النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الحروب التي في العقول الإرهاب وثقافة استلاب الوعي والذاكرة

رابط مختصر
العدد 10307 الأربعاء 28 يونيو 2017 الموافق 4 شوال 1438

يقف المسلمون والعرب اليوم أمام استحقاقات جادة لتفادي ارتهانهم للخارج في سياق العولمة المتعاظمة، وذلك من خلال تجديد شروط شراكتهم الفكرية والاجتماعية والتنموية في مشروع حضاري إنساني سواء على المستويات العلمية والتربوية والثقافية أو على المستويات السياسية والحقوقية، كما أن أصحاب الديانات الأخرى مطالبون هم أيضا بمثل تلك المراجعة في اتجاه السمو والتسامح الإنساني والقبول بالآخر، وعندها يمكننا أن ننتظر تصحيحًا لمسارات التوحش التي انحرفت اليها الإنسانية مجددًا في العقود الماضية مع تنامي الكراهية والتطرف الديني والطائفي وحتى العرقي.
إن هذا التجديد يمكن أن يؤسس لمفاهيم السلام الحقيقي والتعايش بين الأديان، وهو الشرط الرئيسي للسلام العالمي في بعده الأعمق والأشمل، وضمن شرطه الإنساني، حيث إن الحروب – مثلما يقول التربوي جاك ديلور-تنشأ أول ما تنشأ في العقول، والسلام لا ينشأ إلا إذا نشأ في العقول والوجدان معا-من خلال الحد من اتساع المسافة بين الأديان والمذاهب، بل والحد من الهوة الفاصلة داخل المذهب الواحد نفسه من خلال تعظيم القيم والمفاهيم الإنسانية المشتركة والجامعة واستبعاد ما يفرق من التداول.
إن اتساع الشقة بين الأديان والمذاهب والطوائف والأيديولوجيات من شأنه التمهيد لحروب لا تنتهي إلا بهلاك الأرض والحرث والنسل، ولنا في العراق ولبنان وأفغانستان خير مثال على ذلك، فالانقسامات الحاصلة بين الأعراق والطوائف والأديان خاصة في العراق وسوريا تعيد إلى الأذهان الخوف من إعادة إنتاج «سايكس– بيكو» جديد تحت شعار «السلام» في الشكل، وتكريسا للانقسام الإثني – والديني والطائفي في الجوهر. وبدلاً من الحافظ على كيان الدولة الوطنية فإنه من المرجح أن لعبة الانقسامات الدينية والطائفية سوف تؤول بنا على الأرجح إلى ولادة وتشكل دول طوائف على أنقاض الدولة الوطنية، على شاكلة تفكيك العراق إلى أربع دول طوائف جديدة: دولة شيعية وأخرى سنية وأخرى كردية ورابعة تركمانية. وعلى شاكلة التوزيع الطائفي للمناصب في لبنان: رئاسة مارونية ورئاسة سنية ورئاسة شيعية وهكذا الامر في سوريا وربما حتى في ليبيا الجديدة.
إن مثل هذا الأمر يدخل المنطقة في دوامة من العنف المتكرر والمولد للأحقاد والتفكك، وعندها يحقق حلم هرتزل الذي سبق له الإعلان وهو يتحدث عن الوطن العربي: «كل شعب ينقسم شعبين يصبح في قبضتنا».
إن الخطر المحدق بشعوب المنطقة كان، وما زال، ذا وجهين: الأول أن العقل الذي حكمنا غلب فينا عقلاً طائفيًا تفتيتيًا أسرنا وحال دوننا والعقلانية والحداثة، والثاني أنه غلب علينا عقلاً حدًا ثويًا استلبنا شكليًا يعيش حالة اغتراب داخل مجتمع لا يستوعبه ولا يفه ولا يقوى على التأثير فيه. فمشكلتنا كعرب أننا لا نعيش حالة تفاعل حضاري، بل نحيا حالة انفعال أشبه ما تكون بردة فعل كائن مذعور خائف في هذا العالم وتحولاته الكبرى، لأننا لم نعد ندرك ذواتنا، إلا عبر إدراك الآخر لنا، والثقافة العربية إذن، لا نعيش حالة التثاقف والتفاعل المنتجة لتفاعل فكري جاد، وإنما نحيا حالة تلقف نمط عيش استهلاكي مادي شكلي، بعيد كل البعد عن المضامين الفكرية المؤسسة لبنية الحضارة الإنسانية والحداثة الحقيقية اليوم.
إن المطلوب في النهاية هو تجاوز الاستلابين معًا، الأصولي والحداثوي، لانباتتهما عن الواقع، غير أن هذا الطرح مازال غير مكتمل النمو في الوعي والفكر العربيين، وإن وجدت له بدايات فهي محصورة في إطار النخب، ولم تتحول بعد إلى وعي يترجم إلى واقع ملموس وممارسات فعلية. فالمسألة تحتاج إلى نضج فكري، وربما يتكفل الزمن بإنضاجها برغم كل الصعوبات والتحديات والنكسات التي نحيا على ايقاعها.
البلوى والسلوى
البلوى أننا، وحتى نحن ندعي الانتماء إلى الديمقراطية، واننا ديمقراطيون وطنيون، فإننا، وبعد عقود من المهاترات والتلاعب بالكلمات (ديمقراطية - شورى..)، لم نحسم معنى ومفهوم الديمقراطية وحدودها.
فـ «المسلمون الديمقراطيون» لم يقبلوا إلى اليوم بفكرة فصل الديني الدعوي عن الحزبي السياسي، بالنظر إلى كونهم مؤمنين بانتمائهم إلى أحزاب إسلامية والتأكيد على أن الجانب الديني في تلك التوجهات هو الأصل والديمقراطية هي المتغير التابع إلى حين. لأنه بالإمكان أن يتم الاستغناء عن الديمقراطية حالما تنجز مهامها في تمكين الجماعة الاسلامية من التحكم في مصير البلاد والعباد. وفي ذلك طمأنة لهم على إسلامهم الذي ينتمون إليه سياسيا من مخاطر مجتمعات تتطلع إلى الحرية وإلى بناء الديمقراطية وفق شروطها المدنية.ويرافق ذلك عدم وضوح في البرامج والرؤية السياسية خصوصا ان تيارات الإسلام السياسي – رغم انتمائها للإسلام السياسي – غير متجانسة في الرؤية والفكر والخيارات لأنها تضم جماعات تسعى لتغيير مجتمعاتها عن طريق اشتقاق أفكارها وبرامجها من الإسلام، فهي تتفق على القيمة الإيجابية للإسلام، وتريد تحويل إطار المرجعية في الحياة العامة إلى مرجعية يكون فيها الإسلام، بتفسيراته المختلفة، قوة رئيسية في تشكيل هذه الحياة. ولكن عندما يسأل هؤلاء عن الأنموذج الذي يريدون احتذاءه، فإنهم يختلفون: فهناك من يشير إلى التجربة التركية، حيث الدولة علمانية، والنظام إسلامي - علماني معتدل. وهناك من يشير إلى تجربة الأحزاب الديمقراطية المسيحية بأوروبا التي نشأت بعد الحرب الثانية على أنقاض هزيمة الفاشية والنازية. إلا أن أغلب هؤلاء يحيلون إلى مرجعية عامة غير محددة، بالاكتفاء بالإحالة على أن الإسلام هو الحل. وهذا نموذج واحد للتخبط الذي يسهم في إشاعة الفوضى بدلاً من الاستقرار، والشك بدلاً من الثقة، والخوف بدلاً من الاطمئنان، والانفرادية بدلاً من الشراكة، بما يعيدنا إلى إعادة إنتاج نفس الأسئلة ونفس الاستجابات التي أوقعت العديد من البلدان العربية في دائرة الاستبداد والصراع والفوضى، ولذلك لن يشكل هؤلاء إلا صورة أخرى من صورة قدرنا الفوضوي.

همس
ما زلت أنتظر لحظة التيه
في رائحة الجنة المسافرة.
أهوي في ظلمة الأحلام البيض والقيض يلتهم الذاكرة.
في حنجرتي أصوات مخنوقة،
والقلب أشد صقيعا من نجمة آفلة تهطل شوقا،
والصمت يروي بقايا الصوت في رحم الانتظار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها