، يتأبط المصحف، ويحفظ الأدعية عن ظهر قلب! لم أرَه يلعب قط لعبة ولا يجالس إلا المسنين يستمع الى قصص الأولين والآخرين. أمضى حياته يبحث عما يسميه الجهات الست، متنقلاً بين المساجد والمقابر للاعتبار والتأمل. ممزّقًا بين إيمان صوفي وميل الى الهزل والسخرية من الحياة، حتى بات معلقًا بين الأرض والسماء، فلا هو من سكان هذه ولا من سكان السماء. يداهمه البكاء، فلا يكاد يهدأ إلا إذا سمع وقع الآي الكريم فينهض كمن بعث بعد ممات. يحط في حضرة الموت والغياب حتى تدمع عيناه.
قال لي قبل الرحيل بأيام: لم يكن اتياني الصلاة وقتها إلا كإتيان الأطفال اللعب، فكنت أسجد وأركع، وأمثل دور المصلى، وأقلد حركات الكبار فيلحظ جدي استخفافي فينهرني بشدة ويشتد على ضربة!! إلا أنني كنت أشعر في أعماقي انني قريب من الله وأن الله يحبني وأحبه، بل كان لدي إحساس طفولي غامض بأنني سوف أكون من أهل الجنة التي طالما كنت أحلم بها عندما يرتل جدي في الافجار تلك الآي الكريمة. أشعر بخوف شديد -مع رعبي وهزلي ورعونتي- فقد كنت أخاف الله رب العالمين، أخاف من غضبه ومن غضب جدي إذا ما نحرف أيماني لحظة أو التزامي قيد أنملة. فأعكف على قراءة القرآن كل مساء حتى اتسعت به حياتي واستقامت، فأطرب لترتيل جدي للآيات فأطرب وأعلو بأنغام الفجر البليل، فانتعش.
ولما كبرت قليلاً بدأت أنهل من الكتب الصفراء فقرأت (العاشق المعشوق) و(عبدالله البري وعبدالله البحري) و(رأس الغول والسيد علي)، وقصة (سيف ابن ذي يزن) وقصة (الهلالي) حتى أصبحت للكتب الصفراء مكانة مقدسة في حياتي، اشبعت خيالي بصور خرافية عظيمة وعوالم سحرية.. وكنت أجد في الحكايات الخرافية لذة ما بعدها لذة. لذة تغني عن الطعام وتنسى النوم في كل حين.. فأتخيل نفسي وأنا يجوب أرجاء الأرض السابعة وفي السماوات اسبح مع الطيور والملائكة البيض.. أو أتجول بين النجوم في السماء! حفظت أجزاء من القرآن الكريم وأجدت ترتيلها ولم أتجاوز العاشرة من عمري، وأقام لي جدي (ختمة) حفلاً وزع فيه الطعام على الأطفال، وعلى الطيور.
قال: كنت أحب أن أقرأ القرآن في الصباح الباكر واوقع من الآي الكريم ما به ارتفع حتى السماء السابعة ويأخذني الطرب إلى لحظة من السكر الروحي، فعلوت على نفسي، وكان صوت جدي يأتيني رقيقا فيعانقني ويدفن في قلبي طمأنينة النفس الراضية المرضية. كنت وقتها ككرة مطاطية صغيرة تقذفها فترتد إليك في لمح البصر مشدودا الى الحياة تارة والى عالم السماء في الفجر والليل الغاسق.!!
فلما بلغت عقدي الثاني قرأت كتاب (الروض العاطر ونزهة الخاطر).. وكتاب (الجواهر اللماعة واستحضار ملوك الجن في الآن والساعة).. فأروي لأصحابي قصص الجان وأفاعيلهم الجميلة أو الخبيثة، وأفسر الأحلام لصحبي فيندهشون لان ما كنت أرويه وأفسره يكاد يتطابق مع وقائع حياتهم البائسة. مدار الحلم الجنة والرياض والصفاء والوفرة والجمال والرضاء، في مقابل حياة بائسة فقيرة مؤلمة. حتى أنني كتبت تميمة لأحد أصدقائي استخلصتها في كتاب (الجواهر اللماعة).
ومن عجائب الأمر انني عندما بلغت عشرة العشرين أنكرت عهدي بالكتب الصفراء وتحولت إلى قراءة كتب (سيموند فرويد) و(كارل ماركس) فأحببت الفلسفة الوجودية والعبثية.. واعجبتني نظرية تناسخ الارواح، ونظرية التطور وبدأت اتقلب بين عالمين يتنازعني الحل السماوي ويشدني إلى الأرض الحس! فوجدت في التناسخ ما به أحيي عدة مرات. فتمتد حياتي ولا تنقطع، فأحيا وأموت فأحيا وأموت حتى يكتمل وجودي، وكان يحلو لي أن اشرح الفكرة لإخوتي، وأمي وأبي صامتان.. وكثيرًا ما عنفني جدي وضرب يدًا بيد قائلاً: (جهنم وبئس المصير) لو كنت علمتك رعي الأغنام لكان أفضل!!
استطرد: لما بلغت عشرة الثلاثين، ظن أصحابي انني سوف أستقر على رأى ولكن اشواقي توزعت وهمي كبر، فأرسلت لحيتي وقل كلامي واكتسبت وقارًا كنت لا أحبه. وقد تمر عليّ أيام أنقطع فيها للعبادة فأقسو على نفسي وأجد في ذلك لذة!! ولما طال به الأمر انكمشت وتكورت وخامرتني فكرة الرحيل!! بعد أن لما وجدت نفسي هواء وقلبي خواء. فهجرت الصلاة، وبدا لي الجلوس إلى العامة خسة وتواضعا، فهجرت المسجد بعد أن كان جل حياتي! لقد بحثت عن الصلاة التي تفعل في النفس فعل الخمرة القديمة، أو كالنور يسرى في دمي، فلما لم أجد من ذلك إلا رجعا بعيدا، عرفت أنني أغالب النفس فتغلبني. وأنني أكذب عليها فتسخر مني. ويذهب على وضوئي سدى. وتصبح صلاتي كضرب من الحرث في البحر!! فلما فنيت عصاتي وجربت الرحيل إلى الحسن والحلم والنفس. وضاق بي الأفق وانهد كياني، حزنت واشتقت التوحد مع ذاتي. ناديت الرب: انسني بفنائك يا الله. فاذا هو معرض عني وأنا في حيرتي أبكي!!
لقد أمضى ما بقي له من العمر يبكي في جنونه ويقول: ليت الله يريني من نوره ما يجمع شتاتي!!
رحم الله صديقي فقد كان أعظم من الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها