النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

الشــــــــــيعة والســــــنة...

رابط مختصر
العدد 10356 الأربعاء 16 أغسطس 2017 الموافق 24 ذي القعدة 1438

 الشيعة والسنة مفردتان تلمعان انتماءً مذهبيًا إسلاميًا قارًا في الحضارة الإسلاميّة وتاريخها القديم، وفي مجتمعنا الخليجي ذي التركيبة الاجتماعية الفريدة القائمة على جوار طريف بين العشيرة والعقيدة والمذهب والوطن، ولعل هذه التركيبة هي التي جعلت - إلى جانب الطفرات التعليمية والثقافية والاقتصادية التي شهدها مجتمعنا الخليجي - الانتساب إلى أي من هذين المذهبين لا يخضع لحكم أحد مُخوَّل بأن يصدر قرارًا بأن هذا الانتماء صحيح وذاك غير صحيح؛ لأن مثل هذا الحديث يدخل في باب العبث بوحدة النسيج الاجتماعي، ويرتبط بانتهاك مبادئ حرية الضمير، وهي الضمانة إلى تثبيت أركان دولة المواطنة بوصفها طورًا تاريخيًا واجتماعيًا ومدنيًا جديدًا من أطوار السيرورة الطبيعية لمجتمعنا الخليجي. ولهذا ينبغي الابتعاد عن كل حديث يتناول مفردتي الشيعة والسنة تناولاً صداميًا يتخذ من هتك تماسك النسيج الاجتماعي غاية له، أصريحة كانت هذه الغاية أم ضمنية.
 إلى تاريخ قريب لم تكن هاتان المفردتان متداولتين في الفضاء العربي والإسلامي على هذا النحو من الرخص والابتذال والامتهان بقيمتهما الروحية والاجتماعية والإنسانية الذي صرنا نعاينه منذ نجح ملالي إيران في الركوب على الثورة الإيرانية والسطو على آمال الناس فيها. فأصبحنا منذ ذلك الوقت أمام حالة فريدة عند الإشارة إلى المكونات الاجتماعية أو التعدديات الدينية في البلدان التي تحفل بالتنوع؛ إذ بدلاً من أن يكون الإسلام عنوانًا لمكون اجتماعي يتعايش مع غيره من المكونات الأخرى من يهود ومسيحيين وسيخ وبوذيين وصابئة وإيزيديين وغيرهم، أصبحنا نعيش تشظيًا يعدد الإسلام الواحد ويفتته إلى سنة وشيعة وإباضيين ومتصوفة و،و،و.
 مفردتا الشيعة والسنة لقيتا تناولًا مقصودًا ومكثفًا في الإعلام الغربي وبالتالي في التناول الاجتماعي اليومي بعد تسلق عصابة «ولاية الفقيه» سلم السلطة في إيران، وسمحت، في غفلة من المجتمع، لتيارات الإسلام السياسي الأخرى، وخصوصًا الإخوان المسلمين، أن تأخذ نصيبها غير المستحق في تسيّد المشهدين الاجتماعي فالسياسي في المجتمعات الأخرى ذات الغالبية السنية، وأن تروّج لأفكارها بناءً على افتعال تضادات وتضاربات بين مصالح الشيعة ومصالح السنة. وهذه التضادات والتضاربات مستزرعة في الواقع بواسطة الجماعات الطائفية في المذهبين لغاية في النفس دنيئة ظهرت لهم أُكُلُها فيما بعد مع «ثورات» ربيعهم العربي!
 هذا التقديم المطول بعض الشيء عن الشيعة والسنة بوصفهما مذهبين ينبغي أن يشعر المنتمون إليهما في أوطانهم بالأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وجدت من الضروري أن يتصدر مقالي هذا الذي خطر على بالي كتابته بعد انتهائي من قراءة مقال بعنوان «السعودية ليست عدوة الشيعة»، لأني شعرت بأن مقال الكاتب خليل علي حيدر موجه إلى الشيعة ليحثهم فيه، من جهة، إلى التدقيق فيما تقوم به إيران من أعمال تضر بمصالحهم، وما تأتيه المملكة العربية السعودية في مقابل ذلك من أجل حماية هذه المصالح، من جهة ثانية. الكاتب الكويتي خليل علي حيدر يسهم بغزارة لافتة بمقالات رائعة على نفس هذه الصفحات من جريدة الأيام الغراء، ويصفه مشاري الذايدي الكاتب الصحفي والباحث في صحيفة الشرق الأوسط بالشجاع، والذايدي في وصفه هذا قد أصاب.
 عنوان المقال «السعودية ليست عدوة الشيعة»، على نحو ما يرى القارئ الكريم، يحيل مباشرة إلى إجابة باتة ومكتملة ولا تحتاج إلى مزيد من الشرح والتفصيل، على سؤال لم يكن مطروحًا على الاطلاق قبل عام 1979، وهو عام «الثورة» الإيرانية التي بدأ معها ملالي إيران يعيثون فسادًا وتخريبًا في بلدهم وفي الخليج العربي من أقصاه إلى أقصاه.
 ضمّن الكاتب خليل علي حيدر في صلب هذا المقال تسعة أسئلة مباشرة وغير مباشرة يعالج بها موضوعه المتناول، وقد أسهب في التفصيل لبلوغ الإجابة المكونة من كلمات أربع اختارها لتكون عنوانًا بليغًا يختصر الكثير من الحديث عن أهمية المملكة العربية السعودية ودورها في إطارها الخليجي والعربي؛ فبالمملكة ضمان التوازن والأمن والأمان والرفاه لمختلف مكونات المجتمع الخليجي، ومن دونها تذهب ريح المجتمع الخليجي ليتفتت ويصبح لا قدر الله نهبا لملالي إيران وذئاب الإسلام السياسي المترصدة أمارات الوهن في هذا المجتمع لتنقض عليه وتقيم بديلها القروسطي الموغل في الظلامية والرجعية والمستثمر في الجهل والفقر والتخلف. لا جدال أن المقال مهم ويأتي في وقت يعوّض فيه عن كثير من الأصوات التي غابت واختفت في سديم الطائفية التي تتغذى على وجبات يومية يقدمها بسخاء الإعلام الإيراني والمنتسبون إلى فكرة «ولاية الفقيه» الشريرة.
 إيران كانت شيعية منذ القرن السادس عشر، أي من قبل قيام «الثورة» الخمينية عام 1979 ولم يكن ذلك ليؤثر في علاقات شعوب دول الخليج العربية معها، ولم يكن أبدًا مذهبها هذا محركًا إيديولوجيًا توسعيًا كما هو شأنه الآن في ظل حكم العمائم. ظللنا متعايشين معها رغم ما كان يعبر عنه الشاه محمد رضا بهلوي عبر مرسلات خطابه الشوفيني المتعالي من أطماع في البحرين، على سبيل المثال، هذه الأطماع التي وضعت لها الأمم المتحدة حدًا بإرسال لجنة تقصي حقائق كان تقريرها فاصلا في بطلان ادعاءاته، وتحديد شعب البحرين هوية بلاده عربية إسلامية. مأساتنا في الخليج العربي تبدأ بعد عام 1979، أي بعد «ثورة» الخميني، وحلمه بتصدير هذه الـ «ثورة» إلى بلدان الجوار.
 والمؤسف أن ملالي إيران الطائفيين المذهبيين يجدون لهم في مجتمعنا الخليجي من يعينهم على تحقيق مقاصدهم في أن تبقى مفردتي الشيعة والسنة متداولتين أبدًا ليتم تعزيز الفصل بين مصالح المكونين الإسلاميين؛ ففي البحرين هناك تلك المجموعة التي عاثت في المجتمع خرابًا، وجعلت من قرى البحرين مرتعًا لاستنبات طائفية مذهبية مقيتة تعتاش على كره الآخر والتربية على بغض كل مختلف مذهبيًا، وقد كانت أحداث الدراز آخر تلك القرى التي احتلتها مجموعة نذرت نفسها للعمل على شق المجتمع إلى شيعة وسنة خير شاهد على بلوغ العمالة والعبث بوحدة النسيج الاجتماعي أقصاهما وأقساهما، وبالأمس كانت هناك المجموعة التي تمترست في المسورة في المملكة العربية السعودية لتزرع الرعب والإرهاب، وكانت أيضا خلية العبدلي في دولة الكويت التي طلبت تخريب الكويت بنقل أمين لخبرات حزب الله اللبناني ومحاولة استنساخها في أرض الكويت الطيبة. إن حوادث كهذه تجعلنا نؤمن بضرورة عدم التراخي مع هذه المجاميع، إن على مستوى لجوء الدولة إلى حقها في استخدام القوة واستعمال العنف المشروع حماية لأمن الناس وأمانهم وحرمة الوطن واستمراره، أو على مستوى الإعلام والتربية بخطاب عقلاني حداثي مدروس يطارد ظلمات الجهل وفيروسات الطائفية والتفتيت حيثما وجدت وكيفما كانت. ولعل القضاء على تناسل فكرة انقسام المجتمع إلى سنة وشيعة يتوقف على مدى توفيقنا في توظيف هذه الوسائل الثلاث.
 لقد ظلت القوى المذهبية دائمًا تستمد قوتها مما تمتلكه إيران من النيران التي تروج أنها مستعدة لاستعمالها في دول مجلس التعاون تلبية لأي طلب من القوى المؤتمرة بما تخططه مخابرات الملالي، تلك القوى التي تمولها بكل وقاحة وتسندها بالدعم الإعلامي واللوجستي والمادي لتجعلها في إعلامها الموجه الكذوب لسان حال الطائفة الشيعية الكريمة، ولهذا أجدني لا أتفق مع الكاتب الكريم في إيراده فقرة لم يحتجها مقاله، وأجد أنها مقحمة فيه. وهي الفقرة التي تتحدث عن امتلاك إيران للصواريخ القادرة في البداية على إيقاع دمار كبير... فأنا أتصور أخي خليل أن مجرد سماع هذه القوى المذهبية بالدمار الذي قد يصيب دولنا من صواريخ إيران كفيل باستمرارهم في التوهم والطمع في معاينة الموت القادم من الشرق حقيقة واقعة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها