النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

«فبركة الأحلام والرغبات»

المختصرات الرمزية للصعود الاجتماعي المزيف

رابط مختصر
العدد 10319 الإثنين 10 يوليو 2017 الموافق 16 شوال 1438

التلاعب بأفكار الجمهور أصبح يشكل ما يمكن أن نطلق عليه مسمى (صناعة فبركة الرغبات)، حيث ارتقت هذه النزعة القديمة إلى مستوى العلم، تدرس في الجامعات ضمن مناهج التسويق والإعلان والإعلام وعلم نفس الجماهير على حد سواء في مختلف أنحاء العالم.

وتشتغل هذه الصناعة من خلال وسائل الإعلام والدعاية التي أصبحت قادرة – ضمن بعض وظائفها في المجتمعات الرأسمالية والاستهلاكية – على سلب الناس وعيهم وبناء عالم بديل من الأوهام والاغتراب، فتقنيات الإقناع ما فتئت تتحسن للتفوق على حاجز العقل، وتفادي الموقف المشكك وإدخال رسالة محددة إلى عقولنا الباطنية، وقدرت إحدى الدراسات المنشورة من عدة سنوات في فرنسا على سبيل المثال حجم التغطيات الإعلانية في البلدان المتقدمة بمعدل 2500 لقطة إعلانية يتعرض لها الشخص الواحد يوميا، حيث بث التلفزيون الفرنسي من خلال قنواته مجتمعة 500 ألف شريط دعائي في عام واحد.

وتشير نفس الدراسة إلى أن 85 في المائة من مجموع الرسائل الدعائية التي تصل إلى مسامع وأنظار الجمهور لا تخترق انتباهه، ومن أصل ال 15 في المائة المتبقية هناك 5 في المائة تؤدي إلى نتيجة معاكسة («المفعول الارتدادي») لما هو متوخى مبدئيًا، وحدها نسبة 10 في المائة تفعل إيجابا مع التذكير بأن هذه النسبة تتحول خلال 24 ساعة إلى 5 في المائة فقط، بفعل النسيان والانشغال والازدحام المعلوماتي، وتكون الـ 95% من الرسائل الإعلانية قد ذهبت هباءً منثورًا من دون أي تأثير حقيقي او فعَّال. ولكن، ومع ذلك، فإن رسالة مقتصرة على صورة واحدة يكون مفعولها كبيرًا جدًا ولا يتصور في بعض الاحيان، لأن هذه الوسيلة المسماة «الصورة شبه الواعية» تجعل الدعاية غير محسوسة، اذ يصار إلى إدخال صورة غريبة بين الصور الأربع والعشرين التي تبثها آلة العرض السينمائي في الثانية، فلا تنطبع هذه الصورة على شبكية العين، فالعين ترى والدماغ يأخذ علما لكن تحت عتبة الإدراك، وهذا هو مفعول «ما دون الحد»، وتعتبر هذه الصور غير شرعية لكنها تشغل تفكير العديد من الناس (الجمهور) وتؤثر في توجهاتهم.

وبما ان الدعاية الإعلانية بكافة أشكالها، تطمح إلى أن تكون فنًا للإقناع، فإن كل رسالة تحقق الغاية المطلوبة والمحددة بعناية بالغة، قائمة على أساس دراسة دقيقة لتوجهات ورغبات الجمهور واحلامه واخفاقاته. فقبل بث الإعلان مثلاً، تخضع الصورة أحيانًا لاختبار «كاميرا العين»: فيتم تسجيل حركة العينين والحدقتين خلال مشاهد تجريبية يتم خلالها مراقبة ردود أفعال المشاهدين، لرصد تأثير الدعاية وتفاعل هذا الجمهور معها، من خلال آلة تصوير خفية لا يعلم بها الجمهور الخاضع للتجربة.

إن الإكثار من مثل هذه الاختبارات يسهل عملية التحديد الإحصائي لمسار العين وحركتها وتأثير المشاهد على الوعي واللاوعي، وخاصة ما تراه اولاً وما يفوتها وما لا تراه أصلاً أو تتجاوزه، ويتطلب هذا العمل أبحاثا طويلة المدى تنتج من مساهمة اختصاصيين من فروع مختلفة: علماء الاجتماع، علماء النفس، علماء السيمياء، علماء الألسنية، الرسامون والمزينون إضافة الى مختصي الدعاية والتسويق.

وتعد هذه الدعاية في اتجاهها العام بعدد من الوعود وتحقيق الأحلام والرغبات المكبوتة والمعلنة معًا وهي تدور في مجملها حول: تحقيق الرفاهية والراحة والفاعلية والسعادة والنجاح والجمال والصحة والمرح والقوة وغيرها. فهي تلوح بوعد الاكتفاء، تبيع الحلم وتقترح مختصرات رمزية في اتجاه الصعود الاجتماعي السريع، إنها تفبرك الرغبات وتقدم عالما من العطلة الدائمة فيه الانشراح واللامبالاة، مسكون بأناس سعداء يملكون أخيرًا المنتج العجائبي الذي سيجعلهم جميلين ونظيفين وأحرارًا وأصحاء، مرغوبين وحديثين…

إن الدعاية تبيع كل شيء تقريبًا إلى الجميع، بمن في ذلك الفقراء، من دون تمييز بين الفئات الاجتماعية واحتياجاتها، كأن المجتمع الاستهلاكي مجتمع من دون طبقات، وعلى افتراض ان للجميع رغبات وحاجات وأحلام يمكن بيعها. ويؤكد، في هذا السياق، عالم السيمياء لويس كنيل: «في مواجهة عالم يثير القلق يستحضره التلفزيون أمام الجميع، تلوح الدعاية بعالم مثالي خال من أي أمراض أو مأساة، فلا بلدان متخلفة ولا قنبلة ذرية ولا تهديدات قاهرة ولا بطالة ولا تسريح للعمال، ولا أزمات مالية كاسحة، في عالم يشهد الانفجار الديموغرافي والحروب. فالصورة تكاد تدور حول عالم براءة وابتسام وأنوار، عالم التفاؤل والجنة الخضراء». 

وعن طريق التراكم، تكرر الإعلانات وتؤكد الأوهام الكبرى المعاصرة: الحداثة والشباب والسعادة والترفيه والوفرة والصحة والشباب الدائم… وتبقى صورة المرأة مثلا محصورة داخل خطاب الداعية الفج المخاتل، لا يعترف بها في الغالب إلا كأداة للذة او كخادمة منزل، وارتهانها لا يتبدل، فهي تظل سجينة لنظرة الرجل.. وفي هذا السياق يقول الباحث فريديريك بيغبيدير: «من اجل استعباد البشرية قررت صناعة فبركة الاحلام اعتماد لعبة الصورة لفبركة الرغبات، ولذلك يمكن القول إننا بتنا نشهد أول نظام لاستعباد الإنسان في العصر الحديث تعجز الحرية عن مواجهته».

إن تركيز القنوات الاذاعية والتلفزيونية على الدعاية كمورد مالي رئيسي، يجعلها تستخدم الومضات الإعلانية التي تتخلل البرامج والافلام، وعادة ما تكون هذه الومضات قد تمت صناعتها في الخارج ضمن نسق ثقافي وفكري غربي لمصنعي ومقدمي السلع للترويج للثقافة الاستهلاكية التي هي جزء لا يتجزأ من متطلبات المجتمعات المنتجة، إلا ان الترويج للاستهلاك في المجتمعات غير المنتجة يصبح مشكلة حقيقة، لأنه يعزز الخلل الحاصل في دورة الاقتصاد، هذا فضلا عن التأثيرات الجانبية المتعلقة بالقيم الاجتماعية والفكرية وحتى الجمالية.

همس

لحظة مسروقة من زمن الغياب

همس الورد في عبقه الذائع

نشيد الروح يسري عشية الصباح، 

يا سيد اللحظة الهاربة

أربك لهفتي الغياب في أرض السؤال 

مكتظة أحزاني، مكتظة روحي 

تترنم الذكرى في لوح محفوظ، 

على نافذة القلب المهجور....

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها