النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

حول الآمال في عراق جديد...

رابط مختصر
العدد 10330 الجمعة 21 يوليو 2017 الموافق 27 شوال 1438

 يملك رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي كل الحق بأن يعلن مبتهجا انتهاء العمليات العسكرية بالانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، ولكنه لا يملك الحق نفسه في التستر على انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت بالتوازي مع العمليات العسكرية، سواء تلك التي ارتكبها أفراد في الجيش الرسمي ممن تتملكهم نوازع طائفية مذهبية تمارس تحت غطاء الزي العسكري الرسمي، أو تلك التي أتاها مجندو «الحشد الشعبي» وأشاعت صورها آلاما ودموعا من خلال فيديوات صادمة للمشاعر الإنسانية، علما بأن «الحشد الشعبي» كما هو معروف، قد بات يصنف ضمن ما يعرف بالقوى الرديفة للقوات المسلحة العراقية، وتتعهد المؤسسة الرسمية بدفع موازنتها السنوية من خلال بند النفقات الحكومية يضاف إليها استقطاع 4 في المئة من رواتب موظفي الدولة والمتقاعدين.

 لقد كان ملفتا ومستغربا في خطاب النصر لرئيس الوزراء تشديده على أن هذا الانتصار قد تحقق على يد الجيش العراقي. فهل يا ترى كان متصورا أن يتم هذا الانتصار بغير الجيش العراقي مثلا؟! في تصوري أن هذا القول يفضح شيئا من المسكوت عنه في خطاب العبادي الرسمي فالجيش العراقي لم يكن وحده في معركة تحرير الموصل وإن نسب إليه النصر، وفي هذا دلالة على أن هناك هواجس لدى البعض، عراقيين وغير عراقيين، من أن قوى أخرى شاركت وأبعدت عنهم الجهات الرسمية التغطية الإعلامية لكي يمارسوا ساديتهم المذهبية بعيدا عن عدسات التصوير الرسمية، وأن المقصود بالقوى الأخرى «الحشد الشعبي». ولعل في ذلك إثارة للظنون، لدى قطاع واسع من أبناء الشعب العراقي، بأن هذا انتصار لمكون اجتماعي على مكون آخر. خصوصا وأن هناك حديثا يدور في الإعلام عن تغيير ديمغرافي ممارس في المناطق التي حررت من سيطرة «داعش». 

 في ضوء ما تقدم، لا أود أن أكون متشائما أو أن أجعل من نفسي محبطا لتطلعات قومية لدى قارئي الكريم، وهي تطلعات قسم واسع من أبناء الأمة، فإذا كان ما يرصد في العراق، مثلا، في أعقاب هزيمة «الدواعش» في كيانهم الافتراضي الذي أسموه «الدولة الإسلامية» وذهاب مشروعهم، الذي كانت كلفته على الأمة عالية جدا، إلى مزبلة التاريخ، به شيء من الإفراط في أمل يداعب شعور بعض من أبناء العرب في تخلي أحزاب العراق السياسية الطائفية، بعد هذا الانتصار، عن انحيازاتها المذهبية التي تحكم مجمل مناويلها السياسية فيما يتعلق بمستقبل العراق ووحدة شعبه، فإني لست من هؤلاء المفرطين في التفاؤل، ولا يعتريني حتى بعض منه وذلك لاعتبارات عديدة.

 أول هذه الاعتبارات تجربة الأحزاب السياسية المذهبية في السلطة بالعراق وتقليد هذه الأحزاب المهين لتاريخ الدولة العراقية للتجربة الإيرانية في نسختها الخمينية تقليدًا أعمى حتى وإن لم يصل هذا التقليد إلى الآن، على الأقل، لدرجة الاستنساخ. كما أن سماح هذه الأحزاب بإتاحة فرص التدخل الإيراني في الشأن العراقي من كافة الأبواب العسكرية والسياسية والثقافية اعتبار آخر، بالإضافة إلى تراجع دور القوى الليبرالية والقومية وانحسار امتدادها الشعبي وضمور تأثيرها في الشأن العراقي، اللهم إلا من شيء من الحراك الموسمي نسمع به كل أربع سنوات عندما تحين الانتخابات النيابية. بهذه الاعتبارات، إذا ما أخذناها في الحسبان، يضعف لدي الشعور بالأمل في تحسن ما للأوضاع في العراق حتى مع «الانتصار» الذي أعلنه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وهتفت له الأحزاب السياسية الحاكمة. 

 من وجهة نظري فإنه إلى جانب القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» «داعش»، يحتاج العراق الى عمل يشارك فيه كل أبناء العراق للقضاء على مختلف أشكال الإرهاب ومصادر هذا الإرهاب الذي أصبح ظاهرة متجذرة في الدولة العراقية، فإرهاب «داعش» هو أحد صور هذا الإرهاب وأوضحها ليس إلا، وهو إرهاب يمكن وصفه بالإرهاب العابر، إذ أنه ينتهي بالقضاء على عناصره التي قدمت أو استقدمت إلى داخل العراق.

 اليوم أضحى العراق موبوءاً بالأحزاب الطائفية التي تمارس الإرهاب على وجوه مختلفة بعضها مسلح ظاهر يجاهر بعدائه للمكونات المخالفة له، وخصوصا المكون السني، كما تمارسه الأحزاب المكونة لما يسمى بـ«الحشد الشعبي»، وبعضها الآخر مستتر ثقافي يحفر في المجتمع ويفتك بمختلف المقومات البانية للهوية العراقية الأصيلة الواحدة بتعدد مكوناتها العرقية والعقدية والدينية وتآلفها فيما بينها، وهذا ما تمارسه كل الأحزاب الطائفية ذات الصلة الوثيقة بفكرة «الولي الفقيه»، وهي الأحزاب ذاتها الساعية إلى نبذ كافة المكونات العرقية والإثنية التي يتشكل منها المجتمع العراقي.

 الانتصار الحقيقي للعراق هو اليوم الذي تتحقق فيه مقولة «العراق لكل العراقيين»، ببناء منوال مدني يقتلع كل النزعات الطائفية التشتيتية من جذورها ويلقي بها في مزبلة التاريخ. فلطالما أن هذا البلد رهين للمشروع الطائفي الإيراني، وطالما ظلت معه الأحزاب السياسية المذهبية حبيسة هذا المشروع معتقدة بأن في إسقاط نظام صدام في عام 2003 إسقاطا للدولة السنية -وهي السردية الجديدة التي رامت قوى الجذب إلى المنوال الطائفي ترويجها للقضاء على واقع التعايش والتكامل الإثني والعقدي الذي كان يميز العراق- وأن الانتصار على «داعش» من ثم هو انتصار على السنة، فإن حال هذا البلد سيظل مقلقا لشعبه وللعرب أجمعين، لتخبو معه كل الآمال في عراق موحد، عراق قوي تملكه جميع مكوناته الاجتماعية والعرقية والإثنية، عراق ينعش الأمل في بناء دولة المواطنة عنوانا لحقبة تاريخية جديدة تعقب حقبة بناء الدولة الوطنية. فهل يكتب لنا رؤية هذا العراق؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها