النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

صفحات من كتاب سيئات يوليو

رابط مختصر
العدد 10342 الأربعاء 2 أغسطس 2017 الموافق 10 ذي القعدة 1438

كما هى العادة في مثل هذه الأيام من كل عام، فقد استقبل خصوم ثورة 23 يوليو 1952، العيد الخامس والستين لها، بتذكير الأجيال الجديدة من المصريين والعرب، بما ارتكبته هذه الثورة من أخطاء وخطايا في حقهم وحق أسلافهم، مؤكدة لهم بأنه لولا هذا اليوم الأسود والمشئوم في تاريخ الأمة، لما عانت من بعض ما تعانيه اليوم من مشاكل وأزمات وخلافات يصعب حصرها، أو الخروج منها، أو التغلب على آثارها.

من بين الأخطاء التي حرص هؤلاء على استخراجها من قائمة سيئات ثورة يوليو 1952 التاريخية، القرار «الأهوج» الذي أصدره «جمال عبد الناصر» - في 26 يوليو 1956 - بتأميم شركة قناة السويس، إذ هو في - رأيهم - نموذج للقرارات المتسرعة وغير المدروسة، التي لم يكن هناك مبرر لصدورها في التوقيت الذي صدرت فيه، إذ لم يكن قد تبقى على مدة امتياز الإدارة الذي حصلت عليه شركة قناة السويس - وهى 99 سنة - سوى اثنتى عشرة عاما فقط، تعود بعدها القناة - في عام 1968 - إلى أصحابها، من دون أن تتكبد مصر، الأثمان الفادحة التى تكبدتها بسبب المغامرة بإصدار قرار التأميم، وهى أثمان لا تزال تدفعها حتى اليوم، وعلى رأسها هزيمة 1956، التى استغلتها إسرائيل، للحصول على مكاسب سياسية وعسكرية، كان من بينها موافقة مصر على وضع قوات طوارئ دولية على الحدود بين البلدين، والسماح للسفن الإسرائيلية بالمرور في خليج العقبة، وهى المكاسب التى حاولت مصر عام 1967 - أى بعد أحد عشر عاما من هذا التاريخ - أن تستردها، فأسفرت المحاولة عن نكسة أخرى، أتاحت لإسرائيل أن تضاعف مكاسبها، وأن تحتل ما تبقى من فلسطين، فضلا عن أقسام من دولتين عربيتين هما مصر وسوريا، وأن تصر على ألا تجلو عنهما، إلا إذا اعترف بها العرب مجتمعون، كإحدى دول المنطقة، وأقاموا معها علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية متكاملة.

وليس فيما يقوله هؤلاء - هذه الأيام - جديد يختلف عما قاله أسلافهم في أعقاب صدور قرار تأميم القناة، وظلوا يكررونه بإلحاح في أعقاب عدوان 1956، على الرغم من الحقائق التاريخية التى تؤكد أن شركة قناة السويس لم يكن في نيتها أن تتخلى عن الامتياز في عام 1968، بدليل أنها حاولت في عام 1910 أن تمدده لفترة أخرى، لولا أن تصدت لها الحركة الوطنية المصرية، بقيادة الزعيم «محمد فريد» مما اضطرها لإيقاف المحاولة، فضلا عن أن الشركة لم تكن قد اتخذت أية إجراءات تدل على استعدادها لتسليم القناة لأصحابها عند انقضاء مدة الامتياز، إذ حرصت الإدارة الأجنبية على حرمان المصريين من تولى المراكز القيادية - الإدارية والفنية - لتظل احتكارا لهم، وحتى يعجز المصريون عن إدارتها حين يحل موعد تسلمهم لها، وهو ما تأكد - بعد التأميم - حين أوعزت إدارة الشركة، إلى المرشدين الأجانب بالانسحاب من العمل، لتكتشف الإدارة المصرية، أنه ليس لديها مصرى واحد، يمكنه أن يتولى إرشاد السفن المارة في القناة، ولولا أنها استعانت بمرشدين ينتمون إلى دول صديقة، وقدمت حوافز مالية ضخمة لآخرين، لحققت مؤامرة انسحاب المرشدين هدفها، وأكدت زعم الشركة المؤممة، بأن مصر عاجزة عن إدارة القناة، وأن قرار التأميم، سوف يضر بالمصالح الاقتصادية لدول العالم، وأنه لا حل إلا بتسليم إدارة القناة إلى هيئة تمثل الدول التى تنتفع بها.

مشكلة الذين لا يكفون عن تقليب صفحات كتاب سيئات يوليو 1952، أنهم يخلطون بين ما هو «ذاتي» وما هو «موضوعي» وبين ما هو «شخصي» وما هو «وطني»، إذ من البديهى أن يكون لثورة يوليو 1952 - ككل ظاهرة تاريخية - أعداء وكارهون، أضرت - في مرحلة من مراحل تطورها - بهم أو مست مصالحهم، أو صادرت حريتهم، أو أجلتهم عن الساحة السياسية، لكن ذلك ليس مبررا يحول بين هؤلاء وبين تأييد بعض ما اتخذته من قرارات، تحقق أحلاما وطنية ظلت الأجيال تتوارثها، ومن بينها حلم تأميم قناة السويس.

وهؤلاء يذكروني بالأزمة النفسية التى عاناها «عيسى الدباغ» - بطل رواية «السمان والخريف» التى كتبها «نجيب محفوظ» وتحولت إلى فيلم سينمائى قام ببطولته «محمود مرسي» و«نادية لطفي» - إذ كان أحد شباب حزب «الوفد» اللامعين، الذين شاركوا في الكفاح ضد الاحتلال البريطاني، ثم وجد نفسه - بعد ثورة يوليو يفصل من عمله، ويقصى عن الساحة السياسية، مما جعله يشعر بكراهية شديدة لها، ظلت تناوشه سنوات إلى أن صدر قرار بتأميم القناة، فأنقذه من مشاعره السلبية تجاه الثورة، بعد أن حققت أحد أهم الشعارات التى كان جيله من الشباب يحلم بها. إلى أن ضبط نفسه، بعد تصاعد الأزمة التي ترتبت على قرار التأميم، إلى أن وصلت إلى عدوان 1956 بتمنى أن ينتصر الغزاة، وأن ينهزم الثوار، ليعود الحزب الذي ينتمي إليه إلى السلطة، حتى لو أسفر هذا عن عودة جنود الاحتلال البريطاني إلى قاعدة قناة السويس، وإلى عودة القناة نفسها إلى إدارة هيئة المنتفعين، وليس إلى أصحابها الأصليين.

ولو عاش «عيسى الدباغ» إلى اليوم، لتذكر أن قرار تأميم السويس، كان بداية للمسيرة التي أنهت تأميم كل الثروات النفطية العربية، التى عادت لأصحابها، ولا لكشف أن المكان الذي يستحقه هذا القرار هو صفحات من كتاب أمجاد الثورة، التي كانت - كما قال الشاعر العراقي الراحل «محمد مهدى الجواهرى» - عظيمة المجد عظيمة الأخطاء وليس صفحات من كتاب سيئات يوليو التي لم يكن من بينها أنها أعادت بترول العرب للعرب!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها