النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

الإسلام السياسي باعتباره نقيضًا.. الابتلاع المزدوج للوطنية والقومية

رابط مختصر
العدد 10314 الأربعاء 5 يوليو 2017 الموافق 11 شوال 1438

أدى النكوص عن الثوابت الوطنية، وانكارها في بعض الأحيان، كما أدى النكوص عن الثوابت العربية، والعمل على التشكيك في الرابطة العربية -هوية ووجودا- إلى هذا الضعف الدراماتيكي، ولهذا التفكك في الموقف والرؤية. مما شجع على تضخم الهويات الجزئية (الطائفية - المناطقية - القبلية..) وربما يكون هذا التشظي الحالي الأشد خطرًا الذي تمر به أوطاننا ويتهدد المجتمعات العربية على صعيد الوحدة الوطنية. فالانجرار وراء الجزئي - المحلي - الطائفي، يضغط بشدة على كل ما هو وطني ويهدد بضياع مكتسبات وطنية ثمينة سعت الدولة العربية إلى ترسيخها خلال أكثر من نصف قرن من الزمان. فالتيار الانعزالي - الطائفي - التجزيئي، أصبح جارفًا ومندفعًا بقوة، ومن الصعب السباحة ضده وإن لم يتوقف سيجرف معه بشدة حتى الانتماء الأساسي لمجتمعاتنا وهو الانتماء الوطني، فما بالك بالانتماء القومي العربي أو ما بقي منه.
لقد أدت التحولات التي عصفت بالوطن العربي إلى النكوص عن الثوابت العربية، مما فتح الباب واسعًا أمام تنامي الهويات الصغرى بكافة أشكالها، حيث أصبح من الطبيعي، الحديث صراحة عن هويات تفتيتية للوطن الواحد. وإذا كانت كل دولة عربية تجد من المبررات ما يكفي لتحريرها من أعباء الالتزامات القومية بعد الكوارث التي مست الحياة العربية في العقدين الماضيين، فإن المخيف أن يجاوز الأمر ذلك إلى استحضار الهويات الأصغر: المناطقية والطائفية والقبلية والعشائرية..
وقد يكون في التشبث بالهوية الوطنية جانب ايجابي في ظل هذه الهويات التفتيتية الجديدة التي تختلق رايات ترتفع فوق رايات الوطن، فما بالك برايات الهوية القومية. فقد رأينا وما نزال نرى كيف أدى تفكيك العراق عمليًا إلى هويات صغرى، في ظل الاحتلال الأمريكي إلى نشوء ما يشبه الكانتونات السكانية، إقليم للكرد، وآخر للعرب السنة وثالث للعرب الشيعة، مما فتح الباب أمام مجازر وحروب بدائية، والى رفع الأسوار الفاصلة والكتل الإسمنتية التي تقسم الشوارع والطرقات الأحياء. وانتشار المليشيات الطائفية التي تقتل على الهوية.
هذا النموذج الذي حمله معه الاحتلال الأمريكي للعراق، هو الذي تسبب في الكارثة العارمة التي حللت بالبلاد العربية لاحقًا، هو ما يتم تسويقه حاليا في المنطقة والتحريض على الأخذ به بكل السبل، من خلال مداخل عديدة وملتبسة، منها مدخل حقوق الإنسان والحقوق المدنية والثقافية، وغيرها من السبل التي تشجع الهويات الصغرى وتدغدغها، بما يؤثر سلبًا على وحدة الأوطان، خاصة في الدول الحديثة التي تحتاج إلى تعزيز هويتها الوطنية العامة وهويتها القومية.
ولكي يتم استغلال وتوظيف وتسويق الإسلام السياسي المنظم حزبيًا وسياسيًا إعلاميًا لإنجاز مهمة ضرب الوطنية والقومية معًا، كان لا بد من جعل التحالف معه أمرًا محتملاً في الداخل الغربي، وذلك من خلال القول بأن هذه الجماعة هي من الإسلاميين الديمقراطيين، لتقسيم الناس وخلق أسباب التصدع داخل القيم التي تحكم النظام الاجتماعي الموحد والمتماسك، وسرقة الديمقراطية واحتكارها إسلاميًا أو تزوير معناها، وقولبتها دينيًا وربطها بالشرط الإسلامي كفضاء انتماء للديمقراطيين. رغم علم الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية المسبق بأن الجانب الديني - الطائفي في تلك التوجهات هو الأصل، وأن الديمقراطية هي المتغير التابع، والتي يتم الاستغناء عنها حالما تنجز مهامها في تمكين الجماعة من التحكم في مصير البلاد والعباد. ولكن الولايات المتحدة تذرعت في دعايتها بانها المدافعة عن الكرامة الانسانية، وحكم القانون، وحرية التعبير والعبادة والعدالة واحترام النساء والتسامح الديني. وجميعها مطالب مهمة بالنسبة للشعوب العربية والاسلامية، وهي بقناعتهم حبل النجاة والخلاص من المعاناة التي يعانونها يوميًا، ولذلك فقد اوهمت البعض وساروا وراءها وطلبوا العون منها حتى وان كان باحتلال بلادهم وانتهاك سيادتها مثلما حدث في العراق.
هذا في الحقيقة ما حصل خلال السنوات الماضية، وخاصة منذ سقوط العراق وحتى اليوم، فوضى عارمة تستخدم الإسلام السياسي بشكل رئيسي، كبديل «ديمقراطي» جديد، مضاد للوطنية وللهوية القومية، وسعيًا الى تفكيك المجتمعات العربية على أسس اثنية وطائفية، ليكون التقسيم هو الآلية والاضعاف هو الهدف.
إن المجتمع الواثق من نفسه مجتمع قوي بهويته الوطنية والقومية والروحية في ذات الوقت، وهو مجتمع قوي بثقافته، وهو مجتمع يتشكل وفق ما يتيحه لكل أفراده من ظروف للخلق والإبداع والحلم والطموح والحرية، ورسم الأهداف والتوق إلى الأفضل، وبما يجيزه من إمكانات لتحقيق هذه الطموحات وبلوغ ما ينشدونه من أهداف، وهو بقدر ما يعمل على الوحدة والتوحيد والتماسك، يشجع على الانفتاح على العالم الخارجي والإقبال على فرص الإثراء المتبادل دون عقد.
وإن ثقة كل مواطن بنفسه، وثقة الشعب بقدراته وبمستقبله، والعمل على تعميقها وازدهارها يعد جانبا من الرسالة التربوية والسياسية والإعلامية والثقافية التي تعهد الدولة والمجتمع بها، ولكن اختزال وجه الوحدة الوطنية في مجرد الانتماء اللفظي وشعارات السيادة المفرغة من المحتوى، دون أن ربطها بقيم المواطنة والحرية ودولة المؤسسات والتساوي أمام القانون، لا يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، مهما تحدثنا عن ذلك، لان مجرد الحديث لا يخلق واقعًا ولا يجسم الأهداف والحقائق على الأرض، فوعي الناس بالمواطنة يرتبط بالضرورة بمفهوم وانتماء مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة، ضمن هوية وطنية جامعة وشاملة، لا تكون تعبيرًا عن موقف سياسي ضيق، بما يجعل الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وأساسًا راسخًا لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها.
همس:
يقول الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في دفاتره: «أنا لا أطلب من وطني شيئًا، إنني أجده يكافئني بوفرة الهواء الذي استنشقه كل يوم وأنا فيه، أنا لا أطلب أكثر من أن يمتنعوا عن إفساد هذا الهواء الذي استنشقه».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها