النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10905 السبت 16 فبراير 2019 الموافق 11 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:55AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06AM
  • المغرب
    5:31AM
  • العشاء
    7:01AM

كتاب الايام

حديث عن القلب والعقل.. الحب والفكر

رابط مختصر
العدد 10331 السبت 22 يوليو 2017 الموافق 28 شوال 1438

اعترف بأن ما سأكتبه اليوم عن الحب والمشاعر والقلب كنت سأنقله لكم الأسبوع الماضي لولا قمة العشرين ومشاركة الشقيقة السعودية فيها وما نجم عنها من إرادة قوية لمواجهة آفة الإرهاب التي تعاني منها دول وشعوب المنطقة، وقد آليت على نفسي اليوم ألا يشغلني عنوان آخر عن أيهما، مسؤول عن الحياة وتوجهات الانسان في تصرفاته القلب أم العقل، ومهما قال العلماء والخبراء والأطباء، فلا يهمني سوى ما أراه بأن القلب، هذه المضغة إن صلحت حقًا أحبت ونقلت المحبة والود الى عالمنا الصغير والكبير. فما أحلى الحب وما أروعه إذا أحببنا بصدق، فالشعوب والحضارات تحيا بالحب، وكم من ممالك انهارت وغابت عنها الشمس بسبب غياب هذا الحب وتملك مشاعر البغض والكره والحقد على النفوس التي إن حقدت ماتت فيها الروح وبالتالي غابت عن الحياة، تمامًا مثل الشمس، التي لن تتأخر أو تتقدم دقيقة عن موعد شروقها أو غروبها.
 وإذا تحدثنا علميًا، نقتبس من خطبة لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، قال فيها إن الإنسان يتبدل كليًا كل خمس سنوات إلا المخ - أو العقل - والقلب، فكل أعضاء الجسم تتغير، الخلايا، العظام، الجلد، والأنسجة، وتعد الخلايا العظمية هي الأطول عمرًا إذ تتبدل كل خمس سنوات.. أما محتويات المخ ثابتة لا تتبدل، بدليل ثبات المعلومات لدينا، وكذلك الخبرات والمهارات والذكريات وكل ما درسناه وتعلمناه. ويتساءل فضيلة الشيخ النابلسي:«لو سألت إنسانًا ماذا تعمل؟ فلن يقول لك: كنت طبيبًا، حيث ذهبت كل المعلومات مع تبدل المخ، فمن نعم الله العظمى أن المخ لا يتبدل».
 وكما أن المخ ثابت بمعلوماته وعلمه ومهاراته وخبراته وذكرياته، هكذا الحال مع خلايا القلب فلا تتبدل أيضا، وحكمة ثبات المخ معروفة، فما بالنا بثبات القلب، فهذا يعود الى حكمة الله عز وجل بقوله: {لهم قلوب يعقلون بها (سورة الحج).
 وإذا كانوا قديمًا يعتبرون القلب مجرد مضخة للدم، فقد تغير الوضع مع بدايات القرن الحادي والعشرين خاصة مع تطور عمليات زراعة القلب الطبيعي، والقلب الاصطناعي. فقد رصد الباحثون ظاهرة غريبة ومحيرة لم يجدوا لها تفسيرًا حتى وقتنا الراهن، وهي ظاهرة تغير الحالة النفسية للمريض بعد عملية زرع القلب. هذا التغير يكون بشكل كبير بعد استبدال قلب المريض بقلب طبيعي أو قلب صناعي. حيث لاحظوا تبدل ما يحبه هذا المريض وما كان يكرهه، بل وتؤثر على إيمانه. ولم يكن غريبًا مع تقدم العلم اكتشاف أن القلب يتكون في الجنين قبل المخ، ليبدأ بالنبض منذ تشكله وحتى موت الإنسان. لم يكن هذا هو الاكتشاف الوحيد عن القلب، فثمة رصد لظاهرة أخرى نظرًا لاعتقاد العلماء بأن المخ هو الذي ينظم نبضات القلب، إلا أنهم لاحظوا أمرًا غريبًا أثناء عمليات زرع القلب، فالقلب الجديد يبدأ بالنبضان فورًا بمجرد وضعه في صدر المريض دون أن ينتظر توصيلات المخ، معنى ذلك أنه يعمل من تلقاء ذاته، وتم اكتشاف هذه الحقيقة أثناء زرع القلب. والمعنى المقصود أنه ربما يعمل القلب مستقلاً عن المخ، بل يزيد الأمر باعتقاد آخر وهو أن القلب هو الذي يوجه المخ في عمله.
 نترك العلم الى الحب، فالقلب هو مركز الحب والبغض والطمأنينة والقلق والخوف، يقول الله عز وجل في محكم الذكر: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} (سورة الأنفال)، فمحبة الله عز وجل مركزها في القلب، قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}(سورة الرعد).. والآيات كثيرة في القرآن الكريم على كل معاني الحب والكره والقاسية قلوبهم وغيره فالقلب يقسو ويلين، ويصحو ويمرض.. لماذا؟ لأنه مركز الحب والبغض والإيمان والطمأنينة والقلق والأمن والخوف.
 وثمة أكثر من قصة توضح ما نذكره من أن القلب هو مركز المشاعر وبعض السلوكيات وعلى رأسها الحب، الأولى من فرنسا، حيث تم زراعة قلب لامرأة من شاب كان عمره 18 عامًا مات في حادث سير، وتبدلت تصرفاتها وسلوكياتها بعد الزراعة فأخذت تتصرف بطريقة ذكورية، وأحبت بعض الأكلات غير التي اعتادت عليها في السابق، وعندما بحثت في تغير تصرفاتها عمدت الي لقاء أسرة الشخص المتبرع بالقلب، فاكتشفت أن تصرفاتها تشابه تصرفات هذا المتبرع المتوفي. واستدل العلماء من ذلك علي وجود ما يدعى بـ «ذاكرة الخلية»، وهي ليست في المخ فحسب بل كل خلية لها ذاكرة. وقصة أخرى لفتاة تم نقل لها قلب شاب كان يكتب الشعر ويعزف الموسيقى ويغني قبل وفاته في حادث سير، لتكتشف بعد العملية الجراحية أنها تعزف نفس موسيقى الشاب وتغنى أغنياته المفضلة، ثم تأكدت من أسرته أنهما أصبحا يشتركان في نفس المواهب والاهتمامات تقريبًا.
 ثم لماذا نلجأ للعلم والقصص ولدينا الكثير من السنة النبوية تتحدث عن دور أهمية القلب في صلاح النفس، وأنه إذا صلح هذا القلب فإن جميع أجهزة الجسد تصلح بالمعنى العلمي وإذا فسد فسوف تفسد جميع أنظمة الجسم، ولذلك قال رسولنا الكريم قبل 1438عامًا: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).. وكان من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).
 ورغم كل ما سبق، فثمة اختلاف حتى يومنا الراهن بين العضو المسؤول عن المشاعر بكافة أنواعها ما بين حب وبغض ولين وقسوة وخلافه، فرغم إدراكنا جميعًا بأن القلب هو الذي يحرك المشاعر، الى هنا الأمر ممتاز، ولكن ثمة من يتدخل ويقول إن مشاعر الإنسان تعمل بدوافع من تفكيره أيضا. ولكني ربما اختلف مع هذا المنطق، خاصة إذا ضربنا مثلا عن الزواج قديمًا، فعندما كان يتقدم أي عريس مجهول للعروس بدون سابق معرفة أو علاقة أسرية أو جيران وخلافه، كانت ترفضه في البداية بحجة أنها لا تعرفه ولا تعرف شيئًا عنه، فما كان من الأمهات حينذاك سوى إسداء النصائح لبناتهن في جملة واحدة لا تتغير مهما تغير الزمان والمكان: «الحب يأتي بعد الزواج والعشرة». وفي تقديري فإن هذا منطق سليم وعقلاني رغم أن النتيجة ترتبط بالمشاعر، فالحب يأتي بالعشرة بعد الزواج، ويتولد بين الزوجين إذا أحسن أحدهما معاملة الآخر وتقرب بلطف ومودة إليه بصفة مستمرة، وأمامنا قصص نجاح أجدادنا وأبائنا في تأسيس أسر قوية بنيت على أساس الحب والاحترام والمودة، فكان الحب الذي ربما ينهار إذا أساء أحد الطرفين معاملة الآخر أو عامله بطريقة جافة بعيدة عن مشاعر الحب والمودة والحنان، وهي كلها مشاعر يبثها القلب.
 ومن أفضل ما قرأت في هذا المجال، أن القلب ينظر الى الحب على أنه بطولة، في حين يتصور العقل الحب على أنه «بطالة»، وشتان بين المعنيين والشعورين، فهل تتحول البطولة الي بطالة، يالها من سخرية حقًا وليذهب العقل الي الجحيم إذا كان هذا رأيه في أحلي مشاعر في الوجود. فمشاعر الحب «البطولة» تجمع ولا تفرق، مشاعر تجعلنا نعيش اليوم وننظر للغد بعيون متفائلة وقلوب عامرة مفعمة بالحب والمودة والحنان، أما إذا غلبنا العقل في حياتنا سنجعل من الحب جريمة يعاقبنا عليها، فهو يراه «بطالة» ويحذرنا منها، وكيف هذا والحب هو مثل النبتة التي تزهر فجرًا وتظل مشرقة لحين غروب الشمس. فويل لنا كل الويل إذا غلبنا عقولنا في مشاعرنا، ستحولنا حقًا الى آلات نسير بها مثل التروس في عملية منتظمة بعيدة كل البعد عن المشاعر الطيبة والحب أسمى معاني الوجود.
ولنا هنا في نزار قباني، شاعر الحب والمشاعر، قدوة حسنة في حواره الشعري بين قلبه وعقله وما دار بينهما عن الحب، فيقول في البداية: «حبيبي أحببتك بقلبي ولكن عقلي حاول أن يثنيني عن إحساسي بحبك» ثم استكمل الحوار ليقول القلب عن محبوبه: «أحببته حتى جن جنوني فقلت من أجله اقتلوني على شرط أن يكون آخر من تراه عيوني».
ليرد العقل: «كيف لك أن تحب شخصًا بعيد لا تستطيع أن تراه وسط الطريق أو تسمع دقات قلبه وهو قريب أو حتى تسمع صدى صوته وهو يناديك».
ولم ييأس القلب فيقول: «وقعت في الحب دون ميعاد وشعرت بقلبه وهو في آخر البلاد فان كلامه مثل السكر المذاب وحبه لي مثل المصباح المضاء».
ولا ييأس العقل: «ولكن هذا الحب محكوم عليه بالعذاب وسيكون الفراق هو الختام وستغرق في بحر الدموع والآلام فاستيقظ من حلمك قبل أن تضيع في الظلام».
ويستمر القلب في الدفاع عن حبه: «اتركني مع حبي وأبعد الأوهام عني وساعدني في تحقيق حلمي فأنا من دونه أضيع وحدي وأصبح وردة ذابلة منسية فلا تحرمني حبه ولا من دفء قلبه عش معي اليوم واترك الفراق للغد».
 ومن معلوماتي التي قرأتها وأعجبتني وأتذكرها حتى الآن، تشبيه البعض «العقل والقلب» بشاطيئ النهر، فهما يحفظان ماء هذا النهر ويضمنان استمرار تدفقه، ولكن إذا أسيئ استخدام أحد الشاطئين - أو كلاهما - فإن الماء سيهدر ويضيع ويتسرب ولن نستفيد منه، هذا بالضبط التوافق بين القلب والعقل، العاطفة والفكر، الروح والجسد، بما يضمن سير الإنسان في الطريق الصحيح. ولكن الأهم هو أن نحب ونمنح قلوبنا الفرصة لتحب وتملأ حياتنا حب وسعادة وفرحة وبهجة، فالحب الحقيقي هو الذي يعوضنا عن مشكلات الحياة ويجعلنا نتواءم معها، وثمة معنيين للحب، أن نعيش لنحب وأن نحب لنعيش.
 

 كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها