النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11563 الجمعة 4 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مطارحات

نسأل الله حسن العاقبة.. طوفان الدجل والمكر الفكري!

رابط مختصر
العدد 10347 الإثنين 7 أغسطس 2017 الموافق 15 ذي القعدة 1438

تلبستني فكرة، وأنا أتابع ما يكتب في أعمدة الصحافة العربية، مفادها أن من يكتب هو (ضميرنا المستتر) إن صح التعبير. أو هو ضميرنا الغائب على الأرجح، فلكل واحد منا ضميره المستتر الذي يحركه وينوب عنه، ليس في الكتابة فحسب، بل حتى في الحفلات و(العزائم) وتبادل الأحاديث..
فلا أحد تقريبًا يكتب بنفسه، قد يفكر بـ(نفسه)، نعم، ولكنه لا يكتب إلا بالضمير المستتر.. وهذا الضمير قد يكون تقديره نحن أو أنت (الآخر) أو أنتم أو هم أو هي، ولكنه لا يكون أبدا هو نفسه، هو ذاته.. فالصحفي الناصري لا يجد ضميره الغائب أي حرج في الدفاع عن كامب ديفيد!! وكاتب العمود الماركسي يتعاطف ضميره المستتر مع الأصولية المسيحية، والكاتب المتدين قد لا يرى ضميره المستتر أي مشكل في الكشف الركيك عن أصوله الماجنة. والكاتب الليبرالي قد لا يجد أي مندوحة في التعبير عن مواقف محافظة معادية للمرأة وللحرية، وهكذا...
لا نتحدث هنا عن باعة الكلمة بالشبر والذراع والكراع، فمثل هؤلاء التجار موجودون في كل الدنيا، والكتابة بضاعة قد تباع وتشترى. والقبض قد يكون بالدينار او بالدولار او بالاسترليني او مقابل دجاجة او شدة بيض او حتى مقابل
ضفدع..!! وانما نتحدث عن حالة نفسية عقلية هي اقرب إلى المرض المركب لا ينفع معها إلا الكي!
فإذا كانت السياسة هي فن إدارة (اللحظة) فلا عيب في أن يكون لكل واحد منا رأيه و(سياسته) ولكن السياسة لها وجهان: وجه يعني الوعي والتقدم ومحاولة الإسهام في كل ما هو حضاري وإنساني، ووجه يسوده التلون والاضطراب وعدم الثبات والمرض.
وانطلاقًا من المعنى الأول يكون الكاتب المثقف فاعلا في السياسة متفاعلاً معها مؤثرًا فيها... لذلك لا يمكن نفي (السياسي) في كل ما هو ثقافي، كذلك (اللحظة) ما دامت تحمل بذور المستقبل والجمع بين ما هو حضاري في السياسة وما هو مستقبلي في (اللحظة)، وتلك ميزة العقول الكبيرة التي تعاني فقط من أجل وطنها أو من اجل الأمة أو الإنسانية او القيم العظيمية.. العقول الصادقة التي ارتبطت بأهداف الإنسانية وبحركة التاريخ، ولذلك فاللحظة الراهنة بتعقدها وعنفها وتشابك خطوطها واشتباك مفاهيمها وتناقضاتها وغرائبها اللامعقولة لا يفيد معها التلاعب بالألفاظ وتحريك الضمائر المستترة.. والتستر بشعار (أكل العيش) أو مجاراة الأشياء - مهما كانت مغرية وخداعة - لأن من كان هذا شعاره فليكتب في فن التواشيح وأخبار الراقصات، وبائعات الهوى وبائعي اللبن الرائب، أو فلينشد السلامة في الكتابة في أخبار الرياضة أو الديكور (مع احترامي الكبير للرياضيين والصحفيين الرياضيين والديكورين).. وليدع أعمدة الرأي والفكر لغيره لأنها لا تليق به ولا يليق بها.
هذا الصنف من المثقفين، من باعة المواقف الذين يقفون في مواجهة الأزمات القاتلة المتعلقة بمصيرنا المهدور متسترين بالخطاب الخشبي البائس، وبأحاديث الديمقراطية الزائفة، لا يخجلون من ترديد خطابات التسويق للشرق الأوسط الكبير والصغير والديمقراطية المستوردة في علب مغلفة بالسيلوفان، والمستعدين للتخابر مع الخارج لبناء نوع معيب من الشراكات في مواجهة استقلال القرار الوطني والقومي، هؤلاء، بما يمتلكون من استعدادات متضاربة قابلون للتلون والانتقال في المواقف باسم الحاجة حينًا، وباسم الأمن الذاتي حينًا آخر، وبسبب ضعف في الموهبة والإمكانات والفكر الحر غالبًا، هم من مصادر أزمة الأمة وكوارها.
ولا يعني ذلك أنهم أمام خيار واحد يتخلص في المعارضة المطلقة لكل ما هو خاطئ في حياتنا، فالكثير من المعارضين في هذا المجال يكونون أبناء لحظتهم وراهنهم والكثير من المثقفين الرسميين، عبر العصور كانوا محملين ببذور المستقبل وبالمواقف المشرفة المنحازة للوطن وللمستقبل وللأمة.
أما مشعوذو الفكر والسياسة فاعتقد أن الدنيا بدونهم وبدون أسمائهم وأعمدتهم سوف تكون أكثر نقاءً. واعتقد أن مملكة الكتابة سوف تكون أكثر قابلية للتطور إذا اختفت منها بعض تلك الأصوات والوجوه والأقلام، لان (الحس العام)، بات يفهم أكثر منهم، يعي أكثر منهم، ينحاز إلى ما هو أقرب إلى روح الأمة بشكل غريزي.. أما الذين ينظرون إلى المستقبل فهم الذين يؤمنون بأن الأمة تريد الحياة، ولن تستسلم للعدم والتآمر الخارجي، ولا يهادنون ولا يتضعون حتى وان أدى ذلك إلى السير على خطى أحمد بن حنبل أو غاليلي.
إن الأفكار التي يقع الاستيلاء عليها في وضح النهار بقوة مسلحة... مجلات الثقافة وصفحات الإعلان التي تمحو الشعر وتجعله في آخر الطابور. الكتاب الذين ينزعجون من النقد وويستعذبون من كتب هايدجر أو لوكاتش أو عبد القاهر الجرجاني. المقالات التي لا فرق بين أن تقرأها وألا تقرأها وبين ألا تقرأها وأن تقرأها.... جميعها.... كلها.... بعضها، وجوه من مأساة القراءة الكتابة عندنا... وهي مأساة وجود أولاً وأخيرًا.... ولذلك فغننا أمام طوفان الدجل والمكر الفكري والكتابي لا نتملك إلا ان نسأل الله حسن العاقبة، ولا نمتلك أيضا إلا ان نقول لمشعوذي الفكر وباعة الأفكار البالية البليدة بالمتر المربع: إن الأرض سوف تستمر في الدوران، والتاريخ لن يتوقف، في النهاية، عند باعة الكلمة بالشبر والمتر والذراع.

همس
كم هو حزين رواق الأورام
يقف في آخره الاثنان...
واحد بنصف رئة
والثاني بلا قولون.
يتساءلان: متى الرحيل؟
يبتسم المغني بلا مبالاة:
الليلة يا صديقي يغادر القطار في رحلته الأخيرة.
وفي سؤاله الأخير: وأي لحن أعزف في غيابك يا رفيقي؟
بائع الياسمين يهجس: وهل يضر السلخ بعد الذبح يا صديقي؟
يعزف العازف لحنه الأخير: «ذيب بين نيوبه دم أخوتي وصحابي».
ومع رجع اللحن يغادر القطار محطته الأخيرة.
والليل منشد لحنه الحزين:
«لغز الحياة وحيرة الألباب»!
يصفق طائر الخطاف طربًا
والغراب القميء يردد: «أن يستحيل الفكر محض تراب»..
ويبقى الرواق منتظرًا عواده الجدد في بداية الرواق.
طابور الليل الطويل يطوي صرخته الأخيرة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها