النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

الفكر العربي وإشكالية نظام الحكم 2-1 البحث عن الذات من منافذ الخلافة

رابط مختصر
العدد 10349 الأربعاء 9 أغسطس 2017 الموافق 17 ذي القعدة 1438

ما يزال موضوع (نظام الحكم العربي الإسلامي) محور إنتاج فكري عربي ضخم، ومدار سجال لم ينتهِ إلى اليوم، بالرغم من خفوته بحكم طغيان المصطلح السياسي الحداثي على المفاهيم والمصطلحات السياسية التقليدية، التي كانت سائدة إبان عصر النهضة العربية الحديثة.
إلا أن هذا الموروث الضخم من الجدل الفكري حول موضوع النظام السياسي والجدل الفكري حول موضوع النظام السياسي يبدو اليوم مهملاً لانشغال المفكرين العرب المعاصرين بالمصطلح الديمقراطي والنظام الديمقراطي وقيم المشاركة السياسية، بما يجعل البحث التأصيلي في هذا الموضوع أمرًا بالغ الحيوية والأهمية.
ولا شك أن نظرة فاحصة لهذا الموروث تمكننا - ولا شك - من اكتساب الرؤية الموضوعية للعقد الفكرية والإشكالات التي مازالت تخترق هذا الفكر وتؤثر فيه، بل إن الرؤية كهذه قد تساعدنا على فك الاشتباك الموجود حاليًا على الساحة الحزينة العربية بين تيار علماني (لائكي) يروم بناء دولة حداثية منسجمة مع القيم العالمية السائدة، وتنهض على أساس المواطنة، وتيار تقليدي يرتد إلى الأصول، أو ما يتوهمه أصولاً انطلاقًا من المصطلح السياسي الديني العربي الإسلامي، والذي ما يزال يدور حول مصطلح الخلافة لغة ومصطلحًا ومفهومًا.
لقد كان موضوع الخلافة منطلق الفكر السياسي العربي في بدايات القرن العشرين وما زالت آثاره قائمة إلى الآن، أو مازالت محاوره معلقة حتى إشعار آخر، دون حسم، حيث أثير الأمر في مرحلة محددة، وبعد ذلك وفي خضم ضغط الواقع تراجع واتخذ أشكالاً سياسية وفكرية متعددة، حيث يبين الرصد التاريخي للتأليف في هذا المجال أن جل المؤلفات التي اهتمت بنظام الخلافة وتباينت فيها الآراء، هي التي كتبت بين العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي ألغيت فيها الخلافة على يد أتاتورك.
والكماليون - نسبة إلى كمال أتاتورك - الذين كانوا وراء إلغاء الخلافة، ألفوا آنذاك كتابًا باللغة التركية بعنوان: (رد الخلافة وسلطة الأمة) صدر سنة 1922، وقد ترجمة إلى اللغة العربية عبد الغني نسيب، وحاولوا من خلاله تبرير إلغاء الخلافة (التي لم يعد العصر يحتمل وجودها). هذا الكتاب آثار موجة من الانتقادات في العالمين العربي والإسلامي في ذلك الوقت، إلا أن الجدل الحقيقي والساخن لم يبدأ إلا بعد إلغاء الخلافة عام 1924، فكان أول كتاب عربي في هذا المعنى هو الكتاب مصطفى صبري بعنوان (التنكير على منكري النعمة) ثم جاء كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم)، ثم كتابات محمد رشيد رضا، تلتها بعد ذلك كتابات محمد الخضر حسين والفاضل بن عاشور، وهي - باستثناء كتاب عبد الرازق - تدافع عن (أصول الحكم الإسلامية) وتؤكد على الحاجة المبدئية لوجود الخلافة.
والمهم أن الفكر العربي الحديث لم يكن ليثير قضية النظم السياسية بشكل جدي وجذري، لولا سقوط الخلافة، فقد كانت المحفز الرئيسي لطرح هذا المسألة وتأصيلها فكريًا.
إذن لم يكن الفكر العربي الحديث ليناقش إشكالية الحكم من الزاوية الفكرية، إلا بعد إلغاء الخلافة، وهو قبل ذلك لم يكن يعبأ بالموضوع، الذي كان محل نقاش وجدل حزبي وسياسي بين الأحزاب الإسلامية القديمة، ولكنه بقى جدلاً فارغًا من كل مضمون فكري، جدلًا دون تنظير. وربما باستثناء ما كتبه الماوردي (450 هـ) حول الخلافة ونظام الحكم الإسلامي في كتابة (الأحكام السلطانية) المتصل بالسياسة، لا نستطيع القول بوجود فكر سياسي إسلامي قديم لمفكرين إسلاميين، يتعلق بالنظم السياسية، إلا في حدود دعم السلطة القائمة وتبرير وجودها بالنص أو بالفعل على حد سواء.
ولذلك، ومنذ سقوط الخلافة حدث فراغ كبير فتساءل المفكرون من يومها عن النظم السياسية المنقرضة والمنبثقة من صلب الحداثة الأولى، وتعددت الأطروحات من مساند للإلغاء إلى رافض له إلى محلل للأسباب وداع للتجاوز. كما أدى اتساع اتصال العرب بالنظم السياسية الغربية إلى اتساع دائرة ذلك الجدل وتعمقه، إلا أن ذلك قد زاد من حجم تمزق الفكر العربي حيث اتسم النظر في هذه القضية بقدر كبير من الحدة والخلاف.
ونحاول في هذا السياق الإجابة عن سؤالين أساسيين، وهو: كيف نظر هؤلاء المفكرون العرب إلى الخلافة وهي واقع قائم؟ وكيف نظروا إليها بعد سقوطها؟
نلاحظ في إطار الإجابة عن هذين السؤالين أن المشكل لم يطرح حول مشروعية الخلافة أو عدم مشروعيتها، إذ كان يبدو وجود خليفة على رأس الأمة الإسلامية أمرًا طبيعيًا ولا جدال حوله، فالمسلمون حتى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان جل همهم توثيق عرى الخلافة وتدعيمها في مواجهة التهديدات الخارجية، حتى تستطيع الصمود أمام العدوان الخارجي بكافة أشكاله، وخاصة في مواجهة الأطماع الاستعمارية، والحفاظ على (الوحدة الموجودة) بين المسلمين (مثال ما كان يقوله الأفغاني عن العروة الوثقى) ولم يكن هنالك نقذ أو تعرض لمسألة الخلافة كنظام سياسي - ديني، وإنما النقد كان منصبًا في أحيان قليلة، إلى شخص الخليفة كسلوك فردي أو كحاكم، ولكنه لا يوجه إلى الخلافة كمنصب، وحتى موقف عبدالرحمن الكواكبي من الخلافة العثمانية لم يكن موقفًا مبدئيًا من الخلافة في حد ذاتها، وإنما من الاستبداد التركي، ولذلك نجده يقدم تصورًا بديلاً يقوم على الجامعة الإسلامية تحت راية العروبة لا تحت لواء التتريك.
والمفكرون العرب، قبل سقوط الخلافة لم يتعرضوا إلى موضوع الخلافة إلا من حيث تأكيد مشروعيتها والحاجة إلى بقائها، خاصة بعد تنامي العدوان الخارجي واتخاذه أبعادا استعمارية، وبعد تعبير القوى الصاعدة عن خططها منذ 1815 في تقسيم العالم والاستيلاء على التركة العثمانية.
وبعيد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى وما أفضت إليه تلك الهزيمة من التزامات جديدة وقيود وفقد للامتيازات، تجرأ كمال أتاتورك وأعلن نهاية الخلافة 1922 والتي كانت منتهية بالفعل - فهز ذلك المسلمين وأحدث حالة من الذهول، وحتى لا نطيل في استعراض ردود الأفعال، فإننا نكتفي باختزال المنظورين الكبيرين لهذا الأمر:
- المنظور الأول: استمات أصحابه في الدعوة إلى المحافظة على الخلافة وضرورة تنصيب خليفة للمسلمين يحافظ على وحدة الكيان الإسلامي. ولم يسمح هؤلاء لأنفسهم بإعادة النظر في تاريخ هذا المنصب وممارسات الخلفاء، إذ كانت نظرتهم إلى الخلافة لا تتجاوز المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي، إذ كانوا لا يربطون بين مبدأ الخلافة وممارسة الخلفاء، ظهر ذلك خاصة عند محمد رشيد رضا، والفاضل بن عاشور. (والثاني فقيه مالكي ومفسر تونسي).
- أما المنظور الثاني فيمثله علي عبدالرزاق (مفكر مصري) وقد كان الأكثر قدرة على بلورة رؤية مضادة، ولكنها نقدية لا ترتبط بالعاطفة أو بالنوازع الدينية، فهي رؤية قائمة على انتقاء حاد للخلافة كنظام يعتبره على عبد الرازق (غريبًا عن الإسلام) حيث لا مصلحة للإسلام في بقائه، لأن منصب الخليفة هو الذي (جر الويل على الإسلام والمسلمين) وسعى عبد الرازق سعيا مستميتا إلى تبرئة الإسلام من هذا النظام، محاولاً إنماء فكر واقعي انتقادي مسنود بأطروحات دينية وبشواهد تاريخية، حيث تجاوز النظر إلى الخلافة من الجانب النظري ليصل ذلك بالجانب التطبيقي التاريخي.

وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها