النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

صيف البحرين.. لقاء الثقافة الإنسانية الخلاق..

رابط مختصر
العدد 10348 الثلاثاء 8 أغسطس 2017 الموافق 16 ذي القعدة 1438

تمكن (صيف البحرين) 2017 بفضل جهود هيئة البحرين للثقافة والآثار الحثيثة والمستمرة والفاعلة، أن يخرس بعض الأصوات النشاز التي ترى فيه ترفًا وبعيدًا كل البعد عن هموم وحاجة المواطن الرئيسية، وهي التي تزعم (أي هذه الأصوات) بين فينة وأخرى ضرورة الثقافة وأهميتها الحضارية في كل مجتمعات العالم.
ويكفينا شر هذه الأصوات، أنها ذهبت بلؤمها وخبثها عام 2012، عبر أقلامها المسمومة والمدسوسة إلى مهاجمة فعاليات صيف البحرين التي تنظمها هيئة البحرين للثقافة والآثار، باعتبارها فعاليات جاءت في غير وقتها وتزامنت مع محاولات تعافي البحرين من المحنة الأخيرة التي مرت بها، بجانب كونها هدرًا للأموال التي بإمكان الدولة استثمارها لمشروعات وطنية أكثر أهمية من الثقافة، إضافة إلى كونها ثقافة وفنون تأتي على هامش أولويات المواطن وليست بذي علاقة مباشرة وحيوية بشؤونه واهتماماته..
هذه النظرة الضيقة والمحدودة للثقافة، تعكس مدى السطحية والعقم الفكري لمن يتبناها وينافح عنها بحمق (استثنائي)، إذ الثقافة الخلاقة تلعب دورًا كبيرًا وفاعلاً في التقريب بين الشعوب وتصلح الكثير مما أفسدته السياسة، وتسعى إلى تشكيل وعي مستنير ينبذ الطائفية ويحصن ذاته من آفات العنف والكراهية والبغض والإرهاب والتطرف..
إن الثقافة الفاعلة بجمالياتها ورؤاها الخلاقة تهيء خلايا الوعي لقراءة حصيفة للواقع وتؤسس لجيل يدرك أن أولويات أي مجتمع مستنير هي الثقافة الخلاقة التي تعتبر بلا منازع حصانة الوعي ومضمار تطوره ونمائه..
من هذا المنطلق، يتواصل (صيف البحرين) الذي دشنته هيئة البحرين للثقافة والآثار في نسخته التاسعة ليؤكد عمق ومدى أهمية التواصل بين الثقافة والشعوب، ولا يأتي لكونه مادة مسلية وترفيهية لشغل الفراغ فحسب وهدر المال العام كما يعتقد البعض..
ففي خيمة (نخول) تكون مع الشخصية الكارتونية البحرينية بحق والتي تجسد رمزًا تاريخيًا وحضاريًا عرفت البحرين منذ أزمانه القديمة والتليدة به، بجانب الألعاب والمسابقات التي تتصل وتحترم عقول الأطفال ومخيلتهم، هي بيئة إشغالية لإنتاج وتشكيل أطفال يعون دور أهمية غرس قيم المواطنة والانتماء للوطن ومدى تواصل هذه القيم مع القيم الإنسانية الرفيعة..
فهل فينا من يرفض مثل هذه الفعالية التي أبهجت أطفالنا وأخرجتهم من قمقم همومنا السياسية الفاتكة ليروا الحياة بعيون وقلوب وعقول ملؤها التفاؤل والأمل؟
ونظير هذه الفعالية، كانت هناك عروض أخرى متنوعة الاتجاهات الفنية والتراثية والأسطورية والجمالية أمتعت الأطفال والكبار، وأخذتهم إلى عوالم رائعة تقدر معنى أن يكون الإنسان حالما وأهمية أن يكون الإنسان مفكرًا بمخيلته..
هذه الفعاليات لا شك أن الأطفال والكبار تعرفوا من خلالها على الكثير من القيم الإنسانية النبيلة والرفيعة، فمن منا يرفض أن يتواصل أبناؤه مع مثل هذه القيم؟ ومن منا يرفض أن تتجانس وتتناغم كل مكونات المجتمع بمختلف أطيافها وطوائفها في مثل هذه الفعاليات التي كسرت طوق العزلة والتوجس بين أطفالنا جميعا؟ فهل هو كثير على هيئة الثقافة والآثار أن تعنى بمثل هكذا فعاليات من شأنها أن تبني وتؤسس لأجيال تتواصل وتلتقي على الحب والوئام؟ أليس ذلك أجدى من تركها نهبًا لآفات الطائفية ومآرب دعاة التطرف والإرهاب؟
إن برنامج صيف البحرين لهذا العام حافل بالفعاليات الفنية والورشية والثقافية الخلاقة، وقد اتسعت كل فضاءات الوطن لاستيعاب هذه الفعاليات التي استقطبت مختلف الجنسيات والمذاهب والأديان والمكونات الاجتماعية لتؤكد على أن البحرين واحة حب وأمن وسلام، ولتعزز من جهة أخرى مكانة البحرين الحضارية والتاريخية في خارطتنا الكونية، خاصة وأن هذا الصيف ويأتي هذا العام بالتزامن مع احتفاء هيئة البحرين للثقافة والآثار بالخصائص والمقومات الفريدة التي تميز تاريخ وثقافة وتراث المملكة الممتد عبر آلاف السنين بشعار (آثارنا إن حكت).
أما على صعيد الموسيقى، فإن صيف البحرين حفل هذا العام بالكثير من الأمسيات النوعية التي قدمتها الفرقة الأكاديمية للموسيقى العربية بقيادة المايسترو أمير عبد المجيد وقدمها الفنان الفرنسي أكسيل ما ترود المعروف ب إل غاتو نيغرو أي «القط الأسود» الذي قدم عرضًا تمازجت فيه الإيقاعات اللاتينية التي تداخلت فيها روح الحداثة وعبق الماضي والأصول الأفريقية وموسيقى الريغي، كما أسهم الفنان الفلسطيني شاهين يعقوب الفائز بلقب أراب آيدول بإحيائه حفلاً موسيقيًا حالمًا مليئًا برائحة فلسطين ونسائم مدينة بيت لحم التاريخية، واختتم صيف البحرين فعالياته الموسيقية بتقديم حفل بعنوان «تحية موسيقية لملوك تايلند» تقدم خلاله الصالة الثقافية مقاطع عزف على آلة البيانو كانت تقدم لملوك تلك البلاد.
أما على صعيد العروض المسرحية، فقد قدم صيف البحرين هذا العام عددًا من عروض الأطفال العالمية المتميزة، مستمدة من الحكايات التي يعرفها الأطفال ويحبها ويألفها، مثل الأميرة النائمة، وبعض العروض الأسطورية التي عرفت في الهند.
أضف إلى ذلك، مجموعة الوصلات موسيقية والغنائية التي قدمتها فرقة محمد بن فارس الموسيقية.
في صيف البحرين كان للفنون والثقافات حوار رائع يدعو للتسامح والحب، كان أجدى بكثير ممن يدعون إلى الحوار أو يرفضونه أن يتعلموا منه ويؤسسوا مداميك وأسافين انطلاقهم فيه منه، فهو حوار الثقافات الذي تنتعش السياحة في البحرين به وتنعش الاقتصاد الوطني من خلاله، ومع هذا الحوار لا ينبغي الحديث أو التطرق لهدر المال العام، فقليلة هي الملايين التي تسخر لبناء العقول والأذواق الرفيعة في أي مجتمع، فلماذا نحسد من يطمح بالمليارات لبناء هذه العقول، نحسده على الملايين ونتهمه بهدر المال العام؟
ولو طرقنا أبواب صرف السياح المالي من أجل حضور الفعاليات والمهرجانات الثقافية في العالم، لأدركنا كم وفرت وزارة الثقافة على الدولة من المال بإقامتها وتنظيمها لصيف البحرين الذي يجبر في كل عام قبل إقامته ثلثي المواطنين للهروب إلى الخارج بسبب لهيبه الذي لا يحتمل، والذي بسببه تنفق ملايين الأموال للسياحة في الخارج..  صيف البحرين، ليس انتصارًا للفرح فحسب كما أعلنتها ذات مهرجان معالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة الحرين للثقافة والآثار، وإنما أثبت أنه أيضًا انتصار للحوار الخلاق والمثمر بين ثقافات الشعوب في ظل فترة عصيبة مرت بها البحرين يتعذر معها استقرار وضمان التواصل مع الفعاليات، ولكن جاذبية هذا الفرح الخلاق كانت أقوى من هذه الفترة وأكثر تحديا لما يمكن أن يعيق بزوغ أو تألق هذا الفرح والحوار الخلاقين للثقافات، وكانت البحرين ملتقى ثقافات العالم، حيث اختصر جمهور الثقافة كل المسافات فيها..
فليستمر فعل الثقافة الخلاق، ليس في صيف البحرين فحسب، وإنما في كل المواسم، فمعه نكون في كون المستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها