النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

تنظيف الصحن العربي

رابط مختصر
العدد 10329 الخميس 20 يوليو 2017 الموافق 26 شوال 1438

على امتداد الشهرين الماضيين لم تكف آلة الإعلام الأمريكية عن نشر ما تطلق عليه «اكتشافاتها» حول «تآمر» دولة عربية على أخرى. وتحرص الجهة الإعلامية الأمريكية التي تبث تلك السموم، على إحاطة ما تنشره بالكثير مما تصر على وصفه بـ «الموضوعية» التي تعززها بعض الشواهد التي ترافق «الإفراج» عن تلك المعلومات كي تنتقل من دهاليز وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى العلن.

ليس هناك ما يدعو إلى الدخول في متاهات الأهداف التي تقف وراء توقيت الإفصاح عن تلك المعلومات، ولا المرامي التي تحاول أن تصل إليها، فهي واضحة وضوح الشمس، لكن، هناك بيننا نحن العرب، من يحاول أن يغض الطرف عنها، رغم إدراك الجميع أن واشنطن هي الجهة التي تتحكم فيها، وقبل ذلك، المستفيدة الأكبر من وراء السيطرة عليها كي تهيمن على نتائجها. 

مثل هذه السياسات الإعلامية ليست سلوكًا أمريكيًا معزولاً عن المصالح الأمريكية في المنطقة. ومن ثم يأتي هذا التسريب المتعمد لتلك المعلومات المتناهي في دقته من حيث كميات الجرعات التي تسرب، وتوقيتها، واختيار الجهة التي تبثها لضمان تحقيقها لأهدافها أولاً، وعدم فقدان «المصداقية» ثانيًا كي يتسنى إعادة استخدامها في مراحل قادمة، ولتحقيق أهداف أخرى، وكفالة استمرار تأثيرها ثالثًا وليس أخيرًا.

وبينما كان كل ذلك بمثابة السموم الفتاكة التي تنفثها دوائر صنع القرار الأمريكي في فضاء البلاد العربية، كي تلوثها من أجل نشر أمراضها السياسية وأسقامها الاقتصادية، وعللها الاجتماعية، فهي اليوم، وبفضل التخمة التي باتت تعاني منها واشنطن من جراء استمرارها في التهام ما يفوق طاقتها من الهضم من خيرات البلاد العربية ومصادر ثرواتها، تحولت إلى سموم أمريكية تقذف بها الدوائر الممسكة بزمام الأمور وتدير دفتها من واشنطن فوق الصحن العربي.

بدأت تلك التخمة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حينما كنست واشنطن، إلى حد بعيد، نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية التقليدية المتنفذة في المنطقة، واستفردت بمقدراتها. حينها وجراء التخمة التي أصابت الولايات المتحدة بفضل كميات ما نهبته من ثروات نفطية جاء ما لفظته به فوق الصحن العربي مشروعات فشلت مثل حلف المعاهدة المركزية «السنتو»، وأخرى نجحت مثل تثبيت الكيان الصهيوني، أو، وهو ما كان أسوأ حينها، تمزيق أوصال المنطقة في هيئة قطبين متنازعين أولهما يتحالف مع واشنطن، والآخر يستعين بموسكو. 

وتلقى الصحن العربي ما أفرزته الحرب الباردة وعاش سلبيته عقودا من الزمان. لم يتوقف الصحن العربي عن التلقي، ونحن العرب عن التهام ذلك إلا بسقوط الإمبراطورية السوفياتية جراء النزعة الاستعمارية التي سيطرت على سياساتها، وبفضل تحولها من نصير لحركة الشعوب، إلى مدمر لها.

جاءت المرحلة الثانية في منتصف السبعينات من القرن الماضي، عندما عانت الاحتكارات النفطية من تخمة استيراد النفط العربي بأسعار بخسة لم تكن تتناسب وطبيعة النمو الذي كانت تشهده الأسواق الأمريكية، ويتناقض مع آليات التطور التي كانت تلك السوق في أمس الحاجة لها. حينها لفظت الدوائر الأمريكية ما كان يعرف باسم حرب الأسعار، وانقسم العرب، بعد أن بين متحمس لرفع تلك الأسعار بالنسب التي لا تتعارض ومتطلبات الاقتصاد الأمريكي، وبين من حاول أن يتجاوزها. وانشطر الجسم العربي إلى أكثر من جزئين متناحرين احتربا وكادت الأمور أن تتطور إلى صدامات عسكرية شاء القدر أن يوقفها في وقت مناسب.

قائمة السموم في الصحن العربي طويلة، ويصعب اختصارها، وهذا ما يدعونا إلى تجاوز عدد كبير منها كي نصل إلى اليوم، حيث ما تزال الأفواه الأمريكية تقذف بذلك السم فوق الصحن العربي، لكنه تحول، بفضل سمومه وجراثيمه إلى ما يشبه الصديد المتقيح. 

فمنذ مطلع هذا القرن وحتى يومنا هذا تلقى الصحن العربي موجات من السم وهو أمر يؤسف له، لم نتوقف عن لعقه، سواء بضغط أمريكي خضع له البعض منا، أو بقرا ر أمريكي تلقفه برضى البعض الآخر. 

فبعد أن كانت بذرة الخلافات، التي تزرعها الدوائر الأمريكية، محصورة في صفوف الأنظمة الحاكمة، انتشرت كي يصل إلى الشعوب ذاتها، سواء بين شعب دولة وأخرى، أو في صفوف شعب الدولة الواحدة. 

وشهدنا خلال السنوات العشر الماضية حروبًا داخلية بين البلدان العربية، لم يعرفها العرب حتى في صراعهم مع عدوه التاريخي الذي لا يختلف عليه اثنان منهم وهو العدو الصهيوني. شهدنا موجات متكررة ومتلاحقة من «جحافل» عربية دخلت في حروب ضروس مع جحافل عربية أخرى تحت مسميات كثيرة، ومبررات أكثر. 

نسينا في غمرة تلك الحروب، وكانت بذرتها كامنة فيما تلقاه الصحن العربي، كل عوامل الوحدة بيننا، واستبدلناها، بوعي أو بدون وعي بعوامل الخلاف والشقاق. فدمرنا ذاتنا بدلا من تطويرها. وتحولت الساحات العربية إلى حقول تجارب لاستراتيجيات واشنطن الدولية، وتحول العرب إلى «فئران» تجارب لها.

رغم كل ذلك، لا يعني كل ما تقدم أن فرصة تنظيف الصحن العربي لم تعد قائمة، وإن إمكانية ترتيب البيت العربي من الداخل ليست في متناول اليد. بل الأمر على العكس تماما، فما مرت به المنطقة العربية خلال السنوات العشر الماضية فيه الكثير من الدروس، لمن أراد الاستفادة منها.

لقد آن الأوان لعملية تنظيف الصحن العربي، لكن ليس المطلوب تنظيف الصحن العربي فحسب، بل ملؤه بما هو مفيد وصحي، من أجل بناء كيان عربي صحيح الجسم، معافى الجسد، كي يصح المثل القائل «العقل السليم في الجسم السليم»، قابل للتنفيذ.

فكل ما يحتاجه العرب اليوم عقل سليم يفكرون به، يقوم على جسد معافى تحركه عضلات متجددة، بدلاً كما قال البعض، «بطيخة من الفوضى يحملها جسد عليل».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها