النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

نهاية التحالف الأصولي اليساري.. فشل دمج الإسلام السياسي في جنة (الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10312 الإثنين 3 يوليو 2017 الموافق 9 شوال 1438

في المحصلة النهائية للأزمة التي مرت بها البحرين وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نجد أن مطلقي هذه الازمة – او مفتعليها – قد رجعوا بخفي حنين، وعادوا بالبلد إلى الوراء. والذين نادوا بإسقاط النظام سقطوا تباعًا الواحد تلو الآخر، سقوطًا مدويًا، نتيجة لسوء التدبير والتعويل على القوى الخارجية التي وعدتهم «بإحداث التغيير لصالحهم.».
الذين ورطوا البلاد والعباد في هذه الأزمة المفتعلة كانوا يزعمون أنهم يريدون ديمقراطية كاملة ومجلسًا نيابيًا كامل الصلاحيات وكل شيء كامل الاوصاف والصلاحيات. في حين أن الواقعية السياسية كانت تقتضي القناعة مرحليًا بنصف ديمقراطية أفضل من لا ديمقراطية، وان القناعة بنصف دولة مدنية، أفضل من دولة تحكمها الطائفية بزي الدين والطائفة، لأنها لن تكون وقتها دولة أصلاً.
صحيح أن حركة التاريخ مع الاصلاح والتطوير، وأن المستقبل هو للديمقراطية، ولكن الذين زجوا بالبلاد في أتون الازمة لم يدركوا أن تحقيق مثل هذا الهدف (إذا كانوا فعلاً صادقين بأنهم يعملون من اجل الديمقراطية) يحتاج إلى تلطف وتفهم ودعم من المستنيرين والعقلاء، وأن التطرف والعدمية والطائفية تسهم جميعها في تعطيل حركة التاريخ. وهذا ما حدث بالفعل عندما أسهمت أزمة 2011م في عرقلة حركة الإصلاح وتعطيل حركة التنمية.
لقد كان متوقعًا من قوى الإسلام السياسي الطائفية تحديدا، أن تسلك مثل هذا المسلك الكارثي في التعامل مع القضايا السياسية الوطنية، بحكم هشاشة الرؤية وضحالة الفكر السياسي لديها، وعنف الطموح المبالغ فيه في الوصول إلى السلطة بأي ثمن. ولكن ما كان مستغربا هو أن تتسم مواقف القوى المنسوبة تاريخيًا وأيديولوجيا إلى اليسار بقدر مماثل من السذاجة والمغامراتية، والتورط في المغامرة الكارثية التي قادها التحالف مع الأصولية الطائفية.
 إن قوى اليسار كانت أكثر المستفيدين من الانفتاح الديمقراطي الذي شهدته البحرين منذ 2001م وعلى مدار عشر سنوات على الأقل، لأن القوى الدينية كان لها حضور ووجود واسع في الفضاء العام قبل التجربة الديمقراطية. قوى اليسار أخذتها رياح (الربيع) عن عقلانية التحليل ودراسة الواقع على الأرض بعيدًا عن مواقع التحليل التاريخي، فها هي اليوم تخسر كل شيء تقريبا، بعد ان خسرت هويتها ورؤيتها الفكرية والسياسية وانحازت الى التحالف مع اليمين الطائفي. وبدلاً من أن تكون أكثر الرابحين مما أتيح لها بعد سنوات طويلة من البحث عن بقعة تحت الضوء، فها هي تكون أكثر الخاسرين خسارة على كافة المستويات.
إن يسارًا ينخرط في تجربة طائفية يقودها حزب يميني أصولي، على أساس برنامج متوحش واستئصالي لا يمكن ان يصنف يسارًا، بأي معيار من المعايير. ويسار يبرر للاصطفاف إلى جانب حركة سياسية طائفية تدعو إلى التشبث بالمرجعيات الدينية المقدسة، وتتبنى نظرية معادية للديمقراطية والحداثة، وقائمة على المصادرة لإرادة الناس وحرياتهم وخياراتهم الحرة، بمضمون مناقض لجوهر المشروع الديمقراطي التقدمي نفسه، تحت عناوين وشعارات ثورية ولكنها في جوهرها هلامية كاريكاتيرية، لا يمكن أن يكون يسارًا.
 لقد قادت هذه السقطة الأيديولوجية والقفزة في سماء السياسة إلى بناء ثوب مرقع غير قابل للالتئام، ولا للانسجام، ولذلك تم اللجوء بسرعة لردم تلك الفوارق الشاسعة إلى جماعات قتالية طائفية (سياسية وإعلامية وحتى شبه عسكرية) تنسج خيوط العلاقة، باستحضار القاسم المشرك الجامع وهي الطائفة، برعاية مقدسة. فإذا كان من صميم الحداثة، من روح الفكر العقلاني التقدمي الحق أن تتصدى القوى التقدمية، وفي مقدمتها القوى اليسارية، فكريًا وثقافيًا، وسياسيًا لتيارات الإسلام السياسي، بمختلف مرجعياتها الطائفية، فإن العكس بالضبط هو الذي حدث، حيث تم ابتلاع اليسار الهش سياسيًا والمهمش اجتماعيًا، من قبل أكبر قوة أصولية طائفية، وتحولت بعض اجنحته الأكثر تطرفًا وضيق الأفق، إلى مجرد سكرتارية للحزب الطائفي. وفي تلك اللحظة تحديدًا يمكن القول إن اليسار في البحرين قد انتهى عمليًا، مثل الحيتان التي تلقى بها أمواج البحر خارج المحيط فتنفق.
صحيح أنه ليس على اليسار أن ينكفئ على ذاته، لأن المهام التاريخية المطروحة عليه هي أكبر من أن ينجزها لوحده. ولكن كان عليه أن ينطلق أولاً من إعادة بناء ذاته وتجسيد وحدته على أسس نقدية، تمكنه من تجاوز حالة الانحسار والضعف، وتجنبه إعادة إنتاج أزماته وأخطائه وتعيد الاعتبار لدوره في مسار الإصلاح الديمقراطي الذي كان يتجه نحو أفضل تجلياته. وإذا كان لابد من تحالف فقد كان الأولى ان يتحالف مع القوى المستنيرة والتقدمية وحتى الليبرالية الأخرى التي تلتقي معه على الأقل في النضال من أجل الحريات العامة والخاصة والتقدم والحداثة والفصل بين الدين والسياسة، وإن اختلفت معها حول المنوال التنموي والاقتصادي. ومن ثم كان يمكن إعادة بناء تحالفات تستمد مشروعيتها من أهدافها الأساسية وفق رؤية استراتيجية شاملة للتحرر من التبعية والخروج من التخلف وتهدف إلى إقرار ديمقراطية حقيقية سياسية واجتماعية وتحقيق تنمية مستقلة ومستدامة مع وفي خدمة الجماهير الشعبية..
إن التجربة التقدمية التي كانت منتجًا حداثيًا، صارت اليوم تحلق خارج فضائها الرحب بعلة «انسداد الآفاق»، وهي على ذلك لم تدرك ان ما أنتجه المسار السياسي من تباينات وحتى صراعات، هو في النهاية اختلاف داخل ثوابت ومؤسسات النظام الحداثي، أما ما أتحفونا به من توليفة يسارية أصولية، فهو مسار تراجعي يقع خارج الأدنى الحداثي المشترك الذي أنتج توافقا وطنيا وتجربة تعددية قابلة للتطور خارج الانفعالات، وهي تعددية لا نعتقد أنها موجودة أصلا في ذهن من تمثل بسذاجة قاتلة فكرة ما يسمى اليوم في الأدبيات الخارجة عن القانون والعقل بدولة الحق وبالجماعة الإيمانية، والتي نعرف من البداية أنها لا تؤمن قطعًا بالديمقراطية كفكرة وكممارسة وكثقافة، قائمة على الحوار الدائم والالتزام بالقانون وبمدنية الدولة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها