النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

البيئة الضائعة في ضيعتنا

الفجوة التي تكبر والتخلف الذي يزيد

رابط مختصر
العدد 10321 الأربعاء 12 يوليو 2017 الموافق 18 شوال 1438

كلما تتاح لي فرص قليلة لزيارة بعض «بلاد الكفر» يجتاحني أحساس مرير وكاسح، بضخامة الفجوة الفاصلة بيننا وبينهم، على كافة الأصعدة، إلى درجة الشعور بنوع من الياس من إمكانية ردم هذه الفجوة أصلا في المستقبل المنظور، بالنظر إلى ما نحن فيه من أحوال، وإلى ما نفضل من خيارات غير حصيفة.

ولأن العديد من سواحنا العرب يتجهون في الغالب الاعم إما الى المنتجعات، وإما «المولات» التسوقية لفرط عنايتهم بمتعة الإنفاق والاستهلاك، لذلك يفوتهم خير عميم، ومتع عظيمة في الطبيعة من غابات وأنهار وجبال وهواء نقي، وما لدى تلك المجتمعات من تجارب وعادات وخبرات، يمكن أن يستفاد منها في حياتنا السخيفة السطحية المسطحة. كما تفوتهم الدروس الحضارية العظيمة التي يتأملوها ولا يستخلصونها، بعكس الرحالة العرب القدامى الذين نقلوا لنا المشاهدات الكثيرة عن حياة المجتمعات والشعوب الأوروبية والآسيوية والافريقية، في كتب وثقت صورًا واستخلصت دروسًا، ما تزال شاهدة إلى يومنا هذا على تلك التأملات الغنية بالفكر والعبر والملاحظات.

فأول ما يلفت النظر وأنت تتجول في مثل هذه البلدان، هو هذا الانسجام العجيب بين الإنسان وبيئته الطبيعية، فلا تعد ولا توسع على حساب هذه البيئة، لا تدمير ولا تخريب ولا سوء استخدام، فالإنسان هنا يأتي أولاً والطبيعة تأتي أولاً أيضا. فلا يوجد ضمن هذه المعادلة من هو ثانيا أو ثالثا. فالشجرة لا تقلع إلا إذا غرس محلها شجرة أخرى، والطرق عندما تشق في الجبال أو التلال، يكون أول ما يهتم به هو عدم المساس بالأشجار، أو تخريب الجبال أو المساس بالتوازن البيئي. وعندما يضطرون اضطرارًا إلى إقامة جسر على نهر أو جانب من بحر، فإن أول ما بتم هو النهر والبحر. فلا تدمير ولا تخريب ولا تشويه. 

تنظر في صفحة مياه النهر فلا ترى أوراقًا ولا ريشًا للحمام يطفو، ولا قمامة او بقايا نفايات. ترى القاع صافيًا، والمياه رقراقه. وتنظر إلى الشارع والرصيف فلا تجد عقب سيجارة ولا بقايا قراطيس. الآلاف من موظفي البنوك وطلاب المدارس والجامعات يركبون دراجات هوائية نظيفة، خصصت لها مسارات واشارات مواقف خاصة. 

ومن فرط عنايتهم بالبيئة والخوف عليها من الاختلال الجالب الكوارث، أنهم، في أي أعمال أو أشغال إنشائية أو صيانة، يحرصون بداية ونهاية على حماية الشجر الذي يحف بالطرقات، حماية كاملة، لا تقل أهمية عن عنايتهم بالإنسان والحيوان. ومن شدة خوفهم على هذه البيئة حددوا استخدام أكياس البلاستك المؤذية إلى حدودها الدنيا، وجعلوها رهيفة خفيفة، وجعلوا لها أثمانًا تحد من فرط الاستخدام والعبث الذي لا نرى مثله إلا في عالمنا العربي.

من شدة عنايتهم بالبيئة فإن صانعي السيارات في أغلب بلدان أوروبا الغربية والشرقية، وفي سياق عنايتهم بالحد من استهلاك الطاقة وحماية البيئة، صمموا أنظمة آلية داخل محركات السيارات منذ سنوات طويلة، تتوقف اوتوماتيكيا محركاتها عن الدوران بمجرد الوقوف عند الإشارات المروروية، بعكس السيارات التي نستوردها ونتفاخر بمحركاتها الضخمة وباستهلاكها الوفير للطاقة وقدرتها الرهيبة على التلويث ومساهمتها في رفع درجة الحرارة التي باتت تخنقنا.

وباختصار، لا أحد يمكنه أن يعبث بالبيئة، لأن العبث بها جريمة تماثل في خطورتها جريمة الفساد، ولأن العبث بها قبل كل ذلك مناف للحضارة ولمبدأ الاستدامة والتفكير في مستقبل الأجيال القادمة.

إنها تربية وثقافة، ونظم وقوانين وتعليمات وسياسات واضحة في إيقاع متكامل. فاللافت حقًا هو أن العنوان الذي يمكن أن يلخص معنى الحداثة والتقدم، هو: هذا الانسجام التام بين الإنسان والبيئة الطبيعية، انسجامًا كاملاً، والعمل الدائب على تعديل الكفة نحو هذا التوازن كلما بان أي اختلال فيه، بإجحاف او تقدير او طمع او تقصير. 

وهذا بالطبع لم يأتِ من فراغ أو بين عشية وضحاها، بل من سيرورة طويلة من النضالات، ومن الوعي العلمي والثقافي، حتى أصبح لمنظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والدفاع عن التوازن الحيوي، صوت بارز ومسموع، يحترمه متخذو القرار وراسمو السياسات، وأصحب الشركات والمستثمرون، يتقربون من خلاله إلى الجمهور الذي يهتز لقطع شجرة أو المساس بنهر أو بحر، ويضعونه في برامجهم الانتخابية. بل أصبح لأحزاب الخضر في أوروبا وزن ثقيل ومؤثر في الحياة السياسية والاختيارات الاقتصادية والصناعية، نتيجة لتفاقم الكوارث البيئية عالميا، فأصبح لهم في بلدان أوروبا ممثلوها في المجالس البرلمانية وفي البرلمان الأوروبي. (حزب الخضر الأوروبي يضم حاليًا 32 حزبًا من 29 بلدًا أوروبيًا حتى أن بعضها أصبح مشاركًا فعليًا في حكومات الائتلاف كما هو الحال في فرنسا وألمانيا. إلا أن هذه الأحزاب لا يقتصر عملها على الجانب البيئي فقط، بل يمتد لتشمل أيضا ليشمل البرامج الأخرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. لأنها تتخذ من الفلسفة الإيكولوجية ومن نظرية التنمية المستدامة منهجا لتطوير وتجديد الفكر والنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

فأين نحن من كل هذا التطور الذي يحدث هذا العالم الذي يؤسس لسعادة شعوبه واستدامة التنمية فيه؟ 

المشكلة أن الفجوة تكبر والتخلف يزيد، ولا ندري إلى أين نتجه؟!.

همس

أغنية ترف في القلب المنهك!

كأن رائحتها مدخنة بالسكر والملح، 

كأن نغماتها الروح ملت من وجودها، 

كأنها الطفولة تتسرب في خلايا مدخنة، 

كأنها الحب مشرنق في جسد مرهق، 

ينشد سرير النهر الصامت، 

كأنها الحياة استحال عيشها بعد الغياب.

كأنها اللحظة لا نستعيرها.

كأنها الصدق بلا مثيل. 

كأنها العيش أكثر مما يجب.....

وكأنني مجبر على الشعر أن يكتبني!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها