النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

قطر فوق صفيح ساخن

رابط مختصر
العدد 10321 الأربعاء 12 يوليو 2017 الموافق 18 شوال 1438

لم يعد الاطلاع على الأخبار التي تمور بها المجتمعات الإنسانية حكرًا على ما تبثه وسائل الإعلام التقليدية أو الرسمية من تلفزيون وإذاعة وجريدة، وإنما باتت كل تفاصيل المشهد اليومي لأي مجتمع من المجتمعات معروضة وبالبث المباشر المسهب في وسائل التواصل الاجتماعي التي صار معها كل مشترك في وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي مؤسسة إعلامية قائمة بذاتها، بل إن هذه الوسائل باتت مصادر للإعلام التقليدي ذاته يلتقط منها الأخبار والمشاهد ويتخذها مادة إعلامية من مواده. وحيث إن مجتمعاتنا الخليجية ملتهبة بما تطفح به من إفرازات الأزمة مع حكومة قطر في هذه الأيام فإن كثيرين منا تابعوا في هذه الوسائل «فيديو» يظهر فيه جمهور صغير الحجم متحلقًا حول سيارة حاكم قطر، الأمير تميم بن حمد آل ثاني، وفي هذا الفيديو كان صوت أحدهم واضحًا وهو يردد «كلنا فداك يا بو حمد».

 كان ذلك الفيديو مرتبطًا بيوم عصيب مشحون بمسببات التوتر. فهو اليوم الذي شارفت فيه على الانتهاء مهلة الـ 48 ساعة المعطاة لقطر بناءً على طلب سامٍ من أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد، للرد على مطالب أو مشاغل الدول الأربع المقاطعة، جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، وهي الدول التي تعرضت بشكل مباشر إلى أعمال إرهابية يحظى مقترفوها مخططين وداعمين ومنفذين حتى هذه اللحظة بالملاذ الآمن والطمأنينة التامة في الدوحة، وهي أيضا الدول ذاتها التي كانت ولا تزال في مرمى الاستهداف المباشر لإعلام تحريضي مكثف يؤلب على الأنظمة السياسية القائمة فيها. كل ذلك نتاج كراهية شخصية من الأمير الأب للمملكة العربية السعودية، كما قيل، وحنق منه على كل من مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة! فهل تبقى مصائر هذه الدول وشعوبها وسلامة الإقليم برمته متوقفة على الميل العاطفي للأمير السابق ونزواته الوجدانية؟! مجرد سؤال؟

 وبما أن الإخبارات وتناقل المعلومات في وسائل التواصل الاجتماعي، سواء بالكلمة أو الصورة، تأتي مختصرة ومبتسرة إلى الحد الذي يمكن ألا تفهم معه لتحتاج إلى توضيح أو إلى تحليل يجعل متلقيها فاهمًا لما ينشر، وفي مأمن من غايات التجييش أو التحريض وتقنيات التلاعب بالعقول وصناعة الاتجاهات وتكييفها بما يخدم منتج المعلومة ومروجها، وهي، للأسف الغايات المتغلبة على ما يروج في وسائل التواصل الاجتماعي، ويكفينا شاهدا على ذلك ما انفضح من إنشاء حكومة قطر لآلاف من الحسابات الوهمية في «تويتر» لتبييض صورتها والإيهام بتعاطف دولي وشعبي منقطع النظير مع ما تتعرض له من «ظلم» و«حصار» بحسب مزاعمها.

 وبالعودة إلى فيديو أمير قطر تميم بن حمد، فإن هتاف «كلنا فداك يا بوحمد» ليس بالأمر الذي يدعوني إلى تناول هذا الفيديو، أو الأمر الذي يستوجب مني التعليق والتحليل طبعًا، ذلك أننا نحن مواطني مملكة البحرين نعيد مثل هذا الهتاف ونكرره صادقين مرارًا على أسماع قياداتنا السياسية الذين يستحقون ذلك منا وأكثر، لكن ما يستوجب الوقوف عنده والتعليق عليه وتحليله هو ردة فعل أمير قطر غير المناسبة، والتي تنم، من وجهة نظري، عن حالة نفسية متعبة جراء ما يتعرض له هذا الحاكم من ضغوط الأزمة ومخلفاتها النفسية التي هي بلا شك ثقيلة تتجاوز مع ما كان يزينه له مستشاروه. فهل، يا ترى، يستحق من سمع منهم حاكم قطر «كلنا فداك يا بوحمد» أن يشيح هذا الحاكم عنهم بوجهه قائلاً «وخر يبه عن السيارة»؟! إن واقعة كهذه تبرر طرح مثل هذا السؤال، خاصة وأن مؤشرات تأثير الأزمة في قطر تتوالى مؤكدًا جديدها كل ما سبقه من علامات وضع اقتصادي وديبلوماسي هش باتت تعانيه قطر، فهل أثرت الأزمة إلى هذا الحد في أمير يدرك بلا شك أن كل حركاته وسكناته موضوع أثير للتحليل والدراسة؟ أظن أن السؤالين اللذين طرحنا يقتضيان منا حتمًا التأمل في الحالة النفسية التي يمر بها هذا الحاكم، حتى تكتمل لدينا الصورة عن الأزمة وآثارها وربما آفاقها ومآلاتها. 

 وفق ما ذكرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في تقرير لها بعنوان «دسائس القصر في قلب أزمة قطر» فإن الذي يدير الحكم في قطر، بعد نشوء الأزمة بين الدول المقاطعة ودولة قطر، هو حمد الأب مع رئيس وزرائه السابق ومهندس انقلابه على أبيه وليس نجله حاكم قطر الحالي، رغم أن تميم نفسه، بحسب ما جاء في التقرير، يميل إلى الاستجابة للمطالب الخليجية والعربية. فإذا صح هذا التقرير فإنه بلا شك سيكون دليلا على أن سلوك الأمير مع المجموعة التي تحلقت حول سيارته على هذا النحو من الفضاضة، مؤشر دال على نوع من الوعي بصورية الحضور، وضرب من الإحساس بالعجز عن أن يكون في مستوى انتظارات فئة من الشعب زين لها أن في وقفتها تلك تعبيرًا عن ولائها لحاكم يدرك أنه مجرد واجهة لفاعلين أساسيين يتحكمان في السياسة القطرية ويديران دفتها بما قد يتعارض مع رغبات الأمير المدرك في يقين العاجز أنه ليس بمقدوره أن يقدم أكثر مما أتاحه له الثنائي السالف الذكر: والده ورئيس وزرائه مهندس السياسات القطرية جميعها.

 بعيدًا عما يصرح به وزير خارجية قطر، المغلوب على أمره، والذي نتبينه أبعد الناس من أن تنطبق عليه مقولة «الرجل المناسب في المكان المناسب» أو ما ينشره عبدالله العذبة في جريدته أو في مقابلاته التلفزيونية أو في وسائل التواصل الاجتماعي، وكل ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي من تهويشات وتهويمات تدور حول المشكلة ولا تتناولها، فإن هذه المشكلة حبك تعقيداتها الحمدان، وورطا بها الأمير الحالي تميم بحيث أصبح من المتعذر على الأمير الابن أن يدافع عن حكومته أو ينفي عنها أدوارها التخريبية المدمرة، لا السابقة ولا التي ترتبط بحكمه والتي تدار من خلفه بتدابير من الحمدين نفسهما. الأمير تميم بات مغلول اليدين، وليس عليه إلا الانصياع إلى الميول المنحرفة لوالده، أو....

 قطر فوق صفيح ساخن وإن بيت الحكم فيها، وخصوصا في ظل ما يتوارد من الأخبار تشي بأن شيئًا ما يعتمل في جوف المجتمع القطري الذي تعصف به مشكلات مصيرية خطيرة. ولعل أحد أسباب تواري الأمير تميم وغيابه عن المشهد، في تصوري، هو واحد من أبرز مؤشرات عجزه عن إدارة الأزمة الداخلية المتفاقمة في قطر. باختصار، باختصار، إن ردة فعل الأمير تميم إزاء الجمهور المتحلق حول سيارته واحدة من التعبيرات عن عجزه على فعل أي شيء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها