النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

مهمة «السفور» التي لم تبدأ بعد

رابط مختصر
العدد 10312 الإثنين 3 يوليو 2017 الموافق 9 شوال 1438

 بعد أكثر من مائة سنة على صدور العدد الأول منها في 11 مايو 1915، أعادت دار الكتب المصرية – في الأسبوع الماضي – طبع المجلد الأول من جريدة «السفور»، وهي – كما وصفت نفسها آنذاك – جريدة اجتماعية نقدية أدبية تصدر مرة في الأسبوع كل يوم جمعة، رأى جماعة من الشباب المفكرين – كما قالت فى افتتاحية هذا العدد – حاجة البلد إليها ماسة، فأصدروها لكي يقولوا إن للسفور معنى أشمل وأعمق مما يتبادر إلى أذهان الناس عند سماع الكلمة التي جرت بها أقلام الباحثين في مسألة المرأة، لأن الحجاب لا يقتصر فقط على وجه المرأة، ولكنه يشمل أيضا حجب نزعات الناس وفضائلهم وكفاءاتهم وأمانيهم، على نحو حول البلد إلى أمة محجبة، لا يبدو منها إلا ظواهر كاذبة لا تتفق مع ما فطرت عليه في شيء.
بمصطلحات زماننا، يمكن القول – مع بعض التجاوز – إن «السفور» كانت جريدة «ليبرالية» أو «حداثية» أو «تقدمية» صدرت لكي تدعو إلى منظومة جديدة من القيم الخلقية والسلوكية، الفردية والاجتماعية، تستهدف إزاحة الحجاب عن عقل الأمة لكي ينفض عن نفسه حالة الازدواجية التى تجعله يجمع بين التزمت الشكلي في الظاهر، وبين التحرر الذي يصل إلى حد الانفلات، على النحو الذي جسدته فيما بعد، شخصية السيد «أحمد عبدالجواد» – بطل ثلاثية نجيب محفوظ – التى شاءت المصادفة أن تبدأ حوادثها في وقت قريب من صدور العدد الأول من «السفور»!
وكانت جماعة الشباب المفكرين، التي رأت أن البلد في حاجة إلى جريدة تبشر بهذه الرسالة، تضم خمسة من الأصدقاء، جمع بعضهم بين التعليم في الأزهر وفي الجامعة المصرية القديمة، وانتقل بعضهم من التعليم المدني إلى الجامعة، وأكملوا جميعا دراساتهم العالية في الجامعات الفرنسية هم: «الشيخ مصطفى عبدالرازق – ود. محمد حسين هيكل – ود. منصور فهمي، ود. طه حسين..». وقد لمعت أسماء هؤلاء الأربعة فيما بعد على خريطة الفكر العربي، أما خامسهم فهو «عبدالحميد حمدي» الذي كان آنذاك محررًا في جريدة «الجريدة» التي أصدرها ورأس تحريرها استاذهم جميعا أحمد لطفي السيد.
ولم تكن صحيفة الحالة الجنائية لاثنين من هؤلاء تخلو من سوابق تتهمهم بالخروج عن الملة أو الثورة على التقاليد أو التطاول على المقامات. أما أولهما فهو منصور فهمي الذي كان من بين أعضاء أول بعثة أرسلتها الجامعة المصرية إلى فرنسا، ولكن الرسالة التي تقدم بها للحصول على درجة الدكتوراه أثارت غضب المحافظين والمتزمتين، فشنوا ضده حملة صحفية انتهت بسحب الدرجة منه. أما الثاني فهو «طه حسين» الذي أشرف شيخ الأزهر بنفسه على إسقاطه في امتحان شهادة العالمية، بسبب انتقاداته الحادة له، في المقالات التى كان – وهو طالب فى الأزهر – ينشرها على صفحات «الجريدة» ما اضطره إلى الالتحاق بالجامعة لكي يستكمل تعليمه بها.
ولأن الحماية البريطانية كانت قد فرضت على مصر بسبب الحرب العالمية الأولى، ولأن الرقابة العسكرية البريطانية على الصحف المصرية كانت قد اضطرت السياسية منها للتوقف عن الصدور، ودفعت أستاذهم «أحمد لطفي السيد» لأن يترك الاشراف على تحرير «الجريدة» لمعاونه «عبدالحميد حمدي»، ويسافر إلى قريته لكي يعتكف فيها، فقد فكروا – كما يقول د. هيكل في مذكراته – في تكوين شركة تتولى إصدار جريدة أسبوعية أدبية اجتماعية لا شأن لها بالسياسة باسم «السفور»، وكان من بين بنود عقد هذه الشركة نص يقضي بأن يكون «عبدالحميد حمدي» هو المسؤول عن إدارة الشركة، له ارباحها وعليه خسارتها، وأن تقتصر مهمة الشركاء الأربعة الباقين، على أن يكتب كل منهم مقال في كل عدد من أعداد الجريدة، فإذا لم يكتب دفع مبلغًا معينًا لقاء عدم كتابته. وهكذا استمرت «السفور» تصدر على امتداد ما يقرب من سبع سنوات، أصدرت خلالها 306 من أعدادها، طالع الأخير الدنيا في 22 أكتوبر 1922.. ولم تكف على امتداد تلك السنوات عن الجهر بدعوتها للتجديد في كل مجال: من التعليم الديني إلى التعليم المدني، ومن تنمية الاقتصاد، إلى مشاركة المرأة في الفضاء العام، ومن نقد الواقع الاجتماعى، إلى الدعوة للاهتمام بالفنون والآداب.. ولو أنك قرأت الأعداد الثلاثين التي تضمنها المجلد الأول من «السفور» الذي صدر هذا الأسبوع، فسوف تدهش مثلي، لأننا نحن العرب، لانزال نختلف حول نفس القضايا التي اختلف عليها اجدادنا في عشرينيات القرن الماضي، ولأننا لانزال عاجزين عن حسم مسائل حسمها العالم المتقدم منذ زمن طويل، بل وساد الظن – أو الوهم – لدى بعضنا أنها لم تعد تستحق عناء الجدل أو مشقة المناقشة، فإذا بنا نفاجأ بين الحين والآخر، بأننا لانزال نقف «محلك سر»، ولايزال بيننا من ينظر لتلك المسائل بنفس النظرة التي دفعت أصحاب «السفور» إلى اصدارها منذ قرن من الزمان، بل إننا عند النظر لبعض هذه المسائل، نعود إلى الوراء بدلا من أن نتقدم إلى الأمام، وأن حاجتنا لم تزل ماسة وملحة إلى جريدة اسبوعية، تقوم بذلك الدور الذي ندبت «السفور» نفسها للقيام به، وكان الظن أنها اغلقت ابوابها، منذ ما يقرب من تسعة عقود، بعد أن انجزته، فإذا بحقائق الواقع الذي يحيط بناتكشف عن أنها واجهت مقاومة جعلتها تلقى مصرعها وهى تخطو خطواتها الأولى فى التبشير برسالتها، وربما يكون هذا هو السبب الذي دفع دار الكتب المصرية، إلى إعادة طبعها، لكي تذكرنا بأن مهمة التحديث لم تنتهِ بعد، بل لعلها لم تبدأ بعد!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها