النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

معضلة قطر وحالة تضخم الذات (17)

رابط مختصر
العدد 10354 الإثنين 14 أغسطس 2017 الموافق 22 ذي القعدة 1438

انتهت القوى العالمية من تركيب منطقة البلقان المعقدة اثنيا بتقسيم وتفتيت يوغسلافيا الى ست دول، كانت سراييفو آخرها واصعبها لتذكرنا ان الحرب العالمية الاولى انطلقت منها بعد اغتيال الارشيدوق فرانس فرديناند، فتعالوا نستمع ونقرأ اعترافات ومعلومات الصحفي المصري يسري فودة – وما ادراكم ما يسري فودة – حيث تنقل بيسر وسهولة وامتيازات ومهمات كلها تثير الاسئلة والغبار حول شخصيته الغريبة في عالم الصحافة وحيثيات استقالته.
ففي عام 1994 اعلنت هيئة الاذاعة البريطانية عن عزمها اطلاق اول قناة تليفزيونية باللغة العربية متخصصة في الاخبار والاحداث الجارية – لننتبه لعبارة الاحداث الجارية – وبعد تفكير يقول يسري شاركت مع الصف الاول في تأسيس القناة (بطبيعته يسري يمنح نفسه قيمة كجزء من نرجسية اعلامية) وشرفت باختياري اول مراسل عربي متجول وتم اختياره لمنطقة الحرب في سراييفو، وكونه عاش من الداخل المحطة /‏ القناة، فهو يؤكد قائلا: «لكن هذا التليفزيون لم ينطلق الا حين دخلت بي بي سي بعقليتها الانجليزية في شراكة مع شبكة اوربيت بعقليتها السعودية ما زرع بالضرورة نارًا تحت الرماد، انتشر دخانها في غرفة الاخبار اكثر من مرة حتى بات العاملون بها على فوهة بركان، فكان هذا خطأ قاتلا ظلم الشريكين معًا، وإن كان ظلم العاملين تحت إمرة البريطانيين برواتب سعودية ظلمًا أفدح».
هكذا كانت البي بي سي تريد محطة فضائية بميزانية خليجية فيما هم يتحكمون بالمقود في الظاهر والخفي، والانكليز يدركون مدى تكلفة فتح قناة فضائية، فكان عليهم التفتيش عن ممول اخر وبئر نفط آخر، هذا اذا لم نقل انهم اختلقوا المشاكل والاعذار للانفصال، بعد ان عثروا على ضالتهم في قطر.
ويكمل يسري فودة قوله «لقد كان هذا في الواقع زواجًا قام باطلاً وانهار باطلاً بعد ذلك بعامين أي سنة 1996، حيث ستولد قناة الجزيرة في نوفمبر من ذات العام، تعالوا اقنعوني ان كل الامور مضت مصادفة وليست تخطيطًا من خلف الاروقة المظلمة، طالما هناك الانجليز يلعبون بالنرد. وبما ان الكبار في البي بي سي هم من يقررون، فإن المذيعين الصغار لا علم لهم إلا بالنتائج المروعة»، فكتب فودة «لم يصدق هؤلاء الصحفيون، وبعضهم من الطراز الاول، أنهم سقطوا فجأة في سوق البطالة بعد أن تسرب من بين اصابعهم وأمام أعينهم حلم عزيز. وسرعان ما تلقفت الدوحة كثيرًا منهم وهي تعلم انهم بغض النظر عن الاختلافات الشخصية والمهنية والسياسية، تخرجوا في اكثر المدارس الاعلامية في العالم ثقلاً واحترامًا (كأنما هو دوري لكرة القدم تشتري فيه الاندية لاعبًا بمجرد انتهاء عقده) متناسيًا فودة ان الترتيبات كانت قائمة على قدم وساق بمجرد ان يفض الانجليز الشراكة مع الاوربيت بطريقة التعجيزات والتوريط السياسي».
كانت يومها السعودية امبراطورية اعلامية بصحفها وقنواتها في الخارج، فيما محطة قطر المحلية الحكومية «هباب» يسمعونها أهل الدوحة، وبعد صلاة العشاء يخلدون للنوم في مجتمع ساكن. شكلوا اصحاب الخبرة العالمية في البي بي سي مع «نخبة اخرى من الصحفيين العرب» نواة قناة الجزيرة الفضائية، التي انطلقت في نوفمبر 96، ويقول فودة «هذه المرة من عاصمة عربية، وهذه المرة بلا خطوط حمراء، أو هكذا كان يبدو! – مستدركا – هذه المرة بلا شراكة.
هذه المرة يريد البائع لسلعته أن تنتشر. فجأة يدرك المشاهد العربي – المستهدف – أنه كان يفتقد شيئا ولم يكن يدري».
في هذا المناخ المتعطش للحرية وهبوب رياح الديمقراطية العالمية ستزرع قناة الجزيرة حصادها المر لاحقًا في انفجارات ما سمي بـ«الربيع العربي».
يحدثنا فودة عن الدور المناط به من قبل قناة الجزيرة بعد سراييفو واغلاق محطة البي بي سي العربية: «بقيت انا في لندن أؤسس مكتبا لها في العاصمة البريطانية بينما انتقل كثير من زملائي الى الدوحة، لكننا جميعًا وجدنا لأول وهلة في قناة الجزيرة نظامًا فريدًا من نوعه لا يوجد مثيل له واقعيًا في مؤسسة اعلامية اخرى، ولا يوجد له مثيل نظريا في كتب الانظمة الاذاعية والتليفزيونية».
فكيف بدا هذا النظام لفودة وكيف وصفه لنا بجمله، حيث كتب: «هذا النظام بين مجموعة من القيم والمبادئ والمصادر المتنوعة، المتناقضة احيانًا، تتراوح بين القبلي والحضري، بين العربي والغربي، بين اليميني واليساري، بين الديمقراطي والديكتاتوري وبين الديني والعلماني».
فعلاً بين عزمي بشارة الشيوعي السابق والقرضاوي الاخواني بثوابته، متناسيا فودة مرة اخرى، أن لكل تلك التناقضات سمة جوهرية مشتركة هو ان جيش المرتزقة من الاعلاميين ذاك كانت تجمعهم مصالح مشتركة، هو تقويض الاستقرار باسم نشر الحريات مقابل رواتب خيالية مغرية.
لقد تبين لفودة فقط «هذه المتناقضات من اللحظة الاولى لتوقيع عقد انشاء الجزيرة بمنحة أميرية على هيئة مؤسسة عامة للقنوات الفضائية، تحصل على تمويلها من مجموعة من المستثمرين للسنوات الخمس الاولى، على ان يتم طرح اسهمها في الاسواق بعد ذلك لمن يريد أن يشتري! ففي غضون عام واحد صار في الجزيرة، بأيدٍ مهنية غير قطرية اكبر من قطر ومن امير قطر. وحين يحدث هذا لابد من لحظة اخرى من التأمل».
هكذا كتب فودة بعد 13 عامًا من رضاعته من ثدي الام في القناة وحلبه من تلك الاموال السائبة العجيبة. للمزيد انظر يسري فودة، وداعًا قناة الجزيرة، جريدة اليوم السابع، الخميس 21 مايو 2009.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها