النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

زمن النكبات 1ـ2 العجز عن إدراك المخاطر

رابط مختصر
العدد 10335 الأربعاء 26 يوليو 2017 الموافق 2 ذي القعدة 1438

يرتبط الإبداع بكافة أبعاده واشكاله بمناخ الحرية العامة والخاصة وبالنهوض الحضاري لأية أمة، والمثقف، هو محرك هذا الإبداع وأداته ومولده في بلاد الحرية الفكرية والإبداعية. إلا أن المثقف في البلاد العربية ما يزال بعيداً عن هذا المحور في مختلف المجالات، ولذلك لا غرابة، والحال هذه، أن يكون مكرراً مقلداً مجتراً لما ينتجه الآخرون، خائفًا مرتعشًا مترددًا، وذلك لان الإنسان السطحي والمقيد والخائف لا ينتج إبداعاً وإنما يكون في أحسن الأحوال (مطبقاً) أو مقلدًا أو مسترجعًا للمحفوظات. والمشكلة هنا ليست مشكلة المثقف فحسب، بل هي أيضاً مشكلة مجتمعية وسياسية في ذات الوقت، فالنظام السياسي العربي يعيش حالة فقدان وزن وارتباك، والإنسان العربي هو الآخر يحيا حالة من عدم القدرة على فهم حركة التاريخ. والرأي العام لدينا غير قادر تماماً على تحديد أهدافه بسبب الحيرة والفشل والجهل والتردد واضطراب الرؤى وتعدد المدخلات المتناقضة، وضعف النخب الفكرية والسياسية. ولذلك فهو إما غارق في البؤس اليومي وإما غارق في الاستهلاك.
وفي ظل وضعنا هذا، بوجهيه الرسمي والشعبي والمتسم بغياب النهضة وتكالب النكبات والحيرة، فمن الطبيعي أن نكون غير قادرين على استيعاب حقيقة المخاطر التي تهدد وجودنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة كأمة.
ولذلك، فإن المطلوب من المثقف العربي هو أشبه بالمعجزة، بل هو أشبه بالحرث في البحر..حيث من يطلب منه أن يستوعب ما يجري على الطرف الآخر من الكرة الأرضية وأن يمسك بمفاتيح التقدم ويستشرف الإخطار التي تنذر بهبوب العواصف الهوج وكلمة المستقبل تكاد تكون في إطارها الثقافي والحيوي عائبة في الفعل بالرغم من حضورها الفاقع في الخطاب الثقافي العربي. فالمثقف العربي في حالة العجز والاكتفاء والتبعية مطالب بالاهتمام بالدراسات المستقبلية والاستشراف الاستراتيجي في تحت وجود فاعل ضمن الراهن التاريخي المتيبس، وبدل الحرث في البحر إذ بقدر ما تكون الرهانات كبيرة بقدر ما ينبغي أن تكون وسائل العمل في حجم الرهان، فبأي معنى تظل الدارسات الإستراتيجية غريبة عن آليات تفكيرنا وحقول اهتمام لخبرنا في لحظة يدخل فيها هذا التخصص جيله الرابع في سياق مندمج مع الثورة العلمية المعلوماتية الكاسحة في اليابان وأمريكا الشمالية وأروبا الغربية، ولكن غياب هذه التقاليد وبقاء ثقافتنا على هامشها مشدودة إلى اهتماماتها الكلاسيكية والترديد والترجمة والنقل والكائنات وإحياء التراث. إن إنشاء مراكز للدارسات الإستراتيجية أمر هام ولكنه غير كاف إذا لم يستوعب الحقل الثقافي. الفضاء الجامعي عندنا ما زال غير قادر على اقتحام الفضاء المستقبلي، فهو مازال يسبح في ملكوت المعرفة في تقليديتها والمنصرفة إلى هموم ذوات فاعليها ورهاناتهم المحافظة.
وقد يبدو المستقبل توقيتاً أو ضلعاً من مثلت الزمن تكون لحظاته أكثر الأجسام ليونة في التنقل وخفة في الحركة لا تكاد تشغل منطقة الأمام حتى ترتد تحت وطأة اشتغال الآلة العجيبة للزمن إلى الخلف لينسحب المستقبل ماضياً ويترك بعضاً من روحة زاداً للقادم أو للحظة التي لا تنتهي.
لعبة الزمن معقدة والمستقبل فيها عقدة محكمة التهيئة، هكذا اندفع السحرة والعلماء والأدباء والشعراء والمشعوذون ورجال السياسة والدين والأخلاقيون والفلاسفة وأرهاط من العامة للتخصص في مراودة هذا الجسم الزئبقي رغبة في التحكم والترويض وأملاً في الاقتحام وفك الطلاسم.
خارج هذا الخليط المندفع وضمن تربة عالمية جديدة، ارتسمت منذ بداية القرن الجديد، انضاف المستقبل إلى سلسة القياسات الحضارية التي تنشطر الأمم على أساسها وتعزز وتتحدد على ضوئها علامات التقدم والوهن بين الشعوب والثقافات، وعلامات التقدم المفارقة بين مناطق الحيوية ومناطق التكلس والعطالة، فإذا الأولى وعي بأهمية الاستشراق العلمي للمستقبل (وليس التنبؤات والشعوذة) وتقدير الآفاق الكبرى التي تفتحها الدراسات المستقبلية، وإذا الثانية تهميش لدور هذه الدراسات وتعويم للمفاهيم المستقبلية  كترجمة للعجز والخوف من ارتياد المستقبل وعدم قدرة على الفعل في الحاضر.

ثقافة الجهل والادعاء
إذا جاء الحديث عن الفيزياء تجدهم يعرفون، وإذا كان عن فلسفة ديكارت يزعمون بأنهم من رواد (الكوجيتو). وإذا كان الأمر يتعلق بالسياسة والتاريخ والجغرافيا، ومجلس الأمن وأزمة كوريا وجمهوريات البلطيق، تجدهم يدلون بدلائهم، ويوقعون الحديث في تشدق مقرف بأنهم أعلم العلماء مؤكدين بأنهم أحاطوا بكل شيء علماً.
صدقوني، لقد أصبحت، من كثرة هؤلاء الأدعياء، أتمنى أن أرى من يقول: لا اعرف. لا أعلم لي. لا أدري. الله أعلم.
إن حالات ونماذج كثيرة، تستفزك، يومياً، بتلك الوقاحة إلى درجة الإصابة بالغثيان والشعور بالقرف.... كل من يتحدث، يحاول استعراض عضلاته ومعلوماته وجهله وادعاءاته أحياناً. ويريد أن يوهمنا بأنه يعلم ما لا نعلم ويعرف ما لا نعرف ويدرك ما لا ندرك، ويقدر ما لا نقدر ويستنتج، فهو البحر العلامة. لم يفرط في شيء...
وتحاول مع هؤلاء، بالحسنى، مرة ومرتين وثلاث، دون جدوى. وتقول لهم بأن الإنسان، مهما تبحر وتوسع، فإنه يبقى محدود المعارف، بالقياس إلى حجم المعرفة الانسانية وتنوعها وتشعبها. عندما تحاول ذلك يضحكون أو يستخفون بك.. وقد يكرهونك ويتجنبونك نهائياً ويتحاشون مجالستك على اعتبار أنك جاهل ترفض ان تقر لهم بالباع والعلم وان تعترف لهم الدراية والنباهة والثقافة، التي لا تسعها الا المحيطات.
.. لقد أصبحت أتمنى أن أسمع من يقول: لا أدري أو هذا الموضوع ليس من اختصاصي، أو لا دخل لي فيه.
امام هذه الهجمة من الادعاءات بت شخصياً أفضل الابتعاد عن المجالس والجالسين. أمام هذا الطوفان من الكلام الادعائي تصاب بالغثيان. تتصفح الصحيفة فيصفعك الادعاء، تتصفح المجلة فيؤلمك الادعاء، وتستمع إلى الراديو فيحتاجك طوفان الثرثرة والحكمة المزيفة والابوية القاتلة. الجميع يتكلمون. الجميع يثرثرون.... كل من هب ودب بات يعلمنا، ويتطاول علينا، يحدثنا عن الفلسفة والايدز وطبقة الاوزون وعقدة أو ديب وازمة العراق وسوريا واليمن. كلام فارغ يغرقوننا به كل يوم. إن افتقاد المجتمع للذين يقولون لا اعلم، يدل على إننا نعيش نوعاً من الاختلال، يؤدي إلى الكذب والغرور والادعاء.
ووسط هذا الركام من الهذيان، صار الفكر ضائعاً والإبداع تائهاً. وامتلأت الساحات بالمتطفلين وإنصاف المثقفين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها