النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

بقايا قضية.. وما لجرح بميت إيلام..

إنا هنــــا باقـــون فلتشربــــوا البحــــر!

رابط مختصر
العدد 10340 الإثنين 31 يوليو 2017 الموافق 8 ذي القعدة 1438

مضى على هزيمة 1967 التي خسر فيها العرب المعركة ضد الصهيونية أكثر من نصف قرن من الزمان، وبالرغم من مرارة الهزيمة واثارها الكارثية القائمة الى اليوم، فقد مضت الذكرى بدون ضجيج كبير بل حتى الفضائيات والصحف العربية اكتفت بإشارة محتشمة إلى احتفالات الفلسطينيين بالنكبة، ولا غرابة في ذلك فـ«النكبة» أصبحت فلسطينية فقط، بل يبدو ان من بقي لديهم بعض من كرامة يرغبون في طيّ الصفحة من خلال صفقة خاسرة مع استشراء الاستيطان وتقلب العوامل العربية والدولية. وبعضهم بات يعلن صراحة تنصله من القضية الفلسطينية، وبعضهم انضم إلى صفوف المتظاهرين - تعبيرا عن الانحياز لبقايا القضية - وبعضهم لم يتظاهر أصلا، احتراما لنصيحة الشاعر محمود درويش:

لا تسر في جنازتي إلا إذا كنت تعرفني.. لا أريد مجاملة من أحد!!

يا ترى من أين يأتي العرب بمثل هذه القدرات الرهيبة وغير الاعتيادية للتأقلم مع كل الأوضاع البائسة، مع الهزائم النكراء، لابتلاع المذلة بكافة أصنافها، بما في ذلك ابتلاع حبة مخدرة ضد الكرامة الإنسانية وضد الهوية والنخوة، وحبة للنسيان الأبدي للقضية، بما في ذلك نسيان الحقوق؟

حاصلون على أعلى الدرجات في القدرة على خفض جناح الذل لكل الاحتمالات، فيقنعونك مثلا بأنهم قوميون إذا كانت الغلبة للقوميين، وبأنهم مناضلون إذا كانت الغلبة للمناضلين، وبأنهم مسالمون إذا كانت الغلبة للمسالمين، ولكنهم يخفقون إخفاقا ذريعا إن حاولوا أن يبرهنوا أنهم صادقون حتى وان كانت الغلبة للصادقين.

منذ النتائج الكارثية لحرب 1967م، وما نتج عنها من ضياع للقدس للأراضي الفلسطينية والعربية، بدأ العرب رحلة الجري وراء سراب السلام مع إسرائيل بتشجيع ودعم من الإدارة الأمريكية، حيث قبل العرب اتباع استراتيجية الأرض مقابل السلام بناء على وعود أميركية بالوصول إلى سلام عادل وشامل ونهائي، وذلك بدءا باتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في 1978م، ومرورا بمؤتمر مدريد أواخر عام 1991، وهو المؤتمر الذي عقد تحت شعار الأرض مقابل السلام، ووصولا إلى اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993م، وانتهاء بالمبادرة العربية للسلام والتي لم تتقدم جميعها في اتجاه تحقيق السلام الذي ينتهي بتطبيق قرارات الشرعية الدولية وبناء الدولة وإنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة..

 لقد قبلت جميع الأطراف بصيغة «الأرض مقابل السلام» في 1991م ولكن يبدو أن هذه الصيغة التي فرضت على إسرائيل وقتها، قد تم تناسيها من قبل الادارات الأميركية المهندسة والمعدة لها، ولذلك لم تؤد إلى تحرير ما تبقى من الأرض العربية ولا إلى إنشاء الدولة الفلسطينية ولا إلى عودة اللاجئين، ولا إنهاء حالة اللا حرب واللا سلم، وتم بالعكس من ذلك إفراغ كل هذه المبادئ من مضمونها وتمييعها على نحو أدى في النهاية إلى تحويل الصراع نحو الداخل الفلسطيني-الفلسطيني.

صحيح أن إسرائيل استطاعت المحافظة على احتلالها للأراضي العربية والفلسطينية المحتلة على مدار 50 عاماً، إلا أن القوة العسكرية وحدها لا توفر الأمن والأمان، بل فقط السلام هو الذي يؤدي الى ذلك وها هي تحاول عبر طروحات ومبادرات تخدم مصالحها أن تفرض السلام الذي تريده، والذي لا يكلفها شيئا على الأرض سوى تدجين الفلسطينيين وإجبارهم على القبول بمفهوم الدولة المؤقتة بحدود مؤقتة وبدون مقومات دولة أصلا. ولكن هكذا حل لم يقبل به العرب والفلسطينيون في السابق، ولن يقبلوا به اليوم، حيث لا يمكن أن يتحقق ذلك لأن الحقوق المشروعة غير قابلة للمساومة والتصرف بحسب القوانين الدولية، والتوصل إلى حل نهائي لن يتم إلا إذا اتخذت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية قراراً بالانسحاب الكامل إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967.

***

فاعذرونا، أيها المرابطون في فلسطين، فنحن أصغر من القضية، اعذرونا ففلسطين قضيتكم، أما نحن فقد تحولنا إلى تجار، نستقبل الاستعمار بالبرود والورود، وذكرى فلسطين بالشرود، نبيع القرار ونشتري الاستقرار، نبايع حزب البؤس والسلامة، ونقاطع حزب العزّة والكرامة، ذاكرتنا مثقوبة وإرادتنا مشلولة وقلوبنا مشقوقة، وعقولنا مسلوبة. اعذرونا، لقد فقدنا وزننا القومي، وبتنا نعيش «خصاصة بطولة» ونمارس حمية ضد الرجولة، فنحن مضطرون لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وقرارات مجلس الدمى المتحركة، ولم نعد قادرين على اتخاذ ما يجب من قرارات تنسجم مع انتمائنا والتزامنا القومي والأخلاقي، التزامنا مع أنفسنا ومع ما بقي من تاريخنا..

اعذرونا فلن تقوم لنا قائمة، فقد اخترنا الجلوس في ساحة الذل الدولي، وينطبق علينا قول القائل: «لا حياء لمن تنادي»، وفي زمن السباق المحموم لاعتلاء منصة الوقاحة، لا معنى للتعاطف ولا للتنديد ولا للأقراص المهدئة للكرامة. الكل يتاجر بالقضية، وعلى استعداد لبيع حصته من الفضيلة ورهن ذمته في مخبر المصالح: الذي يريد أن يغسل نجاسة بقداستها والذي يريد أن يصبح بطلا على حسابها. لديهم كل الزمن الوقح لكي يهرولوا إلى البقاع الإسرائيلية، يهرولون بجهد أيسر من ذلك الذي ينفقونه لإقناعنا بأنهم من طينة سامية وأننا من طينة همجية، فهم من طينة العقل والحكمة، ونحن من طينة الطيش والعواطف الانفعالية. 

يجب أن تختل مداركنا العقلية لنستطيع تجرع وصفة التبريرات العقلانية المفصلة لمحاولة نسيان القضية، فليس في وسعنا أن نتبرع بغزة أو الخليل، كما سبق وأن تبرعنا بالعراق لكي ننعم بالسلام الشرق أوسطي، وبالاطمئنان على بيوتنا وخبزتنا، وبقائنا الممسوخ!! 

لم يبق لنا سوى التغني معا مع توفيق زياد:

 كأننا عشرون مستحيل، في اللّد، والرملة، والجليل

هنا.. على صدوركم، باقون كالجدار

وفي حلوقكم، كقطعة الزجاج، كالصبّار

وفي عيونكم، زوبعة من نار

نجوع.. نعرى.. نتحدى ننشد الأشعار

... 

نصنع الأطفال جيلاً ثائراً وراء جيل

إنا هنا باقون فلتشربوا البحر 

إذا عطشنا نعصر الصخر،

 ونأكل التراب إن جعنا.. ولن نرحل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها