النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حقائق ملتبسة في الشبهات خلاصة الاختبار .. خلاصة الدرس

رابط مختصر
العدد 10356 الأربعاء 16 أغسطس 2017 الموافق 24 ذي القعدة 1438

لاستخلاص الدرس مما حدث لنا خلال الفترة الماضية وحتى لا يتكرر ما حدث لنا مرة أخرى، لا بد من التذكير ببعض الحقائق والتي لا يمكن أن يختلف حولها عاقلان:
- الأولى: أن هنالك فئة من الناس - مكشوفة - تعلن صراحة أنها خارج القانون لسبب بسيط، وهي أن القانون لا يعجبها، وأنها ضد الدستور لان الدستور بوضعه الحالي لا يعجبها، وبالتالي ترفض الخضوع للدولة، ولا تسلم بشرعية السلطة، وتحاول بناء شرعية جديدة مختلفة، وهي لذلك ترى انها غير ملزمة بشرعية القانون الذي ينتظم حياتنا ويمنع حدوث الفوضى والتعدي والعنف والانحطاط المادي والمعنوي، بل ويمنع أشكال التوحش والعودة إلى ما قبل الدولة... لقد اختارت نهج الخروج عن الإطار العام للحياة السياسية درجت على إثارة القلاقل وإدارة الأزمات الواحدة تلو الثانية، من خلال العمل المبرمج على استفزاز الجميع: السلطة والجمعيات السياسية التي قبلت العمل في إطار القانون، والاستمرار في إثارة الغبار والضجيج ضمن حزمة (نضالية) متكاملة من الأفعال، منها الاستنجاد بالخارج وافتعال المواجهات.
هؤلاء يتسللون إلى كل شيء، سيان عندهم الموت والحياة، والقانون والفوضى. القانون عندهم كذبة والدستور خديعة، والحق الوحيد الذي يعتنقونه هو ما يعتقدون، وليس مهما ما أجمع عليه الناس. يفضلون المشي بالمقلوب، لا يريحهم التقدم نحو بر الأمان، لأنهم وعند الوصول إليه تنتهي صلاحيتهم، وتنتفي الحاجة إليهم. يستدرجون المستهدفين إلى حروب ينشغل فيها الكل بفنون التخريب وإشعال الحرائق، للعودة إلى لعبة الكر والفر والفوضى التي تنعش أنفاسهم. وعندما ينزف الوطن يسعدون حقيقة لا مجازًا، تشي بذلك عباراتهم وتصريحاتهم وبياناتهم.. يرتدون الوطنية في شكل «كذبة مستنسخة»، لأنهم غير قادرين على ابتلاع النجاح والانجاز، مهما كان ساطعًا، و لا يستسيغون السلم لأنهم أصبحوا قاصرين عن تحقيق وجودهم إلاّ بوسيلة واحدة هي تحويل الناس إلى قاصرين تابعين.. يبذلون كل ما في وسعهم لتحويل أي مشهد حي إلى مقبرة، ولا يرتاحون في أي ارض أو سماء إلا إذا غرّد فيهما البوم، يترصدون الأخطاء والهفوات والمناسبات، ويستغلون الآلام والأحزان، يوظفون مصائب الناس وتطلعاتهم، لبناء مصائد لإشعال الفتن، وجعل الدائرة الجهنمية تعمل على مدار الساعة دون توقف لكي يقال في النهاية إن «الديمقراطية كذبة» و«الإصلاح وهم»، و«التقدم مستحيل». إنهم يقترحون حلاً جاهزًا، وهو استعجال المواجهة والدخول في اللعبة إياها التي مللناها، ولم توصلنا إلا إلى المزيد من الفوضى وتقطع الأنفاس وخراب البيوت والمزيد من الألم الموجع..
ولا شك أن الدولة، ومن خلال أجهزتها المختلفة، ومن خلال إرادتها السياسية، قد اختارت منهجية (طول البال) في تعاطيها مع الأفعال الخارقة للقانون، حتى لا تتحول قيادات المجموعات الخارجة إلى (أبطال) و(رموز)، وبالرغم من تعدد التجاوزات التي ارتكبت وخطورة بعضها، فإنها لم تلجأ إلى ما يفترض أن تلجأ إليه بصرامة في حالات تجاوز القانون، بل قد تكون تساهلت في بعض الحالات أمام أفعال التجاوز، مما شجع على التجرؤ على تجاوزه مرارًا وتكرارًا، وقد تكون الرسالة في هذا السياق قد فهمت بشكل خاطئ، وقد يكون هذا التسامح قد أعطى للبعض رسالة مختلطة، حيث لا يخفى أن تطبيق القانون - مهما كان ناقصًا - هو أساس النظام الديمقراطي، بل وأساس الحفاظ على الأمن وتحقيق التنمية. وهذا هو الذي حدث في النهاية، حيث كان للقانون القول الفصل، ولذلك فإن أهم درس هو عدم التساهل في تطبيق القانون. ومنع استغلال الناس وتوظيفهم في لعبة الفوضى والقتل المجاني.
- الثانية: أن الأغلبية من الناس - بالرغم من اعتقادهم بأن كل شيء في حاجة إلى تطوير وإصلاح ومراجعة - فإنهم يسلمون بالشروط التي فرضها القانون لتنظيم أوجه حياتهم حتى لا تتبعثر وتختلط أوراقها في الطريق العام، لأنهم يدركون أن البديل هو الفوضى والمجهول، ومن هنا يأتي انخراط مجمل القوى السياسية الأساسية في البلاد ضمن العمل السياسي القانوني، بالرغم من التحفظات، وبالرغم من الرغبة في تطويرها اليوم وليس غدًا، إيمانًا بأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وان الصيرورة الديمقراطية تقتضى التدرج وطول النفس والصبر، لتحقيق المزيد من الانجازات السياسة. وان السلطة نفسها تدرك في ذلك، ووقد سبق لها ان أعلنت في أكثر من مناسبة: أن التطوير والمراجعة والإصلاح عملية مستمرة لا تنقطع، وان آفاق الإصلاح مفتوحة بدون حدود. وهذا هو ما يجب المضي فيه وعدم التراجع عنه.
الثالثة: يبدو واضحًا أننا في حاجة إلى مزيد تفكيك خطاب كلّ طرف سياسي بغرض التوصل إلى فهم آلياته ومؤدياته خاصّة وأن هذا الخطاب يؤثر بدرجات متفاوتة على مجمل المشهد الوطني. فإذا كان الخطاب الامتثالي ضربًا من تجميد السّائد، فإن الخطاب الاحتجاجي المفرغ من العمق البرنامجي يصبح بدوره عقبة مظللة على المهام التاريخية باعتباره قائمًا على جملة من الشعارات التي تفقد بريقه كلّما تلبست بأشكال مختلفة من الاسقاط واللاّواقعية.
لقد قاد هذا الخطاب في المشهد الوطني الى أعنف درجات التمثل الانفعالي للحظة، مما أنتج ضربًا من القصور يمكن استجلاؤه من خلال بعض مظاهر الانحدار الإعلامي في أنشطة بعض الأحزاب والمجموعات. فبشكل غير مسبوق، هيمنت على صفحات المنابر الإعلامية لبعض الفعاليات (التي يفترض انتماؤها الى توجه ديمقراطي تقدّمي) نبرة معاكسة للخلفية الفكرية التي تحملها الى درجة يمكن معها لأي ملاحظ فهم النزعة التي يبدو أنها منقادة الى أجندات محدّدة ترى مصلحة في ادماج اليمين الأصولي داخل انسجة المجتمع المدني في إطار استراتيجيات مدروسة لإعادة تشكيله بما يخدم الحراك كإعلان صريح عن الانحدار الإيديولوجي إلى غياهب التطرف في تجسدها الأكثر عنفية وانغلاقًا. ولذلك وجب القيام بجهد استثنائي للتشجيع على الفصل بين قوى التطرف الطائفي والقوى التي يفترض ان تكون مستنيرة ولكنها تورطت في لحظة التباس الأمور وانجرت وراء الهوى الطائفي، حيث ما تزال الفرصة قائمة لاستعادتها من اجل لعب دور في مسيرة الإصلاح والتنمية.

همس
«إن الإنسان الجدير بأن يُصغى إليه، هو ذاك الذي لا يستخدم الكلام إلا من أجل التفكير، ولا يستخدم الفكرة إلاّ من أجل الحقيقة والفضيلة، أما الذين يستخدمون اللغة لإشعال الحرائق، فإنهم جزء من آلة الشر».

«فنلون»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها