النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

أجمـل أيــام العمــر

رابط مختصر
العدد 10343 الخميس 3 أغسطس 2017 الموافق 11 ذي القعدة 1438

لا يعرف نعمة الشباب إلا الشيوخ، والذين كتبوا عن هذه المرحلة الجميلة من العمر وتغنوا بها وعددوا محاسنها، هم من تجاوزوا هذه المرحلة ووصلوا إلى خريف العمر وأرذله. الشباب في لهو وغنى عن فهم ربيع العمر وتفسيره. وفي وصف الشباب قالت العرب: (الشباب باكورة الحياة، وأطيب العيش أوائله كما أن أطيب الثمار بواكيرها، وما بكت العرب على شيء كما بكت على الشباب، وما بكى الشعراء من شيء كما بكوا من المشيب). 

الشعراء العرب بدورهم أكثروا من الشعر في هذا الحقل لما فيه من مفارقات ودهشة وجودية بعيدة المدى وغامضة، تلك الدهشة التي شغلت الفلاسفة والأدباء، واستحوذت على اهتمامهم قرونا طويلة، لا عجب بعد ذلك من اهتمام العرب الزائد بهذه المرحلة العذبة من العمر. ولا عجب أيضًا إن كتبوا في ذلك أجمل الأشعار وأروعها. لكنهم أيضا كتبوا عن الشباب في الشيخوخة. 

لم يتنبه الشعراء الى عذوبة الشباب في حينه، بل بعد أن انقضى ورحل وحلت لعنة الشيخوخة مكانه، وما أكبر المسافة بين الشباب والشيخوخة. وكان الشعراء العرب يتحسرون على الشباب حد البكاء، وفي ذلك قال المتنبي: 

ولقد بكيت على الشباب ولمتي

مسودة ولماء وجهي رونق

حذرا عليه قبل يوم فراقه حتى

لكدت بدمع جفني أشرق 

إنها الغصة واللوعة والألم من فراق الشباب، المتنبي يتذكر هنا سواد لمته التي اكتست بالبياض في الشيخوخة بعد أن كانت مثل سواد الليل، واللمة هي شعر الرأس من جهة الأذن. 

 لكن الشعراء ليسوا وحدهم متيمون بالشباب، فالبشر يشاركونهم في ذلك نساء ورجالاً، كما يحفظ الناس والشيوخ منهم على وجه التحديد الأشعار التي قيلت فيه ويحبونها، وما ولعهم بشعر الشباب إلا رغبة جامحة لديهم للعودة إليه والارتواء من نبعه. وكان في حارتنا شيخ طاعن في السن من بحارة الغوص على اللؤلؤ يبكي إذا سمع أغاني الغوص حتى يغمره النشيج. هذا الشيخ كان يبكي على شبابه. 

وكم يلذ لنا أن نتحدث نحن الشيوخ عن أيام وحكايا ذلك العمر البهيج مع أقراننا وأصدقائنا الذين شاركونا هذه المرحلة. 

أحد الشعراء العرب القدامى اعتبر زوال الشباب كارثة مؤلمة ومفجعة في حياته فقال: 

أأفجع بالشباب ولا أعزى لقد غفل المعزي عن مصابي 

ويا له من مصاب أليم. شبه هذا الشاعر أفول شمس الشباب، بزوال العمر، فالإنسان يعزى في حالة فقد القريب أو العزيز أوالصديق، الشاعر العربي هنا يدعونا لتعزية الشيوخ بموت الشباب ونهايته وهو يبدي دهشته لأن الناس لم يعزوه على رحيل شبابه. وأكثر أشعار الشباب شهرة هو ذلك البيت الذي يعرفه الجميع: 

فيا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب 

وهذا البيت للشاعر أبو العتاهية. لكن ماذا تفعل الشيخوخة بالبشر؟ تتراكم في هذا العمر مجموعة كبيرة من الأمراض نعرفها جميعا، وهي تحرمنا من ملذات الحياة ومباهجها الكثيرة. 

والأمراض كالشيب، كلاهما من رسل النهاية، وبعض هذه الأمراض تأتي مصحوبة بالآلام الجمة وبعضها الآخر يهدد حياتنا، والشيوخ عادة يكثرون من الشكوى لفرط أوجاعهم التي تكثر في الشيخوخة وفي ذلك قالت العرب: (من بلغ السبعين اشتكى من غير علة) وهناك مثل بلغاري يقول: (لا تسأل الشيخ عن المكان الذي يؤلمه، بل عن المكان الذي لا يؤلمه). وفي هذا السن تزول أهم متع الحياة وأحيانًا تنطفئ، الجسد يفقد نسبة كبيرة من قدراته، القلب معرض لانسداد الشرايين التي تضيق وتتصلب، العظام تصبح هشة، العضلات تصاب بالضمور، النظر يكل والسمع يضعف، الأسنان تفقد بريقها وقد تتساقط، وكذلك العين التي تضعف بدورها ويختفي وهجها. 

أمور كثيرة تتغير في الجسد والروح، ففي هذا العمر يبدأ اكتئاب الشيخوخة، ويتضاعف التفكير في النهاية. حريتنا في الطعام تقل كثيرًا، ونكثر في هذا العمر من زيارة العيادات الطبية، فيما يبدأ التشاؤم يطل علينا معظم الوقت. ويحضرني هنا مثل بحريني قديم يقول: (إن خطاك البين ما خطاك الكبر) الحكمة الشعبية هنا تشبه الكبر بالبين وهو الموت، والمعنى واضح في هذا المثل فنحن في هذا العمر احياء وموتى، وموتى أحياء. فهل نعجب بعد ذلك إذا بكينا أو تحسرنا على الشباب، وأيامه السعيدة؟ والمفارقة الكبيرة هنا أن الإنسان يشيخ ويكبر، لكن قلبه يظل في ريعان الشباب، فالقلب يحب كل جميل كما يقال وحتى آخر العمر، القلب هو آخر الأعضاء التي تستسلم للشيخوخة، وهنا يتشكل عذاب الإنسان في هذا العمر بين رغباته الجموحة الشابة وجسده الشائخ المنهك المتهالك. يقول أحد الشعراء في هذا الخصوص: 

عمري بروحي لا بعد سنين 

فالأسخرن غدا من التسعين 

عمري الى السبعين يجري مسرعا

والروح ثابتة على العشرين 

ونظل نحن نحب الدنيا ونعشق مباهجها حتى اللحظة الأخيرة، وشعورنا بأننا على حافة العمر يضاعف رغبتنا فيها، إنها الرشفة الأخيرة من كأس الحياة، وهي في اعتقادنا الأكثر متعة. وهنا واحد من الشعراء الشيوخ يودع الشباب بأسى قائلاً:

سلام عليك زمان الشباب

ربيع الحياة بآذارها

لأنت مخفف أحزانها

وأنت مسوغ أكدارها

ولولا الشباب وذكرى الشباب

لعاش الفتى عمره كارها

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها