النسخة الورقية
العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

الإرهـــاب يوحِّـــد أغنيـــاء العالــــم

رابط مختصر
العدد 10324 السبت 15 يوليو 2017 الموافق 21 شوال 1438

لم تكن قمة العشرين الأخيرة التي استضافتها مدينة هامبورج الألمانية كأي قمة تضم قادة العالم، فالعالم أجمع لن ينسي ملابسات قمة هامبورج تحديدًا، لأسباب عدة، من بينها ملابسات اللقاء الأول بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، واختيار السعودية الشقيقة لاستضافة قادة العالم الاقتصادي في 2020، وموقف القمة من الإرهاب، ثم خلافات قادة القمة حول الإجراءات الاقتصادية الحمائية التي أعلنها دونالد أمام سلع العالم، وليس آخر حملة العنف التي شهدتها هامبورج احتجاجًا على استضافة تلك القمة ورفض سكان المدينة أن يعقد أغنياء العالم اجتماعهم الدوري في مدينتهم، وهي المدينة التي رفضت من قبل استضافة دورة رياضية عالمية، ورأى سكانها أن مدينتهم أولى بتكلفة تأمين القمة البالغة نحو 185 مليون يورو.
نبدأ بالحدث الأول وهو قمة دونالد وترامب، وهو ليس مثل لقاءات السحاب التي تعقد بين زعيمين متنافسين، لأن الديمقراطيين يتهمون رئيسهم الجمهوري بتلقي دعم من بوتين ومخابراته يتعلق بشن حملات سيبرانية ضد منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون مما أدى الى فوزه عليها رغم استطلاعات الرأي الكثيرة التي رشحت أو توقعت فوز كلينتون.
وبغض النظر عما إذا ما كان التوصل الي اتفاق قمة العشرين على مكافحة الإرهاب مما يعد نجاحًا لها يغطي على الإخفاق الاقتصادي، فكان أول لقاء يجمع بين ترامب وبوتين من علامات تلك القمة في مشهد ذكر الجميع بأول لقاء جمع الرئيسين الأسبقين رونالد ريجان وميخائيل جورباتشوف وهو اللقاء الذي مهد لإعلان انتصار الولايات المتحدة والعالم الغربي في الحرب الباردة التي استمرت نحو أربعين عامًا بين القوتين العظميين الاتحاد السوفيتي وأمريكا. ولكن مع اختلاف جوهري أن البلدين ليسا في حرب حقيقية حاليًا وإن كانت المنافسة على أشدها على مناطق النزاع العالم في العالم وأمامنا مثال صريح بذلك بما يجري في سوريا، حيث استولي الروس على النظام السوري تمامًا وأصبحت دمشق وجيشها ورئيسها تحت الحماية الروسية، حتي انقلبت موازين القوى في هذه البلد العربي الذي دمرته الحرب الأهلية ودعم موسكو وطهران لنظامها القمعي وجيشه.
 ويعد اللقاء المذكور علامة مؤكدة نحو تحسن العلاقات بين البلدين بعد فترة طويلة من الخلافات في عهد باراك أوباما، فقد التزم الرئيس الأمريكي بتنفيذ تعهده الانتخابي بتحسين العلاقات مع موسكو. وقد خرح الاثنان من قمتهما الأولى منتصرين، ولا يستطيع أي منهما الزعم بأنه حقق انتصارًا دون الآخر، وإن كان الانتصار الأكبر من نصيب بوتين لأنه استغل لقاء هامبوج ليتجاوز العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية الأوروبية التي تعرضت لها روسيا عقب تدخل العسكري في شبه جزيرة القرم عام 2014. كما استغل ترامب اللقاء ليقنع الأمريكيين أن بوتين لم يساعده في الانتخابات الأخيرة، رغم أن المحقق الأمريكي الخاص بهذه المسألة روبرت مولر هو المسؤول عن كشف ملابسات هذا الملف المهم بعد استكمال التحقيقات التي يشرف عليها. ولم تكن الأزمة السورية بعيدة عن اللقاء الذي نجم عنه ما يسمى بـ «الصفقة السورية» وتعد الأكثر أهمية بالنسبة لنا كعرب نحمل الهم السوري وتشريد شعبه وهروبه الى شتى بقاع الأرض كلاجئين. ولم تكن تلك الصفقة وليدة اللقاء فقط، لأنه سبقه محادثات مطولة بين وزيري خارجية البلدين الروسي سيرجي لافروف والأمريكي ريكس تيلرسون بهدف صياغة تفاصيل الصفقة وهي اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غربي سوريا، الذي جرى التفاوض بشأنه مع الأردن، وهو الاتفاق الذي يعني عمليًا خفض التصعيد في الصراع السوري، والبدء في تحقيق الاستقرار في مدنها الملتهبة. وبالإضافة الى هذا التطور المهم، فثمة تطور آخر في المحادثات الأمريكية – الروسية وهو ما أعلنه تيلرسون بأن بشار الأسد سوف يغادر السلطة في خاتمة المطاف، وسوف تكون هناك عملية انتقال سياسي بعيدا عن عائلة الأسد، ومبعث أهمية هذا الإعلان أن الولايات المتحدة وروسيا سيكونا ضامنين لهذا التطور بغض النظر عن مقاومة الأسد وإيران له، وذلك بعد رفض روسي طويل لمغادرة بشار الأسد المشهد السياسي في سوريا.
 اقتصاديًا، لا نستطيع حتى وقتنا الراهن وبعد انتهاء القمة بأيام الحكم على نجاحها على الجانب الاقتصادي، وإذا اعتمدنا على البيان الختامي للقمة، نخرج بنتيجة مؤداها، أن أكبر الدول الاقتصادية في العالم والتي حققت جزءًا كبيرًا من الرخاء والقوة الاقتصادية بفضل قواعد التجارة الحرة، لم تعلن التزامها بنظام تجاري عالمي حر متعدد الأطراف. فقادة قمة العشرين فشلوا في إقناع دونالد ترامب في تخفيف سياساته الحمائية المخالفة لنظام التجارة العالمي تحت شعار «أمريكا أولاً». فقد أقروا بصيغة توافقية فى هذا الملف، تتضمن فقرة تسمح باستخدام ادوات حماية تجارية شرعية إرضاء لأمريكا، وبذلك فشلت القمة وقادة الاتحاد الأوروبي في إقناع أمريكا بتخفيف إجراءاتها الحمائية ضد السلع والمنتجات الأوروبية. حتى إن الأوروبيين فشلوا في مسعاهم الخاص بفرض عقوبات على أمريكا إذا ما تمسكت واشنطن بتقييد صادرات الصلب الأوروبية للسوق الأمريكية باعتبارها تهديدًا للأمن القومي الأمريكي.
 وبعكس الملف الاقتصادي، نجح قادة القمة في تناول ملف مكافحة الإرهاب، ربما لما تشهده المدن الأوروبية من أعمال إرهابية ضخمة في وقتنا الراهن، فلم تكن باريس ولندن وبروكسل بعيدة عن أيادي الإرهابيين على مدى الأشهر القليلة الماضية، وربما لهذا السبب التقت رؤى المشاركين بالقمة في هذا الملف الصعب، وقد نقول إن الملف حظي بإجماع الأراء، إذ اتفق قادة قمة العشرين على ضرورة محاربة التطرف على مواقع الإنترنت وتجفيف مصادر تمويل الإرهاب وملاحقة الإرهابيين في الملاذات الآمنة، وتوثيق التعاون الأمني بين أجهزة الاستخبارات ومراقبة تطبيقات التواصل الاجتماعي المستخدمة في الإتصالات وغيرها من الإجراءات.
 وعلى الجانب التفصيلي، اتفقت القمة على أهمية مكافحة تهديد عودة الإرهابيين من مناطق الصراع كسوريا والعراق. كما لفتت المستشارة الألمانية إلى ضرورة تشديد الإجراءات ضد الدعاية الترويجية للإرهاب على الإنترنت. ونظرًا لأهمية هذا الملف لأوروبا وما يمثله منم خطورة على الأمن الأوروبي، كشفت ميركل أن ممثلي كبرى القوى الاقتصادية بالعالم سيجرون مباحثات مع مزودي الخدمات لمواقع الإنترنت بغرض الحذف السريع للمحتوى الإرهابي والمتطرف. ولم تخفِ ميركل مخاوفها من مخاطر خدمات تطبيقات «الماسنجر» المشفرة المنتشرة على شبكة الإنترنت التي يتم عبرها تبادل معلومات إرهابية وما تمثله من مشكلة كبيرة لأمن الدول. وهنا طالب المشاركون بضرورة تحسين الفحص والمراجعة بالنسبة لهذه الخدمات وتوسيع نطاق الاشتباه لفحص مضامين الرسائل المشفرة التي ينجم عنها المزيد من الأعمال الإرهابية.
ثم نأتي لأهم حدث خليجي – عربي مهم جدًا وهو اختيار القمة للسعودية لكي تستضيف قمة العشرين عام 2020، في إشارة بالغة الدلالة على دور المملكة واقتصادها وقدرتها على استضافة مثل هذا المحفل الكبير جدًا الذي يشهد إدارة أكبر الملفات الاقتصادية في العالم في وقتنا الراهن. ومن الطبيعي أن تعرض السعودية خلال القمة المشار اليها إمكانياتها ومجالات الاستثمار فيها، لمستثمرين عبر العالم. هي كذلك فرصة للمنطقة لتسليط الضوء عليها، ناهيك عن الفرصة الجيدة للرد على العالم أجمع بأن زعامة السعودية للتحالف العربي في اليمن لم يؤثر على قدراتها الاقتصادية، لتأتي القمة لتثبت للجميع استمرار نموها الاقتصادي والاستقرار السياسي بها، وأن هذين «النمو والاستقرار» هما مركز قوة للسعودية وشركائها الخليجيين. وكان لافتًا مشاركة السعودية في قمة هامبورج تحت عنوان «نحو بناء عالم متواصل» وهو ما تسعى اليه السعودية في الواقع، مستخدمة كافة أذرعها الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتعزز دورها الخليجي والإقليمي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها