النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

الديمقراطية.. الفكر والممارسة تجديد الحياة السياسية

رابط مختصر
العدد 10342 الأربعاء 2 أغسطس 2017 الموافق 10 ذي القعدة 1438

في ضوء الورطة التي أوقعتنا فيها الجماعات السياسية الطائفية والتابعة لنسق وآليات المنطق الطائفي، تعرض المجتمع السياسي إلى هزة كبيرة، فقد على إثرها توازنه، وقدرته على الفعل. وها هو اليوم يبحث عن نقطة بداية جديدة بعد هول الكارثة التي تستهدف فيها تلك الجماعات الانقلابية. حيث لم تكن محاولة انقلابها تمس السلطة الشرعية القائمة فحسب، وانما مسّت بشكل واضح ثوابت المجتمع العميقة التي أرسى عليها توازنه. كما مست المشروع الإصلاحي نفسه الذي جاء لينهض بالمجتمع السياسي، ويفتح له افاق التطور والمشاركة.

وبهذا المعنى كانت محاولة الانقلاب كارثة بأتم معنى الكلمة لم تدرك تلك الجماعات مداها. ولذلك فإن أكثر الاستنتاجات بداهة، هو ألا يعاد بناء المجتمع السياسي بنفس الوجوه الكئيبة، التي كانت وراء الكارثة. ولا ضمن نفس الفكر - إن كان هنالك فكر أصلاً - ولا ضمن نفس النسق وآليات العمل. لأنها في حال عودتها - وإن بثوب جديد - فإنه من المرجّح أن تعيد انتاج الأزمات، والمجتمع لم يعد يتحمّل مثل المزيد منها.

ولا داعي هنا إلى العودة إلى الممارسات الخاطئة التي كانت وراء هذه الحالة الرثة التي وصلنا إليها في الفكر والممارسة، فقد سبق تفصيلها في عدة مقالات. وإنما وقبل السعي إلى البحث عن أفق لمرحة جديدة من العمل السياسي الوطني المدني، نحاول تشخيص الأسباب الموضوعية التي كانت وراء فشل المجتمع السياسي في استيعاب وتطوير وتفعيل التجربة الديمقراطية على الأرض. والعمل على استنباتها ورعايتها حتى تنمو ضمن أفق مدني وطني عقلاني متوازن:

أولاً: هيمنة الفكر الديني الطائفي الذي قام بابتلاع المجتمع السياسي. إلى درجة اننا في لحظة من اللحظات اكتشفنا انه لا حياة سياسية ولا انتخابات، ولا فرصة للفوز بمقعد نيابي، إلا من خلال مباركة الجماعات الدينية الطائفية تحديدًا. وأدى ذلك إلى تواري وتراجع العمل المدني وضموره. والأخطر من ذلك أن الجماعات الصغيرة المحسوبة على الحداثة والتقدمية (نظريًا)، سريعًا ما تم ابتلاعها من القوى الطائفية. وأصبحت ناطقًا رسميًا باسمها تكتب بياناتها وأوراقها. وقد يكون قانون الجمعيات السياسية بصورته الحالية في حاجة إلى مراجعة عميقة، تمنع في المستقبل تحكم التيارات الدنية في المجتمع السياسي، وحدوث مثل هذا الابتلاع والاستغلال للدين وتوظيف الطائفة في العمل السياسي. بحيث يعاد الترخيص على أسس مدنية خالصة ودقيقة لا تسمح مطلقًا بنشأة أحزاب طائفية لجماعات مغلقة في المكان والزمان. والفصل التام بين العمل السياسي والنشاط الديني.

ثانيًا: ضعف الخبرة السياسية للوجوه التي وجدت نفسها متصدّرة للمشهد السياسي، وهي لم تقرأ سطرًا واحدًا في الفكر الديمقراطي. ولا في الحداثة والقانون والمجتمع المدني، فضلاً عن كونها مغلقة ولا تؤمن بالحرية وبحقوق الإنسان في بعدها الإنساني الواسع. فكل ما تمتلكه هو سلطتها الدينية أو صفتها الطائفية فقط. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تعجز عن قيادة المجتمع السياسي بشكل عقلاني وإيجابي أو أن تفهم حركة التاريخ. بل كان من المتوقع أن تتورط في الاختزال والتسطيح والاستعجال. وقد شجعها على ذلك أمران: الفراغ السياسي المدني في الساحة، وقدرتها على تجييش الجمهور بلغة التحريض والتأزيم استنادًا إلى معطيات طائفية، لا إلى برنامج سياسي وطني عقلاني قبال للتنفيذ.

ولذلك نعتقد بضرورة التخلص ديمقراطيًا من هذه القيادات التي أثبتت فشلها في قيادة الجمعيات، وقامت بتوريطها، ودفعت بها إلى مغامرة مظلمة. فالحاجة ماسة لتجديد صفوفها، بكوادر وعناصر أكثر كفاءة، وخبرة وإخلاصًا للفكرة الديمقراطية. وأكثر وعيًا بطبيعة المرحلة وبالتهديدات والتحديات التي تواجهها البلاد.

ثالثًا: الانسياق وراء موجة ما سمي بالربيع العربي، من دون أي إدراك او وعي بالفوارق بين أوضاع البلدان العربية. ومن دون الانتباه الواعي والعاقل إلى أن البحرين كانت قد سبقت هذه الموجة بنحو عشر سنوات، بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة، وأنها تعيش تجربة ديمقراطية وليدة في حاجة إلى دعم وإلى صبر وأناة لتتطور بشكل تدريجي من دون هزات. وأن الموقف التقدمي الحقيقي - بمنطق التاريخ والسياسة - كان يقتضي الوقوف مع تلك الإصلاحات الى آخر رمق. ولكن للأسف انساقت هذه الجماعات - بيسارها ويمينها الطائفي - وراء اللعبة الأمريكية التي كان يتم تنفيذها بتوجيه وقيادة معلومة في أكثر من بلد عربي، لإعادة رسم الخارطة في اهذه الأوطان. لتتحول إلى دول طوائف متقاتلة. فكانت شهوة السلطة والتلويح بأنها في متناول اليد هي الطعم. والمنصات الإعلامية والسياسية الإيرانية التي تلتقي مصلحتها مع تدمير وتقسيم الوطن العربي وإضعافه، وقودًا لهذه الفوضى. ولذلك وجب في أي محاولة جديدة لإحياء المجتمع السياسي، التأكيد على تجريم التعامل مع الأجنبي أو التخابر معه أو التنسيق معه بأي صورة من الصور، بما في ذلك التعامل مع السفارات.

رابعًا: يضاف إلى ما تقدم عوامل وأسباب عميقة أخرى غير خافية، ترتبط بضعف الثقافة الديمقراطية، بما ينتهي إلى ان الديمقراطية - ضمن أفق الإسلام السياسي والانقلابية الطائفية - بعيدة عن شروط الاجتماع البشري والشراكة السياسية ومدنية الدولة التي لا مجال فيها لتحكم رجال الدين المقدسين الذي يتحكمون في الحياة السياسية. وتقسيم المجتمع إلى جماعة إيمانية وجماعة غير إيمانية فصرنا أمام وضع تسلط «مقدس» يعد نقده جريمة، تساوي الردة، والخروج عليه يحتم الرجم والقتل والنفي والتغريب.

إن الفكرة الديمقراطية ظلت مجرد قشرة خارجية يتم توظيفها، والقوى السياسية - الدينية المنظمة هي وحدها التي استطاعت في غمرة الأحداث التحكم باللعبة وإفراغها من أي محتوى حقيقي، لأنها في الجوهر والفعل، ضد الحرية وضد الحداثة، فقد اختطفت الحرية وتكلمت باسمها. واختطفت الحراك السياسي. تمامًا مثلما حدث في إيران الخمينية. كما أن النفاق الغربي (الذي يترجم من خلاله مصالحه ومخططاته) لم يتردد في التحالف مع التيارات الدينية الطائفية وأوكل لها عملية (التغيير) ومنحها دليل الاستخدام الديمقراطي، حتى تتمكن من أداء المسرحية الديمقراطية التي رأينا بعض فصولها الهزلية السوداء. فالمشكلة إذن سياسية وفكرية في ذات الوقت، فالذي يحكم الفضاء السياسي في ظل تحكم الإسلام السياسي، هو فكر الأمر والطاعة. وليس العقل الحر المستنير. فكر إعادة انتاج مشروع الحفظ والتكرار والنمطية والخوف من طرح الاسئلة، وعدم الثقة في العقل والإنسان. ولذلك فالأسلوب الوحيد لتغيير المجتمع هو الخروج من تحت مظلة الفكر المطلق الذي يرفض النسبية ويعادي الإبداع والحرية ويدور حول نفسه من قرون، وكأنما مياه النهر لم تجرِ في العالم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها