النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

على نفسها جنت براقش!

رابط مختصر
العدد 10342 الأربعاء 2 أغسطس 2017 الموافق 10 ذي القعدة 1438

 المقاطعة إجراء سياسي ودبلوماسي سيادي اتخذته الدول الأربع الداعية إلى مكافحة الإرهاب إزاء دولة قطر. هذه الدولة التي أصبحت تشكل أرقًا مزمنًا لتوفيرها الدعم المادي والملاذ الآمن للإرهابيين الذين يأتون إليها من كل حدب وصوب. ودع عنك فذلكات الخارجية القطرية، وبكائيات إعلام الإخونجية، فإن هذا الإجراء لا يتعارض مع القوانين الدولية. كما أن صحة الإجراء وقانونيته لا تؤثر فيه مزاعم الحكومة القطرية وأقاويلها حتى لو أسمته حصارًا! فهذه التسمية ما هي إلا تخريجة إعلامية «جزيرية» إخونجية الهدف منها استدرار عطف الدول وتسوّل شيء من تعاطف الشعوب. هذا في ما يخص الاشتباك المفاهيمي الذي دسه الإعلام القطري عامدًا، لخلط الأوراق طلبًا للتأثير في قرار دول التحالف الأربع.

 الدول الأربع وجدت نفسها، واقعًا، مرغمة على اتخاذ إجراء كهذا، بعد أن استنفذت أشكالاً عدة من الصبر... ليس صبر أيوب إلا واحدًا من ألوانها! ومن ثم جربت مع هذه الدولة الشاذة في علاقاتها مع محيطها الخليجي، وخصوصا البحرين والسعودية والإمارات، الحوار أسلوبًا حضاريًا للتغلب على «تسونامي» السلوكيات السياسية المعادية التي انتهجها كل من حمد بن خليفة وحمد بن جاسم قبل اعتزالهما سلطة القرار السياسي، وخصوصا في ذروة ما سمي بـ «الربيع العربي»، حيث أمعن الحمدان بالتورط في أكثر من بلد، وقد كانت بعض دول مجلس التعاون مجالاً لمغامراتهما ومؤامراتهما! 

 لقد أدركت الدول الخليجية الثلاث منذ وقت بعيد حجم التلاعب القطري، واختارت الحوار في إطار أخوي جامع هو مجلس التعاون، إيمانا منها بأهمية هذه الحاضنة الخليجية في حل مختلف المشكلات المعكرة صفوة أخوة بناها التاريخ وثبتتها الجغرافيا، وكان متأملا من هذا الحوار كل الخير، إذ توج بتوقيع اتفاقية في الرياض مع الأمير الجديد في عام 2013 وأخرى تكميلية في عام 2014، تعهدت قطر بموجبها بأن تحترم ضوابط الانتماء إلى منظومة مجلس التعاون، بألا تخل بمصالح الدول الخليجية وأمنها. ولكن سرعان ما عادت «حليمة لعادتها القديمة»، عادت الحكومة القطرية إلى ممارسة مراهقتها السياسية التي يمكن اعتبارها متناسبة ومتوافقة مع تنظيم الحمدين الذي يظهر يومًا بعد يوم إصرارًا آثمًا على العودة إلى السلطة، ولكنها بالتأكيد لا تناسب قطر كدولة، لا مكانة ولا حجما ولا صيتا في التاريخ! 

 الدول الأربع، التي أخذت على عاتقها التصدي لإرهاب قطر ومخططاتها في تقويض استقرار المنطقة، عادت تتسلح بالصبر مرة أخرى عسى أن تثوب الحكومة القطرية إلى رشدها وتقرن تصرفاتها بالمنطق والعقل وتكف عن شيطانية تدخلاتها في الشؤون الداخلية لهذه الدول وغيرها من الدول العربية، وتضع حدًا لإعلامها الشقي المتخصص في زرع الفتن وترويجها سموما إخبارية موجهة في البلدان العربية كلها. ولكن صبر الدول الخليجية الثلاث لم يكن صبر أيوب هذه المرة، إذ عبرت عن نفاذه بإصدارها بيان قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية في يونيو الماضي، وطلبت إيمانًا منها بأن أبواب الصلح لم توصد بشكل نهائي إنفاذ مجموعة من الخطوات الكفيلة بتصحيح الأوضاع، فكان بيان قطع العلاقات مضمنًا بمجموعة من الإجراءات العملية الهادفة إلى تحسيس القيادة القطرية بخطورة تلاعبها بالأمن الإقليمي، فحضرت المتاجرة معها وأغلقت المنافذ الواصلة بين الدول الخليجية الثلاث لتوضح للقيادة القطرية أن لا مجال حيوي لقطر إلا من خلال جيرانها وأشقائها لو احترمت تلك القيادة مثل هذين الرابطين. هذا باختصار سبب الأزمة التي أظهرت للعلن تلاعب القيادة القطرية وأبرزت مدى حكمة الدول الأربع في إدارة هذه الأزمة، وهي الأزمة ذاتها التي دفعت رؤساء دول كبرى ووزراء خارجية في عدد من الدول يتقاطر إلى المنطقة سعيا إلى التوسط في حل، إيمانا منهم بأن الدول الأربع تكاد تكون من العالم رئتاه، وبأن في استمرار هذه الأزمة أذى اقتصاديًا وسياسيًا عاجلاً وآجلاً. 

 الأزمة منذ تفجرها طالت واستطالت، حتى غدا السؤال المطروح اليوم: هل ثمة حل ممكن يلوح في الأفق؟ المحللون والمتابعون لما يصدر عن الحكومة القطرية، وتصريحات مسؤوليها وإعلامها لا يأملون خيرًا، فكل الدلائل تشير إلى مزيد من التعقيد، الأمر الذي سيبقى الوضع مثلما هو عليه، هذا إذا لم يضاعفه إلى آفاق لا تحمد عقباها. والحقيقة أن بقاء الوضع كما هو، في ظني، ليس فيه ما يقلق الدول الأربع، وإنما الخشية كل الخشية أن يستغل الحمدان، اللذان غدا حضورهما في المشهد السياسي بارزًا، هذا الواقع الساكن لتأليب شعب قطر على أشقائه في الدول الخليجية الأخرى، وذلك عن طريق تشغيل ماكنية الإعلام، وخصوصا قناة الجزيرة التي خبرا ما لها من قدرات على زرع الفتن وتأجيج نيران العداوات الموهومة لتحويلها إلى سرطان فتاك يأتي على الأخضر قبل اليابس في ما جاهدت الدبلوماسيات في إقامته من علاقات وأواصر. ولا أحسب أن ما يتداول في وسائل التواصل الاجتماعي إلا جزءًا يسيرًا مما يرغب الحمدان في تعميمه انطلاقا من أحقاد شخصية تجاه دول مجلس التعاون تبيناها من التسجيلات الصوتية التي ظهرت لتفضح الاثنين معًا.

 كراهية الحمدين للدول الأربع المتحالفة ضد الإرهاب بينة لا يستطيع إعلام قطر كله إخفاءها ولو سخرت كل أموال الغاز لذلك فلن تنجح في حجبها، وتتجلى هذه الكراهية في سهولة النطق بالعداء وسيولته لدول خليجية بعينها. هذه الكراهية أخذت منحيين، الأول في طريقة دفاع الحكومة القطرية عن سياساتها ولجوئها إلى التعريض بالدول الأربع، والثاني في السعي إلى خلق حالة عداء لدى الشعب القطري ضد هذه الدول، ولعل زعمهم بمنع القطريين من أداء فريضة الحج الذي أعلن عنه قبل يومين أكثر الشواهد وضوحا في مكر مسلك الحمدين الذي لا يعادله مكر فيما سعى إليه إلا مكر دولة الولي الفقيه في تجييشها ضد المملكة، خادمة الحرمين الشريفين.

 لم يتمنَ أحد من المحبين لبقاء دول مجلس التعاون متماسكة، لتكون سندًا عمليًا لباقي الدول العربية، أن تصل علاقات دوله إلى هذا الدرك من المستوى المتدني في العلاقات البينية مع قطر، خاصة وأنه إلى حدود ظهور الأزمة يكاد يكون المثال العربي الأوحد لنجاح تكتل إقليمي يضاهي في قوته وتماسكه ما بلغته منظومة دول الاتحاد الأوروبي من تماسك، ولكن هذا ما أرادت قطر أن يحدث شرخا وانفصاما وإفسادا وعمالة لجهات أجنبية لا يروق لها ولا لمصالحها وحساباتها الاستراتيجية قيام تكتل خليجي اندماجي، غير أن ما حدث وإن آلمنا وجدانيا فإنه لا ينبغي أن ينسي قطر المثل القائل: «على نفسها جنت براقش»، فلا متضرر مما حدث إلا هي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها